الأحلام أكثر ما نحتاجه من النوم

كرم نعمة
karam@alarab.co.uk

2024 / 5 / 14

عندما يجد هنري ميشو أن الحلم أهم من الكتابة، فلأن القلم كان يصرفه عن الحلم كذلك يقول "ربما كانت الكتابة بديلي عن الحلم ومع ذلك لا أعرف لماذا أستمر في هذا الأمر، ربما لأنني غير جدير بكل هذه الأحلام التي تغتصبني في اليقظة قبل الليل"!
اليوم منحنا الأطباء ما هو أهم من ذلك فبدلا من أن تكون الأحلام إضافة اختيارية، قد تكون حيوية لعملنا.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأحلام قد تلعب أيضا دورا أكبر في نومنا مما كان يعتقد سابقا. ركز العلماء الذين يدرسون الأحلام على مرحلة واحدة فقط من النوم، أو ما يسمى بنوم حركة العين السريعة. وخلصوا إلى أننا نقضي حوالي ساعتين في الليلة نحلم.
وإذا قمت بإجراء العمليات الحسابية، فإن هذا يضيف ما يصل إلى حوالي شهر كل عام من حياتنا مغمورة في الأحلام، وهذا من شأنه أن يمثل تمسكا هائلا بالحلم عند كل الناس كمعادل للغة التي هي بنك أحلام الفيزيائي والروائي الأرجنتيني ارنستو ساباتو.
هكذا تصبح الأحلام مدمجة جدا بأجسامنا، فقد لاحظ طبيب الأعصاب ومؤلف كتاب "هذا هو سبب حلمك" راهول جانديال، أن الأطفال الذين تمت إزالة نصف أدمغتهم كعلاج أخير للنوبات المستعصية ما زالوا يقولون إنهم يحلمون.
لقد أدرك هذا الباحث أن الجميع تقريباً لديهم أحلام، على الرغم من أننا غالباً لا نتذكرها. وبالطبع فإن الأشخاص الذين يولدون فاقدي البصر يحلمون أيضا. إنهم يعوضون افتقارهم إلى المحتوى البصري من خلال تجربة الصوت واللمس والذوق والرائحة أكثر من الأشخاص المبصرين.
الأحلام وفق تعريف مؤلف كتاب "هذا هو سبب حلمك" هي نتاج تغيرات عميقة يمر بها الدماغ تلقائياً كل ليلة. يتم إيقاف تشغيل الشبكة التنفيذية العقلانية في الدماغ، ويتم الاتصال بالأجزاء الخيالية والبصرية والعاطفية. لكن يستحيل أن نفكر بهذه الطريقة عندما نكون مستيقظين. ونتيجة لذلك، يُطلق العنان للعقل الحالم بطريقة لا مثيل لها في اليقظة.
وبعيدا عن أن يكون الدماغ النائم في حالة سبات، فإنه يحرق الجلوكوز وينبض بالطاقة لإنتاج الأحلام. عندما يقوم دماغ الحالم بإغلاق الجسم من خلال شكل من أشكال الشلل الكيميائي لبقية الأعضاء، ويحرر نفسه لتجربة الحلم بالكامل دون المخاطرة بإيذاء جسدي للقلب أو الرئتين مثلا.
ولكن لماذا نكرس هذا النوع من الطاقة لخلق تجارب ليلية شديدة الخيال وعاطفية للغاية وتبدو في كثير من الأحيان غير منطقية؟
يجيب جانديال: لأن الأحلام تغدق علينا بالفائدة وتمثل سمة حيوية لعقولنا لإبقائها نشطة أثناء النوم، وإعطائنا سيناريوهات شنيعة حتى نتمكن من فهم الحياة اليومية بشكل أفضل، والعمل كمعالج نفسي طوال الليل، والتدرب على التهديدات حتى نكون مستعدين لها بشكل أفضل.
كذلك تجعلنا الأحلام أكثر لياقة وأقل قلقا. وذلك ما أظهرته دراسة جديدة بأن الطلاب الذين حلموا بأن الأمور تسير بشكل خاطئ للغاية أثناء الامتحان كانوا يميلون إلى تحقيق أداء أفضل عندما أجروا الامتحان في اليوم التالي.
ومع أننا قد لا نتفق جميعا مع نتائج تلك الدراسات، إلا أن واقع الحال ومع تطور أدمغتنا عبر آلاف السنين، يبدو من المعقول أن يتسع دور الأحلام ويتطور معها.
ماذا يجب أن نستنتج من كل هذا؟ في الأساس، الحلم ليس مجرد إضافة اختيارية، أو نوع من البهرجة التي تضاف إلى مهمة النوم المطمئنة. بل نحن بحاجة إلى أن نحلم. فإذا كنا محرومين من النوم، فإن أول شيء نفتقده هو الحلم.
هناك الكثير من التركيز على فوائد النوم لصحتنا الجسدية. وهذا مبرر تماما. لكن بالنظر إلى الفوائد العديدة المحتملة للحلم في حياتنا الطبيعية، ربما لا يكون النوم الذي نحتاجه حقا، بل ما نحتاجه من النوم هي الأحلام!



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World