الانتخابات الرئاسية في تونس موضوع تلاعب من جهات مشبوهة تقف وراءها قوى أجنبية منها الكيان الصهيوني

جيلاني الهمامي
rafrafa16@gmail.com

2024 / 4 / 9

الانتخابات الرئاسية في تونس
موضوع تلاعب من جهات مشبوهة تقف وراءها قوى أجنبية
منها الكيان الصهيوني

نشر موقع "الكتيبة" الصحفي تقرير تحقيق استقصائي قام به مؤخرا في شأن شركة "تونيزيا ميترز" Tunisia meters لسبر الآراء التي نشرت تباعا في الشهرين الأخيرين "نتائج سبر أراء" حول الانتخابات الرئاسية المقبلة في تونس.

المعطيات التي توصلت إليها مجموعة "الكتيبة" مذهلة وخطيرة في نفس الوقت وتكشف عن الكثير من المناورات والمؤامرات وعمليات التضليل والتلاعب بالرأي العام في تونس. وقد اتضح أن هذه الشركة وهمية ولا وجود قانوني لها لا في تونس ولا في الخارج.

قبل استعراض تفاصيل ذلك، ينبغي التذكير أن هذه الشركة كانت بعثت لوسائل الاعلام التونسية "نتائج سبر أراء" ادعت انها قامت بها. جاء في الوثيقة الأولى قيس سعيد في المقدمة بـ 23.9 % من الأصوات يليه الصافي سعيد بـ 11.2 % ثم منذر الزنايدي بـ 7.1 % . وفي الوثيقة الثانية تغير الترتيب قليلا وكانت النتائج حسب الوثيقة المتداولة باسم شركة "تونيزيا ميترز" كالتالي : قيس سعيد بـ 21.9 % أي بتراجع نقطتين مقارنة بنتائج الشهر الذي سبق ثم منذر الزنايدي الذي قفز إلى المرتبة الثانية بـ 11.2 % ثم جاء ثالثا الصافي سعيد بـ 10.8 % وجاء في المرتبة الرابعة لطفي المرايحي بـ 9.7 % وأخيرا عبير موسي بنسبة 3.6 %. وقد تناقلت وسائل الاعلام التونسية هذه النتائج وراحت تعلق عليها وتقدم القراءة وراء القراءة في مغزى هذه النتائج وتبحث في أفاقها المستقبلية. ومن الغريب أن وسائل إعلام أجنبية أخذت هي الأخرى هذه النتائج لتتداولها على أنها حقائق غير قابلة للدحض (مثل جريدة لوموند الفرنسية le Monde).

وقد زعمت الوثيقة المتداولة على أساس أنها نتائج "عمليّة سبر آراء أنّ إجابات المستجوبين الذين تقول إنّ عددهم بلغ 1023 تونسي وتونسيّة، كانت تلقائية دون تقديم اقتراحات"(1).

جاء في تحقيق فريق "الكتيبة" أن "موقع الكتيبة كان من بين المؤسّسات الإعلاميّة التي وصلتها رسالة إلكترونية عبر عنوان البريد الإلكتروني الشخصي لرئيس التحرير" (2) فقام بالتقصي اللازم للكشف عن هوية الشركة صاحبة هذه الاحصائيات ومن يقف وراءها واكتشف أنها شركة وهمية لا وجود قانوني لها لا في تونس ولا خارجها، وليس لها أي متحدث باسمها وحتى الشخص المسمى "أنيس الغربي" صاحب الحساب الالكتروني لموقع الشركة فهو اسم وهمي وغير موجود. وتبين أيضا أن هذه الشركة غير موجودة في العنوان الذي زعمت أنه مقرها في عمارة "قولدن تاور" في المركز العمراني الشمالي بالعاصمة إذ لا وجود لأي علامة تدل على ذلك وقد نفى كل المتواجدين والعاملين هناك أي وجود لشركة بهذا الاسم.

علاوة على ذلك فإنه، خلافا لما يقتضيه القانون بإلزام جميع الشركات بما في ذلك مؤسسات استطلاع الراي بضرورة التسجيل في السجل الوطني للمؤسسات، تبين أنها غير مسجلة فيه وأنها غير موجودة ضمن العشرين مؤسسة العاملة في مجال استطلاعات الرأي وسبر الآراء والدراسات التسويقيّة.

الأخطر من كل ذلك هو أن "موقع “تونيزيا ميترز” (أحدث باللغة الفرنسيّة) الذي يقدّم نفسه على أنّه شركة مقرّها تونس متخصّصة في سبر الآراء والذي تتكفّل شركة “ويكس” الإسرائيليّة بمسؤوليّة حماية معطيات مؤسّسه المجهول... فإنّ عملية استضافته hébergement تمّت في ولاية ميسوري الأمريكية أين يقع فرع من فروع ويكس Wix"(3).

ويقول تقرير التحقيق الذي أنجزته مجموعة "الكتيبة" أن البريد الإلكتروني باسم “أنيس الغربي” مرتبط باسم النطاق التابع لشركة ويكس الإسرائيليّة domaine لا يمكّن من معرفة المعطيات الشخصيّة الخاصّة بالجهة المجهولة التي تقف وراء كلّ هذه العمليّة. علما وأن هذه الشركة الوهمية لم تنشر على موقعها أي محتوى آخر رغم ما تدعيه من خبرات في اختصاصات أخرى سوى التقريرين لشهري مارس وأفريل 2024 حول "الباروميتر السياسي للانتخابات الرئيسية" ما يعني انها كشركة أنشأت خصيصا لهذا العمل.

ويجدر التنويه بطبيعة العمل الصحفي الاستقصائي الجدي والمهني الذي قام به فريق "الكتيبة" والذي يستحق كل الثناء على المعطيات المهمة التي تضمنها تقرير التحقيق الذي أنجزه. ولعل الأهم من المعطيات هو الاستنتاجات السياسية التي يمكن استخلاصها من مثل هذه المؤامرات التي تحاك في غرف مظلمة وراء ظهر الشعب التونسي كما حيكت من قبل في مناسبات عديدة وآخرها انتخابات سنة 2019.

فقد كشف تقرير محكمة المحاسبات حول نتائج مراقبة الحملات الانتخابية للانتخابات الرئاسية والتشريعيّة لسنة 2019، أن العديد من المرشّحين للرئاسة بما في ذلك الرئيس الحالي قيس سعيد كانوا قد استفادوا من صفحات فايسبوكية تمت إدارتها من الخارج وقامت بحملات دعائية لفائدتهم وحظيت بتمويلات كبيرة ومشبوهة. ويذكر الراي العام في تونس الفضائح المرتبطة بعقود اللوبيينغ لحركة النهضة، وعمليّة قرطاج Opération Carthage، وفضيحة الاستعانة بالإسرائيلي آري بن ميناشي من قبل المترشح للرئاسة نبيل القروي وقضيّة أنستالينغو، وهي كلها فضائح "ارتبطت بعملية تضليل معلوماتي قادتها شركات علاقات عامّة ومراكز ضغط وجهات غير معلومة قامت بحملات توجيه للرّأي العام متعلّقة بالشأن السياسي بشكل عامّ في البلاد التونسيّة وخاصّة في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية"(4).

لقد دخلت تونس منذ مدة حلبة البلدان التي لا تعكس نتائج انتخاباتها حقيقة إرادة ناخبيها واختيار شعبها بقدر ما تعكس إرادة اللوبيات السياسية والمافيوزية التي تتخفى وراء شركات عابرة للقارات وتنشط في فضاء الشبكة العنكبوتية العظمى. وها هي مرة أخرى وبشكل مبكر تجد نفسها مسرحا لعملية تحيل وتلاعب قذرة تحركها أصابع صهيونية لتوجيه الرأي العام التونسي واغتصاب ارادته.

لقد دشنت الشعبوية في تونس، ممثلة في قيس سعيد ونبيل القروي، رمزان لنسختين متباينتين من الموجة الشعبوية، عصر “صناعة الرؤساء عن بعد” وعبر "المجموعات المغلقة" les groupes fermés وصفحات الفايسبوك وخارج صناديق الاقتراع. ويبدو أن الانتخابات الرئاسية المقبلة إن قدر لها أن تقع، ستكون سوقا نشيطة لهذه الصناعة ما ينزع عنها، أي الانتخابات، كل شفافية ونزاهة ونظافة وما يجعل المشاركة فيها بمثابة الجرم في حق البلاد والشعب.

تونس في 8 أفريل 2024



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World