لمحات من الدراما التركية

سرحان الركابي
alrekabi779s@yahoo.com

2024 / 4 / 14

.
. للوهلة الاولى حينما تشاهد مسلسلا تركيا , سيدور في ذهنك أنك مقبل على مشاهدة أحداث رومانسية شيقة بين بطل الفلم أو المسلسل وحبيبته أو زوجته الشقراء الفاتنة والساحرة بجمالها الاوربي المطعم بجينات شرقية محببة
وأغلب ما تراه مناظر سياحية خلابة من جبال وشلالات وأنهار وعيون فضلا عن صبايا ناعمات ومتحررات من كل القيود , كل هذا سيكون ممزوجا بأحداث دراماتيكية تحكي قصة المسلسل بشكل سلس وجذاب , وشيق الى درجة أنك لا تريد أن تبتعد عن الشاشة كي لا تفوتك لقطة او لمحة درامية مختصرة ,
الى هنا والأمور طبيعية جدا , فكل دراما على على وجه الارض تحترم عقيدتها الفنية والجمالية . تفعل ما تفعله الدراما التركية لكسب رضا المشاهدرين والحصول عل شعبية واسعة . لكن المخفي خلف تلك الأجواء الدرامية الشيقة أن المناظر الخلابة والأجواء الرومانسية تخفي خلفها احداث ودوافع سياسية واجتماعية واعلانات سياحية , واقتصادية
فمسلسل وادي الذئاب مثلا الذي يعتبر أطول مسلسل في العالم هدفه الأساس تبيض صفحة النظام السياسي الحاكم وتخويف المجتمع التركي من المؤامرات الخارجية التي تستهدف تركيا وأرضها وتاريخها , وبالتالي دفع المجتمع التركي للوقوف خلف النظام السياسي الحاكم , ورسم صورة ذهنية لدى المتلقي التركي تقول بان ثمة دولة عميقة تقف خلف الدولة الظاهرة . دولة المنظمة السرية التي تحافظ على المصالح العليا للبلاد مهما اختلفت الحكومات والشخصيات والمناصب القيادية والسياسية والادارية .
ومسلسل الأرض الطيبة الذي حاز على اعلى نسبة مشاهدة بكل أجزائه الأربعة هذا المسلسل يهدف بالدرجة الأساس الى رسم صورة سلبية مروعة عن المعارضة الكردية , وبالأساس حزب العمال الكردستاني , البي كي كي . الى درجة لا يمكن لعاقل أن يصدق ان حزبا بكل هذه الوحشية والاجرام يمكن ان يوجد على ارض الواقع ,
وانا كمشاهد ومتابع للأخبار لايمكن أن أصدق ان حزب العمال قام في يوم من الأيام بقتل مئات الاشخاص في يوم واحد وفي قرية واحدة , لم نسمع في نشرات الاخبار التي تخص القضية الكردية في تركيا ان مجازر من هذا النوع قد وقعت فعلا وأغلب الظن انها وقعت في مخيلة المخرج والمنتج والكاتب ,
من جهة أخرى يبدو افراد الجيش التركي ملائكة يمشون على الأرض , ويتقاتلون مع الجهات المعارضة بالبنادق والأسلحة الخفيفة , ولم نشاهد المصفحات والدبابات والطائرات التركية التي تقصف كل مواقع الأحزاب المعارضة حتى في خارج تركيا , في شمال العراق وسوريا , بل احيانا تتفوق اسلحة المعارضة على اسلحة الجيش التركي , كل هذا من أجل أن يتعاطف المواطن العادي مع الجيش والدولة ويشعر بالخطر الذي يهدد أمنه ووجوده ,
ومسلسل الفريق الاول يمثل عودة تركيا الى جذورها الاسلامية وتجاوز للثوابت الاتاتوركية التي حيدت الدين وابعدته عن الحياة السياسية والاجتماعية في تركيا . ووضعت السلطة في يد العسكر لبناء دولة علمانية على النمط الاوربي الحديث . لكن التدين التركي ملفت للنظر . انه تدين عصري بمعنى الكلمة , او بالاصح تدين متصالح مع الماضي والحاضر , لا يمانع ان تكون المراة سافرة ومتدينة , ولا يمانع من الاختلاط بين الجنسين , واباح الحب والعلاقات الغرامية بين الطرفين دون الشعور بعقدة الذنب الشرقية .
وبالمجمل تبدو الدراما التركية وكأنها رد فعل تجاه عدم قبولها كعضو في الاتحاد الاوربي والسوق الاوربية المشتركة ,
انها عودة للروح التركية العثمانية بعد ان افلست المرحلة الاتاتوركية ولم تقدم للدولة التركية ما كانت تطمح اليه ,
وقد صدق الباحث مرسيا الياد , الذي قال , لقد عاد العبرانيون الى يهوة , فالبدائيون يتذكرون كائناتهم العليا عند وقوع هلاك وشيك



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World