لِمَ الجيوش بهذه الامتيازات والحجوم إذن ؟!

عبدالله عطوي الطوالبة
dabdtaw@yahoo.com

2024 / 5 / 17

منذ عام 1973، لم تَخُض الجيوش العربية مواجهة مع العدو، ولم تحرر أرضاً محتلة. المقصود بالطبع، الجيوش المبنية عقيدتها العسكرية على أن الكيان هو العدو، وما تزال هذه العقيدة سارية المفعول، حتى بالنسبة للدول التي وقعت اتفاقيات تُسمى "اتفاقيات سلام"، مثل مصر والأردن.
خاضت الجيوش العربية حربين في عامي 1948 و 1967، وهُزمت. الهزيمة الأولى، تسمى في أدبياتنا النكبة. كانت الجيوش العربية آنذاك في أوضاع بائسة، على مستوى التدريب والتسليح، ولم يكن قادتها العسكريون عرباً في معظمهم، بل بريطانيون. وعلى عهدة المرحوم صادق الشرع، في مذكراته بخصوص حرب 1948، التي كتب عنها من موقع الشاهد المشارك، بلغ عدد القادة العسكريين الكبار للجيوش العربية، التي دخلت فلسطين 55 قائدا، خمسة منهم عرب فقط. ولهذا، كانت النتيجة التي من العبث توقع سواها، الهزيمة وضياع 78% من فلسطين.
لم يختلف وضع الجيوش العربية المشاركة في حرب 1967 كثيراً، عما كان عليه في سابقتها. ولا يمكن لعربي غيور ان يقرأ عن مجريات "النكسة"، من دون شعور بالخجل. فقد كان من الممكن ألا تكون الهزيمة بهذه الفداحة على الأقل. حسب وثائق إسرائيلية تم الإفراج عنها، تناول بعض مضامينها الصحفي الكبير محمد حسنين في سلسلة مقالات نشرها في مجلة وجهات نظر، بعنوان "سياحة في الوثائق الإسرائيلية"، كانت الأوامر المعطاة للجيش الأسرائيلي التوقف في جبل لبنى في سيناء، وعدم التوغل أبعد من ذلك بغض النظر عن نتيجة ضرب المطارات الحربية المصرية. هذا يعني احتلال شريط من سيناء، لكن انسحاب الجيش المصري بالطريقة التي كانت، فاجأ الإسرائيليين الذين تقدموا في سيناء من دون مقاومة. وفي السياق، قال جنرال سوفييتي أشرف على إعادة تدريب الجيش المصري بعد الهزيمة: "لو أن كل دبابة في سيناء أطلقت عشر قذائف، لكسب العرب المعركة". على صعيد ضربة الطيران، كانت القيادة المصرية على علم بها من ثلاثة مصادر على الأقل، هي: الاستخبارات السوفييتة آنذاك، ورأفت الهجان الذي أخذ المعلومة من موشي ديان نفسه، ومن الرادارات الأردنية في عجلون. لكن الهزيمة كانت فادحة، حيث تم احتلال فلسطين كلها ومساحات من الدول العربية المجاورة تفوق مساحة فلسطين.
في تشرين أول عام 1973، فاجأ العرب أنفسهم وفاجأوا عدوهم بهجوم مباغت. وقد حقق الجيشان المصري والسوري نتائج باهرة، أول أيام الحرب، أعادت للعرب شيئاً من توازنهم، وخاصة اجتياز خط بارليف وتدمير 280 دبابة للعدو خلال ساعتين. لكن ثغرة الدفرسوار في سيناء، نتيجة تدخل السياسة بحماقة في عمل العسكريين، كما يؤكد الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته، قلبت نتائج الحرب لتنتهي بما انتهت اليه.
في العقود الأخيرة، يلاحظ أن الكيان يخسر حروبه، بل و"يتبهدل" سياسياً، وعسكرياً إلى حدٍّ ما، في مواجهة تنظيمات المقاومة المسلحة، كما نتابع في غزة اليوم ورأينا في لبنان خلال أعوام مضت، بعد أن اعتاد حسم معاركه مع الجيوش النظامية خلال ساعات أو بضعة أيام.
وعلى الرغم مما ذُكر كله وغيره، ما تزال الدول العربية، ونعني المحيطة بفلسطين أساساً، تحتفظ بجيوش تستنزف مواردها الشحيحة أصلاً، إضافة إلى أن حجوم هذه الجيوش متضخمة مقارنة بعدد السكان. وفوق ذلك، يتمتع أفرادها بامتيازات هائلة، في دول تتسع فيها جيوب الفقر وترتفع معدلات البطالة في ظل أزمات اقتصادية خانقة في بعضها، مثل الأردن. فالمنح الدراسية، لأبناء أفراد القوات المسلحة منها نصيب معتبر. والوظائف العليا، لجنرالات القوات المسلحة وضباطها المتقاعدين أولوية التعيين فيها، حتى لو وُجد منافسون أكفأ. وعلى سيرة الجنرالات والمارشالات، فإن عددهم لدى بعض الجيوش العربية أكثر من نظرائهم في الجيش الأميركي. ولا ننسى ونحن نتحدث عن الامتيازات المتاحة لأفراد الجيوش في بلداننا، الطبابة المجانية، والأسواق الخاصة بأسعار مخفضة، والإعفاءات الجمركية، والزيادات على الرواتب.
تأسيساً على ما تقدم، ثمة سؤال يفرض نفسه، نرى أنه على قدر من المشروعية. ما جدوى الاحتفاظ بجيوش تستنزف اقتصادات الدول ومواردها بحجومها المتضخمة وامتيازاتها المتكثرة، مع أنها لم تخُض حربا مع العدو منذ 48 عاماً، ولم تحرر شبراً واحداً من الأراضي المحتلة؟!
بالمناسبة، العالم الآن يتهيأ لدخول مرحلة الحرب السيبرانية. وقد رأينا مقدماتها بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية. كما حصلت بعض أساليب ممارستها أيضاً، بين إيران والكيان.
الحرب السيبرانية تعني أن الجيوش والحروب بأشكالها المتعارف عليها، سوف تصبح من الماضي.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World