وداعا مريم؛ زياد عبدالفتاح

مهند طلال الاخرس
palastine_yasser@yahoo.com

2024 / 4 / 14

وداعا مريم رواية لزياد عبدالفتاح تقع على متن 233 صفحة من القطع المتوسط وهي من اصدارات دار ابن رشد في بيروت بطبعتها الاولى 1992، ومن اصدار مكتبة الهاني الثقافية في غزة بطبعتها الثانية 2004.

الرواية تتحدث عن شخصية الرئيس المستبد صاحب الانا الكبيرة والمتضخمة والتي عمل [الرئيس] على ترسيخ هذه الصفة وتربيتها في نفسه منذ الصغر ، ولاجل ذلك طوع كل حواسه وامكانياته في سبيل بلوغ شخصية [الرئيس] منتهاها ومبتغاها.

وفي سبيل ذلك [شخصية الرئيس والصورة المرجوة لها] لم يئلو الرئيس جهدا في حفظ صورة شخصيته ورعايتها منذ الصغر؛ وذلك من خلال اصدقائه اولا ومن خلال حاشيته ثانيا وحتى بالدوس على العواطف والمشاعر ثالثا وحتى من خلال التلاعب باحاسيس الناس الاخرين وتمزيق قلوبهم والدوس على مشاعرهم وحتى تفتيت اسرهم من خلال طبائع رغائبية واستبدادية كما ورد في قصة التجحيش مثلا.

الرواية تدور احداثها وبطولتها حول الرئيس المفترض [اي رئيس وان الكان الرئيس المقصود والكامن في بطن الكاتب هو الرئيس ياسر عرفات] .

ورغم ان الكاتب اضمر شخصية الرئيس عرفات سلفا وابقاها في بطنه، الا انه مع تقليب صفحات الرواية تتضح معالم الرئيس اكثر واكثر ، وبحيث لم يعد المقصود من هذا الرئيس محصورا في بطن الكاتب زياد عبد الفتاح؛ إذ ان تقليب الصفحات يسمح بالبوح بسخصية هذا الرئيس من خلال عديد المواقف والمحطات والاراء وحتى السمات الشخصية.

وحول محاولة تغمية شخصية الرئيس من قبل الكاتب إلا ان هذه التغمية والتورية سمحت عن عمد وقصد وبالتأشير تارة وبالتلميح تارة اخرى باماطة اللثام عن شخصية الرئيس المقصود دون البوح باسمه ودون الحاجة لجلسات النميمة او الاستغابة او الوشاية بما اقدم عليه صاحبنا زياد في هذه الرواية.

وهذه التورية التي تؤدي عند جمع رقعها وترتيب نصوصها الى معرفة شخصية الرئيس، والى اي من الرؤساء تشير، تحسب للكاتب؛ اذا نجح في بث حروف الاحجية، فما على القاريء في نهاية ص ٢٣٣ الا تجميع احرف الاحجية ليعرف ان المقصود ياسر عرفات.

ومحاولات التمويه والترميز التي ذهب اليها صاحبنا لم تكن بقصد اخفاء شخصية الرئيس وعدم معرفتها من قبل القراء والمهتمين، بل ان هذا التمويه جاء ليحمل في طياته شخصيات قيادية اخرى بلغت حد الانا فيها مبلغا وجب نقده وتربيته ومنهم زعماء وملوك عرب واخرين...بالاضافة الى رغبة الكاتب في صنع حبكة روائية على غرار اعمال دوستفسكي وتولستوي باستخدام مناهج علم النفس في صفحات روايته فيصيب عصفورين بحجر، متانة وجزالة النص، والقدرة على تفكيك وتحليل سمات وطبائع الرئيس.

اما من حيث الشخوص واحداث الرواية فيتناول صاحبنا احداث الرواية من خلال شخصيات ابطالها فتدور احداث الرواية من خلال شخصية البطل الرئيس، ويضاف له مساعده وبطل الرواية الخفي المسمى المستشار، ولتنسج خيوط الرواية جيدا كان لابد من استحضار شخصية مريم [مدبره المنزل]، بالاضافة الى موظفي ومساعدي مكتب الرئيس وقائد الحرس وبعض الشخصيات الثانوية التي اسهمت في انتاج ونسج خيوط الرواية وصناعة احداثها واضفاء متعة التشويق والشغف عليها...

تسير احداث الرواية بين حوارارت داخلية عديدة ومريرة خاصة تلك التي تدور في داخل شخصية المستشار والذي يعد نفسه صديق الرئيس منذ الطفولة وانه قدم في سبيل هذه الصداقة والزعامة الشيء الكثير؛ لكن ما لم يغفره المستشار لرئيسه منازعته له في مريم مدبرة منزله ومعشوقته الاثيرة... والصراع على مريم في النهاية يؤدي بالمستشار الى قتل الرئيس انتقاما لايام وامور كثيرة ختمها الكاتب بقوله:" ان الاوان كي تريح وتستريح".

الرواية ذات مضامين عالية من حيث المجاز والرمزية العميقة والدلالات المتعددة التي تحملها احشائها وتطفو على ظهر صفحاتها...

الرواية ذات ابعاد فلسفية عميقة؛ تذهب بنا بعيدا نحو استخدام قواعد علم النفس السلوكي في تفسير شخصية الرئيس والتنبوء بتطورات الشخصية ومدى ردة فعلها على كثير من الامور والاسئلة والحوادث والمحطات التي يتم تناولها والتي اعترضت مسيرة الثورة والرئيس في ان.

وهذا التحليل الوافر لشخصية الرئيس وسماته وصفاته في الرواية يحيلنا الى كتاب ياسر عرفات صورة سيكولوجية وتحليل استراتيجي[ لكل من شؤول كمحي وشموئيل ايفن وجيرولد بوست] والذي يعتمد على قواعد علم النفس في تحليل الشخصيات واستنباط السمات والمخرجات ..

المهم ان هذا الكتاب فيه الكثير مما يقال لكنه نجح باقتدار في تسليط الضوء على جوانب كامنة وخفية في شخصية ياسر عرفات ضمن قواعد علمية متبعة ومعتمدة. ورغم كل ماورد في الكتاب اعلاه من مزايا وزرايا الاّ ان كتاب صاحبنا تجاوزه بمراحل اعتمادا على معرفة لصيفة بياسر عرفات مع تسليمنا بصدق نوايا صاحبنا ومع تسليمنا جميعا بحبنا الجارف لياسر عرفات ...

هذه الرواية مختبر متنقل في علم النفس وعلم الاجتماع السياسي، تقرا وتسبر اغوار شخصية الرئيس في عوالمه الخاصة والعامة وتقدم لنا صورة التقطت عن قرب لشخصية الرئيس، وبحيث نجحت هذه الصورة التي التقطها الكاتب باعطائنا صورة ملونة فاقعة عن الرئيس في كل الاحوال، بما في ذلك الفوق بنفسحية وتحت الحمراء ، بينما اخفقت في ذلك عديد الصور والتجارب لمن عايشوا وواكبوا الرئيس في محطات عدة.

لقد نجح زياد بتقديم تلك الصورة الملونة عن الرئيس، فيما اخفق الاخرون ، وبحيث اقتصرت صورهم ومحاولاتهم بتقديم صورة باهتة للرئيس، فصورة زياد جائت ملونة في حين كانت بقية الصور بالابيض والاسود وفاقدة للطعم والرائحة واللون...

ورغم ذلك نجد ان صاحبنا زياد قد غال في اظهار هذه الصورة المستبدة للرئيس واضاف عليها كثيرا من الممارسات لزعامات عربية اخرى والبسها لشخصية الرئيس [بطل الرواية] مع تبريرنا لذلك المسعى وتفهمنا لمقصده امعانا في اكمال مشهدية وصورة الزعيم او الرئيس المستبد والديكتاتور بشكل عام، ولتكتمل خيوط الرواية ومضامينها...

عن هذه الرواية يقول زياد عبد الفتاح:"
عندما انتهيت من كتابة " وداعاً مريم " قررت أن يكون صديقى " محمود درويش " أول من يقرأها . كان في باريس وكنت في تونس فأرسلتها له بالبريد السريع.يقول محمود الذي هاتفنى بعد ثلاث عشرة ساعة من وصول بريدي : أفقت هذا الصباح عند الثامنة على جرس الباب ، فتحته فإذا بي أمام طرد ثقيل محمل باسمك وعنوانك.عدت إلى سريري وأنا ممتلئ بالغضب منك ، وربما الحقد عليك ، حتى إننى شتمتك طويلا وكثيرا . استعصى على النوم من جديد ، فقمت إلى مطبخي ، فإلى " ركوة " قهوتي المعتادة ، ثم إلى الطرد الذي ألقيته غاضباً فوق سطح المكتب ، فضضته وأنا على ثقة بانني لن أكمل قراءة عشر صفحات منه . هل تعلم ؟ الساعة الآن تتجاوز التاسعة من ليل باريس ، ولقد فرغت لتوى من قراءة الرواية ! لقد أرغمتني على غداء حواضر بيت عازب مثلي ، وحرمتني من القيلولة.قلت وأنا لا أخفى سعادتي وفرحى : إذن نجحت الرواية . لكن ثمة ما يحيرنى ، ماذا أسميها ؟ قال فورا : اسمها فيها وأنت اخترته ، ولكنك نتخابث ، " وداعا مريم " .. ۰ ۰

ويقول زياد ايضا: ظُلمت رواية وداعاً مريم بسبب النميمة الفلسطينية. كنت أعمل مع أبي عمار بشكل يومي، فلن أكتب رواية تدينه أو تعريه. ليست لدي أية مشاكل مع ياسر عرفات. للذين لا يعرفون، عملي الصحفي أغناني كثيرا في الكتابة الروائية. كرئيس لوكالة وفا كنت كثيرا ما أحضر مؤتمرات للقمة، كنت في الجزائر، ورأيت الرئيس الجزائري يذهب لاستقبال الرؤساء واحدا واحدا، فرأيت أحد الملوك يصل على متن باخرة، فأشفقت على الرئيس الجزائري رغم أنني لا أحب الرؤساء كثيراً، حيث استقبال المطار مختلف عن استقبال البحر... فرأيت أنه يجب فضح هؤلاء الدكتاتوريات ولم أقصد بها أبا عمار، وليست مشكلتي أنه تم تأويلها لذلك. يجمع النقاد على أنها أفضل عمل روائي لي رغم أنني أختلف معهم.

هذه الرواية تستحق كثيرا من النجوم على اكتاف صاحبها وقلمه؛ ليس لانها ماتعة وحسب؛ بل لانها قدمت لنا نصا روائيا مكثفا ومزدحما وعالي الدلالة والرمز، ويحمل في طياته الكثير الكثير من سمات وشخصية الرئيس ابو عمار، وتميط اللثام عن كثير من المحطات والامور والحيثيات التي لم يكن بالامكان البوح باسراها وتفاصيلها إلاّ ضمن نص روائي يحتمل التأويل والتحوير ...

[وداعا مريم] رواية من زمن الحكايات الخالدة وزمن الثورة الجميل؛ كثيرون كتبوا واقتربوا من ذلك الزمن، لكن من يملك ان يأتينا بنصوص وروايات ويوزعها علينا كحكايا قادمة من بطون اصحابها، وتحمل في طياتها رائحة وذكرى من نحب؟

هذه الحكايات والحواديت لم تكن لتصلنا لو لم يكن من بيننا حكاء من طراز رفيع من امثال زياد عبدالفتاح؛ فطوبى وطيب لزياد وامثاله من سدنة الثورة واصحاب قلمها القويم والمستقيم حد الثمالة..



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World