نقطة سوداء في بحرٍ هادر واعد

عبدالله عطوي الطوالبة
dabdtaw@yahoo.com

2024 / 5 / 5

صورة ناصعة البياض بهية، رسمها طلبة الجامعات الأميركية ومعهم أعضاء هيئات تدريسية، في حراكهم التاريخي الداعم لغزة والمؤازر للقضية الفلسطينية.
صورة عميقة المعنى ساطعة المغزى، تؤذن ببداية تحول في الرأي العام الأميركي والعالمي، وتحفز الذاكرة الإنسانية لاستحضار مثيلة لها ابان الحرب ضد فيتنام، كان لها دورها في إرغام البيت الأبيض على وقف عدوانه.
لكن المخجل المعيب أن يأتي الشذوذ عن هذه الصورة الناصعة من رئيسة جامعة كولومبيا المدعوة نعمت شفيق، الأميركية من أصل مصري.
تبدى السقوط الأخلاقي والأكاديمي المريع لهذه السيدة بداية في استدعائها البوليس، لتفريق طلبتها المحتجين. البوليس نفسه استغرب، إلى حد التساؤل: لماذا نقبض عليهم، فهم لم يفعلوا ما يوجب ذلك؟!!!
أما سقطتها الأكبر، فنجدها في حوار بينها وبين عضو في الكونجرس الأميركي. سألها الرجل: "ألا تعلمي أن الله قال للنبي ابراهيم سأبارك من يبارك اسرائيل وألعن من يلعنها؟!". فتجيب نعمت: "نعم، أعلم". ويضيف عضو الكونجرس سؤالًا آخر في السياق:"هل تقبلي أن يلعن الله جامعة كولومبيا؟!"، فترد المِسز نعمت:"لا، طبعًا".
كان بمقدور رئيسة جامعة كولومبيا، الأميركية من أصل مصري، أن ترد باجابات تليق بمؤهلها العلمي وموقعها الأكاديمي، وتضع عضو الكونجرس الأميركي في زاوية حرجة وتلجم لسانه. ماذا لو بدأت ردها بتذكيره بأن الدولة الأميركية عالمانية، كما ينص دستورها بصريح العبارة وواضح الإشارة؟ والدين مكانه دور العبادة، وليس الزج برموزه في شؤون الجامعات وحراك طلبتها للتعبير عن آرائهم بحرية يضمنها الدستور الأميركي أيضًا. كان بمستطاع السيدة نعمت أن توضح للسيد عضو الكونجرس أن الإله الذي أتى على سيرته، هو إله التوراة، وله أكثر من اسم بالمناسبة، "يهوه"، و"الرب" و"إيلوهيم". لكن بغض النظر عن تعدد أسمائه، فإنه مُلزِم للمؤمنين من أتباع التوراة وليس لغيرهم، وهم أنفسهم لا يُخفون ذلك، بل ويشهرونه. كان بمقدورها تذكير عضو الكونجرس بوجود ما يربو على 4200 ديانة في عالم اليوم، نزر يسير جدًّا منها يُعد على أصابع اليد الواحدة يُعطي للنبي ابراهيم مكانة مقدسة، بل ويكاد ينحصر في الأديان السامية الثلاثة فقط.
لكن السيدة نعمت أبت سلوك طريق العزة واحترام الذات والمسمى والموقع، فتسربلت بالهوان لتثبت بالدليل القاطع أن فاقد الشيء لا يعطيه مهما سبق اسمه من ألقاب علمية. ولتؤكد بأصرح البراهين أن من يَهُن يسهُل الهوان عليه بالفعل، فما لجرحٍ بميت إيلام. في المقابل، استقالت رئيستا جامعتي ميشيغان وبنسلفانيا تضامنًا مع الطلبة واحتجاجًا على تفريق بعض تجمعاتهم بالقوة. ولا ندري، أما تزال السيدة نعمت تحتفظ بشيء من الإحترام لذاتها في ضوء هذا الموقف المسبوق بسقطاتها المومأ اليها فوق؟!!!
الموقف المشين للسيدة نعمت، لا يشكل في حجمه أكثر من نقطة سوداء في بحر هادر واعد يتمثل في حراك طلبة وبعض أساتذة أكثر من مئتي جامعة أميركية شهيرة ومتميزة، مثل هارفارد، وييل، وماساتشوستس، وبيركلي، ومينيسوتا، وكولومبيا، وتكساس، وبراون، وإيموري، وبراون وغيرها.
أن يأتي الحراك الطلابي الشبابي المتضامن مع غزة والداعم للحق الفلسطيني من داخل أميركا بالذات، وبهذا الزخم، فهذا بحد ذاته تحول جدير بأن يلفت أنظار العالم كله. وبالقدر ذاته، فقد جاء مفاجأة صاعقة لأركان الإدارتين الأميركية والصهيونية واللاهثين في غبارهما، وبشكل خاص المتورطين في العدوان الإجرامي ضد غزة.
لقد تكشف طلبة الجامعات الأميركية عن وعي على رفعة في المستوى، أنصع أدلته وأقطعها شعاراتهم ومطالبهم. فهم لا شك يعلمون أن إدارات بلدهم هي الداعم الرئيس للكيان الصهيوني الشاذ اللقيط، على صعيدي التمويل والتسليح، بالإضافة إلى توفير الغطاء الدبلوماسي لحرب الإبادة الجماعية في غزة وما شاكلها من حروب عدوانية إجرامية سابقة. وبكل تأكيد، فإنهم على علم بتفاصيل التعاون بين جامعاتهم ونظيراتها في الكيان، وعلى وجه التحديد في الاستثمارات المالية وإعداد أبحاث علمية لتطوير أسلحة جيش العدوان الصهيوني. ولهذا كان تركيزهم على رفض الدعم الأميركي المفتوح للكيان، ووقف تعاون جامعاتهم مع جامعاته.
بإصرارهم على مواقفهم والاستمرار في حراكهم، تحول طلبة الجامعات الأميركية إلى أنموذج ملهم في نصرة الحق ورفض الظلم ووصم التمادي في العدوان والإجرام بما يناسبه. من هنا، اتسع حراكهم داخل أميركا، وأخذ يتمدد ويتسع ليشمل جامعات أوروبا واستراليا وغيرها. إنهم يمثلون بحق الضمير الإنساني النقي، في أبهى تعبيراته عن رفض إبادة جماعية يتابعها العالم على الشاشات مباشرة.
طلبة الجامعات الأميركية ليسوا أكثر تضامنًا مع الشعب العربي الفلسطيني من طلبة جامعاتنا العربية، لكن العبرة هنا في الظروف والبيئة ونوعية التعليم. الشباب الأميركي يتلقى تعليمًا رفيع المستوى، يغذي العقل بالتفكير النقدي ويزرع في النفوس روح المبادرة ويملأ الوجدان بتمجيد حرية الرأي والتعبير. هذه الأرضية التعليمية، كان لها دورها في عصر الفضاء المفتوح، في اكتشاف الطلبة هناك أن اعلام بلدهم يكذب بشأن الصراع العربي الصهيوني بعامة والعدوان على غزة بخاصة. ولم يكن عسيرًا على الطلبة الأميركيين بهذه الخلفية التعليمية التأكد من وقوع إدارة بلدهم في الجانب الخاطئ من التاريخ بإنحيازها الأعمى للكيان الصهيوني. ومن الواضح أن ضميرهم الجمعي ضاق ذرعًا بمساهمة دافع الضرائب الأميركي مباشرة في جرائم اسرائيل وارتكاباتها.
أما التعليم في بلداننا العربية والجامعي منه ليس استثناءً، فيقوم على التلقين وحشو الرؤوس بالخرافات والأوهام والأكاذيب وبكل ما يكبل العقل ويشل الإرادة.
ويبدو أن كمًّا من هذه الترسبات يُثقل رأس رئيسة جامعة كولومبيا، السيدة نعمت شفيق!!!



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World