أزمة الفهم الأخلاقي الأمريكي للمسلمين

كرم نعمة
karam@alarab.co.uk

2024 / 5 / 9

وجدت مسؤولا مهما آخر في وزارة الخارجية يعترف بأن السياسة الأمريكية تجهل، في حقيقة الأمر، ما يجري في بلداننا العربية.
كان المسؤول الأول وهو موظف بدرجة ثالثة في وزارة الخارجية الأمريكية، يتحدث بمعرفة مثيرة عن النسيج الاجتماعي والسياسي الليبي، كمن يعرف ليبيا عن قرب. المفاجأة بالنسبة لي عندما وضعته في اختبار معرفي لا يفتقد للكياسة، أجاب أيضا بثقة العارف وهو يتحدث عن سنوات الجهاد الليبي ضد المحتل الإيطالي وتركيبة القبائل الليبية والصراع المجتمعي الكامن بين المدن، مثلما يتحدث عن قصائد علي صدقي عبد القادر وروايات إبراهيم الكوني ومؤلفات الصادق النيهوم.
وحتى عندما أدرت قوس الكلام باتجاه العراق، لم يكن هذا الدبلوماسي الأمريكي الذي التقيته في مناسبة صحافية عامة في لندن، إلا ملمًا بما يحدث بتلك البلاد التي أضحت وصفة للفشل السياسي الأمريكي في المنطقة.
كل ذلك دفعني إلى ممارسة “لعبتي الصحافية” معه بسؤال كم يوجد مثلك في وزارة الخارجية الأمريكية عندما يتعلق الأمر بفهم أحوال الدول العربية، قال “لسوء الطالع ليس الكثير”!
اليوم وجدت دبلوماسيًا أمريكيًا آخر يعترف بأزمة الفهم الأخلاقي المتعلق بالنظرة الأمريكية للمسلمين والعرب.
فجوزيف بيرتون القنصل الأمريكي في سفارة بلاده بتركيا أكتشف بشكل متأخر أنه جزء من المشكلة في نظرة السياسية الخارجية الأمريكية للمسلمين، لذلك قرر أن يستقيل من منصبه.
يكتب بيرتون في مقال كان بمثابة اعتراف ضمير “عندما بدأت العمل كموظف قنصلي في سفارة الولايات المتحدة في أنقرة، لم أكن أحب السياسة الخارجية للولايات المتحدة بأكملها، ولكن في مهمتي الروتينية لمنح التأشيرة كنت ملتزمًا بشدة بمعاملة كل من أجريت معهم مقابلات بشكل عادل ولعبت دورًا في تسهيل حلم الهجرة إلى الولايات المتحدة، لكنني اصطدمت بقرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب القاضي بحظر المسلمين”.
فجأة وجد القنصل الأمريكي وظيفته الروتينية محفوفة بالمخاطر الأخلاقية، وبدلاً من تسهيل الوصول إلى “الحلم الأمريكي” بشكل لطيف، صار جوزيف بيرتون يحرم الأشخاص من ذلك على أساس عقيدتهم.
لكن، ما هو الجزء الأكثر أهمية، في استقالة بيرتون من عمله القنصلي؟
يختصره في مقاله بصحيفة الغارديان بجملة معبرة تكمن في مقاومة “التحذلق والغطرسة الأمريكية حيال الآخر عندما يكون مسلمًا”.
ومع أن قرار الحظر على المسلمين تم إلغاؤه في أول يوم عمل رئاسي لجو بايدن، وهو ما جعل وزير الخارجية أنتوني بلينكن يعلن بأن الحظر كان “وصمة عار على ضميرنا الوطني”. إلا أن الإعلان الرئاسي الذي ألغى الحظر على المسلمين لم يتنازل عن ذرة واحدة من سلطة تنفيذه في المستقبل. وفق بيرتون.
فقد تم وضع أداة أخرى في صندوق القيود، وهي عبارة عن مجموعة من الإجراءات والمعايير تستمر في حظر السفر على المسلمين، ولا يوجد شيء يمنع أي رئيس مستقبلي من إعادة فرض هذا الحظر.
وقد وعد ترامب صراحة بإعادة فرض حظر موسع وأكثر صرامة على المسلمين إذا أعيد انتخابه نهاية العام الحالي.
يعبّر بيرتون عن ثقته بأن الدبلوماسيين الأمريكيين الصغار الذين سيكونون في نفس الموقف الذي كان فيه سوف يشعرون بالاشمئزاز، وسيحاولون الرد. لكن ردهم لن يؤدي إلى جعل الأمور تسير إلى نصابها السلس في المرة القادمة. في وقت يكون المسؤولون الكبار الذين ينفذون الحظر في وضع أفضل للتنصل من “وصمة عار أخرى في الضمير الوطني”.
لذلك ترك جوزيف بيرتون الذي عمل في السلك الدبلوماسي في الهند وتركيا عمله، لأن المقاومة الداخلية لمشروع سياسي عنصري هي صفقة خاسرة مع مصدر القرار الأمريكي وفق تعبيره.
مع أننا لن نجد الكثير من المسؤولين الأمريكيين مثل هذا القنصل، الذين يستجيبون إلى ضميرهم الداخلي، لكن الأمر في النهاية لا يتعلق بسوء الفهم، بقدر ما يتعلق بالغرور السياسي الأمريكي المتعال على الإنسانية، أو وفق تعبير الكاتب البريطاني ماثيو باريس “حان الوقت كي نعترف بأننا ضللنا الطريق في الشرق الأوسط. أسفل سياسات الخارجية والدفاع تقبع أكبر كذبة استمر تداولها منذ حرب الخليج الأولى، وهي أننا نعرف ماذا نفعل هناك”.
وقال “الحقيقة هي أنه ليس لدى البريطانيين ولا الأمريكيين أدنى فكرة عما يحدث هناك، رغم محاولات إقناع أنفسنا أنه دائما هناك الشيء الصحيح الذي يتعين علينا القيام به (…) ماذا لو لم يوجد أصلا هذا الشيء الصحيح؟”.
واعترف ماثيو باريس على مدار ما يقرب من عقدين من الزمن عززت الولايات المتحدة وبريطانيا الفشل الواضح، عندما افتقرتا إلى العقل.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World