كَشَّافُ الحرب !

عبدالله عطوي الطوالبة
dabdtaw@yahoo.com

2024 / 4 / 14

ترتبط لفظة الحرب بالشر المطلق، عندما تُذكر، كونها تحيل إلى الموت والدمار وتترك جروحًا مؤلمة في الذاكرة. لا حرب، من دون كراهية وأزمات بلغت حد الانفجار. ويصعب تصور الحرب، وخاصة مع تطور أدوات الفتك والتدمير، من دون إبادة للجنس البشري بهذا القدر أو ذاك، وبلا نهب وتفاقم للفقر وانتشار للأوبئة وتولد للمجاعات. الحرب تعني ضمن معانٍ سوداوية عدة، طغيان الموت على الحياة في صراعهما الأبدي. بهذا المعنى، فإنها تُحاكي النزوع التدميري في النفس البشرية. وفي مقلب آخر ذي صلة، الحرب محرك للتاريخ وتحولاته المفصلية وانعطافاته المهمة، لصالح المبادرين أصحاب الإرادة والعزيمة. أما المهزومون فعليهم دفع أثمان هزائمهم، والأسوأ منزلة من هؤلاء الأخيرين، حسب قوانين الصراعات بين الأمم، المتخاذلون والمتواطئون والمنبطحون.
لا غرابة إذن، أن تكون الحرب محط اهتمام الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ. ففي ملحمة الإلياذة، يرى الشاعر الإغريقي هوميروس أن "الحرب شَرٌّ ضروري". أما ابن خلدون فقد خصَّ الحرب بمساحة مهمة في مقدمته، إذ يقول:" إن الحرب وأنواع المقاتلة لم تزل في الخليقة منذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منها أهل عصبيته. والحرب أمر طبيعي في البشر، لا تخلو منها أمة ولا جيل...".
ونلفت النظر بشكل خاص إلى آراء فلسفية تؤكد أهمية الحرب لحلول السلام، وبعض منها يذهب باتجاه التركيز على محاسن الحرب ودورها في حياة الشعوب، لجهة إحلال السلام والتقدم. فبحسب فيلسوف الحرب كارل فون كلاوزفيتز، فإن "الحرب ليست غاية بحد ذاتها، والقتال ليس لمجرد القتال، بل لإحداث السلام أو شكل معين منه".
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت، يرى "أن السلام الطويل يؤدي إلى تنامي النزعة المادية الصرفة في المجتمع، جنبًا إلى جنب مع الأنانية والجُبن والخمول، بالإضافة إلى تدني مستوى تفكير الناس".
أما كبير فلاسفة الحداثة هيجل، فقد أمعن في ذِكر فضائل الحرب وأهمية دورها في حياة الشعوب. فبحسبه، الحرب تحافظ على الصحة الأخلاقية للشعوب مثلما يحفظ هبوب الريح البحر من التلوث. ويرى أيضًأ أن الحرب حالة نفسية تبعث التجديد الدائم في النفوس، وتحث الهمم على الفكر والفعل، مشيرًا إلى أن فساد الأمم قد يتكثَّر نتيجة السكون الطويل.
وفي إبداعات أمير الشعراء، أحمد شوقي، إلماعات تنبض بالتصوير الحي لمشاهد من الحرب بقدر ما تزخر بالمعاني والدلالات. لنتأمل البيت التالي من قصيدته الشهيرة "سلام من صبا بردى أرق": إذا عصف الحديد احمرَّ أُفقٌ------ على جنباته وأسودَّ أفق. إذا عصف الحديد، كناية عن اشتداد المعارك.
كأننا بأمير الشعراء يقول إن نيران القذائف، وهي تسبح في الفضاء متجهة إلى أهدافها وبعد انفجارها، تضيء على الخنادق لتكشف مواقع المتحاربين، والحلفاء، والمتواطئين على حساب مصالح أمتهم. وهذا يصدق على صراعنا مع الكيان اللقيط الشاذ، المزروع في فلسطين المحتلة منذ 75 سنة، وآخر حلقاته حرب الإبادة في غزة وتبعاتها.
أما بخصوص الرد الإيراني على تدمير قنصلية طهران في دمشق، بات واضحًا أن أميركا وبريطانيا وفرنسا كان لها الدور الرئيس في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية. فقد بادر الكيان اللقيط على لسان رئيس وزرائه مجرم الحرب "النتن" بتقديم أسمى آيات الشكر لهذه الدول الثلاث و"دول أخرى" لم يُسمِّها. وزير الدفاع الأميركي أكد ما ذكرنا، مشيرًا بشكل خاص إلى حرص واشنطن على حماية الكيان اللقيط و"حلفاء واشنطن" في المنطقة.
أميركا وبريطانيا وفرنسا، تبعد آلاف الكيلومترات عن منطقتنا. هذا يعني أن قواعدها العسكرية في العديد من بلداننا، "نهضت" بمهمتها الرئيسة في حماية الكيان.
وهكذا يتأكد المؤكد، منذ وعد بلفور وحتى لحظات كتابة هذه السطور: الكيان اللقيط مشروع استعماري عدواني استيطاني غربي، وهناك عرب "يسهرون على حمايته" مقابل حماية كراسي الحكم وامتيازاتها.
ملاحظة أخيرة بخصوص الرد الإيراني، تتعلق بتأخره كثيرًا، وافتقاده عنصر المفاجأة. ولا بد أن المتابعين قد لحظوا إعلان أميركا مواعيد انطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه فلسطين المحتلة!



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World