التكتيك الذى لا يخيب أبدا !!

أحمد فاروق عباس
Ahmed.1936@yahoo.con

2024 / 6 / 11

لي في موضوع التجمع الجديد من بعض الكتاب والمثقفين ، والذي أطلق عليه إسم " تكوين " والذى يضم اسماء شهيرة مثل الاستاذ ابراهيم عيسي والدكتور يوسف زيدان والباحث اسلام البحيري ، والدكتورة فاطمة ناعوت وأخرين اقل شهرة بعض الملاحظات ..

لا أريد أن أصادر علي رأي احد ، فلكل انسان أن يقول ما يريد ، وان يقدم اجتهاده ، حتي وان كان به شطط ، والفكر - كما يقولون - لا يناقش الا بالفكر ..
ولكن هناك ملاحظات ضرورية في هذا الموضوع المهم :

١ - ان الاسماء السابقة ليست بريئة تماما ، ولم يعرف عنها انها منزهة عن الهوي ، ولكن بعضها له تاريخ سابق ، واقل ما يمكن ان يقال عنه انه ملتبس احيانا ، وغير مفهوم في أغلب الأحيان ..

إبراهيم عيسي مثلا .. بدأ حياته صحفيا في مجلة روز اليوسف في بداية التسعينات ، وبني مجده علي الهجوم علي الجماعات الاسلامية تارة او علي الشيخ الشعراوي تارة أخري ، وقدم نفسه وقتها باعتباره احد قادة كتيبة التنوير في مصر ..

وبعد عشر سنوات فقط ، وفي عام ٢٠٠٤ وبدء الولايات المتحدة مشروع الشرق الأوسط الكبير لصنع شرق أوسط اسلامي ، وفي واحدة من صور الضغط الامريكي علي الرئيس مبارك لفتح المجال الإعلامي في مصر ، ظهرت في تلك الفترة قنوات فضائية مثل قناة دريم ، لصاحبها رجل الاعمال ذي الصلات الاقتصادية القوية بالأمريكان الاستاذ أحمد بهجت ..

ظهر الاستاذ ابراهيم عيسي علي قناة دريم ، وقدم عليها عدة برامج علي مدار سنوات ..

وظهرت في نفس الفترة صحف مثل المصري اليوم ( ووراءها نفوذ أمريكي قوي وواضح ) ونهضة مصر ، وصحيفة الدستور ( في اصدارها الثاني ) للاستاذ ابراهيم عيسي عام ٢٠٠٦..

واذا بالمناضل التنويري القديم يفتح صحيفته بالكامل امام الأخوان المسلمين .. الفصيل الأبرز والأكبر في كل تيار الاسلام السياسي !!

تغطية " متعاطفة " لأخبارهم ، وتأييد مستتر لخطواتهم ، ووجد كبار قادة الاخوان المسلمين انفسهم ككتاب في صفحة الرأي في صحيفة الدستور ، وكان اشهر كتابها الدكتور عصام العريان وغيره !!
اين ذهب التنوير ؟!
لا أحد يعرف !!

واستمر الأمر من ٢٠٠٦ الي ٢٠١١ ..
وبحركة استدارة غير مفهومة ترك ابراهيم عيسي مركب الاخوان المسلمين الي مركب الدكتور محمد البرادعي ، ليصبح شبه مستشار سياسي وصحفي للرجل ..

وبدلا من الدفاع - بغرابة - عن الاخوان المسلمين ، تحول الأمر الي الهجوم - بضراوة - عليهم !!

ولم يتوقف ويجيب اخد علي اسئلة ضرورية مثل : لماذا ومتي وكيف ؟!

وكان الاستاذ اسلام بحيري - وهو الباحث غير المعروف والذي بالكاد وصل الي الثلاثينات من عمره - كاتبا في صحيفة المصري اليوم قبل ٢٠١١ !!

٢ - يجمع بين بعض اعضاء التجمع الجديد - وخاصة الدكتور يوسف زيدان والاستاذ ابراهيم عيسي - نزعة تحقير واهالة التراب علي التاريخ المصري كله ، من احمد عرابي الي سعد زغلول ، ومن مصطفي كامل الي جمال عبد الناصر ..

بل وذهب البعض الي بطون كتب التاريخ القديم ليجد في وقته متسعا لمحاكمة صلاح الدين الأيوبي بعد ٩٠٠ سنة من وفاته ، وذهب اخرون الي التاريخ الأقدم ليجعل من التاريخ الفرعوني مادة للتسلية !!

والتاريخ المصري ليس مقدسا بالطبع ، وشخصياته ليسوا ملائكة ، لكن المشكلة ان يتم ذلك بدون مناهج بحث معترف بها ، ولا اجتهاد علمي يراعي الاصول المرعية في البحث والكتابة التاريخية ، وعندها - فقط - يتحول التاريخ الي تجربة غنية وخبرة مفيدة ، ودرس للحاضر ومن ثم للمستقبل ..

لكن - للأسف - لم يكن السفر الي التاريخ بقصد أخذ خبرته او كشف اسراره .. بل كان القصد - علي الاقل هذا ما فهمته - هو افراغ التاريخ المصري من كل ما له قيمة ، اشخاصا او احداث ، وبالتالي - وهذا هو الأهم - ترك ذاكرة الانسان المصري الحديث مسطحة او فارغة ، سوي من مجموعة من الهزائم او مجموعة من الرجال غير الأسوياء ..

وهو ما اوصلنا الي الحالة شديدة الغرابة التي نعيشها الان في مصر ، وهى انه لأول مرة في تاريخ مصر نجد طوائف لا يستهان من المصريين تحقر من شأن بلدها ، ولا تري فيها - حاضرا ولا ماضيا ولا مستقبلا - ما يستحق !!

لقد كنت من القراء - المعجبين - بصحيفة الدستور في اصدارها الاول عام ١٩٩٦ ، وكنت مداوما علي قراءتها اسبوعا بعد اسبوع حتي توقفها عن الصدور عام ١٩٩٨ ، بعد نشرها بيان الجماعة الاسلامية نيتها قتل رؤوس المجتمع القبطي في مصر ..

واتذكر حملات الدستور علي احمد عرابي وعلي سعد زغلول وجمال عبد الناصر وصلاح الدين الايوبي وقطز ... الخ .

وأعترف انني كنت وقتها منبهرا ومعجبا بهذه الجرأة في التناول ، وهذه المدرسة الجديدة في الصحافة ، ومع الوقت والزمن تكشف امامي المرامي البعيدة لتلك المدرسة ..

٣ - انني أسف ان اقول ان عددا من اصحاب التجمع الجديد ليسوا بريئين من شبهة النفوذ الاجنبي ، فالاستاذ ابراهيم عيسي عمل لفترة في قناة الحرة الامريكية ، والاستاذ اسلام بحيري كان كاتبا في المصري اليوم وعمل لفترة في قناة القاهرة والناس ، والدكتور يوسف زيدان كاتب في المصري اليوم ، وتنشر دار الشروق كتبه ورواياته ..

وكلها - صحف وقنوات فضائية ودور نشر - يعرف المتابع والمدقق لقلب واحشاء الحركة السياسية والثقافية في مصر انها ليست بعيدة عن النفوذ القوي للولايات المتحدة في مصر ، مع اوجه نفوذ اخري في الاقتصاد والحياة العامة ..

( دار الشروق مثلا التي تطبع كتب استاذ التنوير يوسف زيدان هي نفسها التي تطبع كتب سيد قطب التي تكفر المجتمع !!
والدار التي تطبع كتب كبار قادة التنوير في مصر هي التي طبعت مذكرات قادة الاخوان الكبار : عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد حبيب ويوسف ندا غيرهم !! )

ومثلما تعد حركات الاسلام السياسي الجناح الديني للنفوذ الأمريكي في مصر والشرق ، وتعد كثير من الحركات اليسارية - وخاصة ما يطلق عليه اليسار الجديد واليسار الليبرالي - جناح يساري للعولمة الأمريكية ، يمكن ان ينظر الي هذه التجمعات ككونها الجناح العلماني للنفوذ الامريكي ..

يبدو الامر غريبا بعض الشئ لبعض الناس ..

ولكن القوي الكبري التي تريد أن تبني لنفسها دوائر نفوذ في بلد ما او منطقة ما لا تقتصر علي تيار واحد او طائفة واحدة ..

فالناس مختلفون في المشارب وفي الاراء ، وهناك من يقتنع بأفكار التيارات الدينية ، وهناك من يجد نفسه أقرب إلي افكار اليسار ، وطرف ثالث يجد نفسه في الافكار اللادينية ..

والقوي التي تريد لنفسها مكانا في بلد ما - بحثا عن مصالح او نفوذ - تجد نفسها مجبرة علي التقارب مع هذه التيارات ، او أحيانا - وهو إسهام بريطانيا وامريكا الجوهري في علم السياسة - خلقها خلقا ..

٤ - لفت نظري ايضا ان أغلب اعضاء التجمع الجديد ليسوا منقطعين للفكر والبحث ، وما يضفيه ذلك من رصانة الطرح والحديث ، بل جزء كبير منهم عناصر حركية ، واغلبهم نجوم مجتمعات ، ونجوم برامج تلفزيونية ، او كتاب ومعلقين علي الاحداث في الصحف ..

كذلك لفت نظري ان كل هؤلاء التنويريين لم يقولوا - ولن يقولوا - كلمة واحدة عن دور الغرب في نشأة هذه الظاهرة - ظاهرة التيارات الدينية التي يقولون انهم يحاربونها - وفي مدها دوما بأسباب الحياة !!

لقد صدرت في الغرب نفسه عشرات الكتب والدراسات عن دور بريطانيا ثم الولايات المتحدة في نشأة ورعاية واستخدام فصائل الإسلام السياسي .. من الاخوان المسلمين الي داعش ..

ولكن الغريب ان اصحاب التجمع الجديد " تكوين " يجمعهم رأي واحد - مشكوك جدا في سلامته - وهو ان الاسلام وبنيته الفكرية هو المسئول عن هذه الظاهرة !!

أي أن هذه التيارات - طبقا لهذه المدرسة التي يمثلها مركز تكوين - ذهبت الي بطون الكتب القديمة واستخرجت منها غريب الاراء ، ثم ذهبت بعدها - وبناء علي ما قرأته في الكتب - تقتل الناس وتخرب الدول !!

فهل يعقل أمر كهذا ؟!

ولا كلمة واحدة عمن يمدها بالمال ، ومن يضع في يدها السلاح ، ومن يسهل انتقال افرادها بين الدول ، بل بين القارات ، ومن يفتح امامها النظام البنكي الدولي ، ولا من يستضيف قادة هذه التنظيمات في عواصم الغرب ومدنه الكبري ؟!!

٥ - من ناحية أخري بدأت حرب طوائف تيارات الاسلام السياسي مبكرا علي التجمع الجديد ، واستخدموا فيه أسلحتهم المعتادة وأسلوبهم المعروف في الحديث ، فمثلا كتب واحد منهم قائلا :

أول مركز علني للتشكيك في ثوابت الإسلام ..
مركز " تكوين " لنشر الإلحاد وإنكار السنة بقيادة إبراهيم عيسى ..
من فيديوهات المركز :
هل الخمر حلال؟
هل السيرة النبوية صحيحة؟
كيف جُمعت السنة؟
تمت استضافة ملحدين ( أحمد س ز ) لتقديم حلقات عن الإسلام .

ثم كلام لا ينتهي عن النية المبيتة لهدم الاسلام ، واقتلاعه من الصدور ، ونشر الإلحاد ... الخ .

هو التكتيك الذي لا يخيب ابدا ، والذي بواسطته تأخذ تيارات الاسلام السياسي قبلة الحياة ، بل والعودة الي صدارة المشهد !!

وبواسطة هذا التكتيك ينجح هؤلاء دائما في السيطرة علي عقول الناس ..

مع أن كلا الطرفين مشكوك في دوافعه وفي حركته ، وكلاهما عليه علامات استفهام فيما يخص علاقته بالقوي الطامعة في بلادنا ..

أن وجود هؤلاء التنويريين ضروري لوجود الاسلاميين ، وحياة كل منهما مرتبط بالأخر ..

أو كما قال نجيب الريحاني في أحد افلامه من حوالي ٨٠ سنة ، وكان كاتب حسابات شاطر .. شئ لزوم الشئ !!



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World