قراءة ثانية في كتاب غليون ( 2)غليون والعلمانية

كامل عباس
fared5@gmail.com

2024 / 4 / 2

قراءة ثانية في كتاب غليون ( 2)
غليون والعلمانية
سأبدأ بالفصل الرابع من المسمى من العلمانية الى الثورة الأخلاقية
يبدأ الفصل بهذه الكلمات ص 380
( هل يعني غياب السلطان الديني في المجتمعات العربية الاسلامية عدم وجود أرضية واقعية ومنطقية لطرح إشكالية العلمانية بما هي إشكالية إعادة تنظيم العلاقة بين السلطات الاجتماعية والسياسية .....الخ
غليون لا يرى حاجة لتعريف العلمانية فالعلمانية في ذهنه وذهن صديقه عزمي شارة هي فصل الدين عن الدولة وهمّه في الكتاب إشكالية نشرها فقط
مسيرة العلمانية
تبلورت العلمانية في أوروبا عبر قرن كامل سمي قرن الأنوار دعا فلاسفته وناشطوه كلهم إلى حضارة كونية تقوم على العقل وتجيير مكتشفاته العلمية كلها بما يخدم الإنسان في الأرض، وقد اصطدمت بالدين المسيحي الذي كانت كنيسته مدافعة عن الحق الإلهي للملوك آنذاك ومن خلال معركة قاسية وشرسة تجسدت في الثورة الفرنسية انتصر العلمانيون على أنصار الدين وشنقوا الملك في فرنسا وفصلوا الدين عن الدولة بشكل كامل.
ولكن أوروبا خانت قرن أنوارها بعد أن سال لعابها على خيرات مستعمراتها وحوّلت منجزات العقل البشري كلها في النهاية لخدمة حفنة من أغنيائها حتى وصلنا إلى الحضارة الاستهلاكية الحالية فيها ذات البعد الأحادي الواحد القائم على جمع المال بأي طريقة أو وسيلة بعد أن استُبعِد الجانب القيمي الذي دعت إليه العلمانية والدين معا.
لم تكن علمانية الاشتراكيين أفضل من علمانية أوروبا فقد سحبت مفهوماتها عن الدين إلى البلدان الاشتراكية سحباً ميكانيكيا واعتبرت الدين أفيون الشعوب وحاصرت وضيقت على الدينين في كل مكان فانتهى الأمر بتلك البلدان إلى حضارة استهلاكية هّمها جمع المال بأي ثمن وبطريقة أسوأ من طريقة أوروبا في جمعه.
عرفت العلمانية أيضاً انتهازيين وازى دورهم دور المنافقين في الأديان أطلق عليهم اسم مساحي الجوخ وفسّروا وزّوروا تعاليم العلمانية بما يخدمهم هم وأسيادهم.
المضحك المبكي في الموضوع هو قدرة الممسكين بزمام التطور الاجتماعي على إشعال فتنة بين الاسلامين والعلمنيين بحيث أنساهما قضيتهما المشتركة وهو الإنسان وقد لعب المنافقون والانتهازيون دوراً لا يستهان به في إذكاء تلك الفتنة.
لم يعد يرى المؤمنون بالفكر المادي سوى أنه فكر من دون قيم، والماديون لا أخلاق لديهم ولا يهمهم سوى المادة وهي التي تحكم سلوكهم كله، في المقابل لم يرَ الفكر المادي بالدين سوى جانبه الإيماني الذي نفذت منه الطبقات المالكة لتخدير وعي عامة الناس والإبقاء على تخلفها وجهلها، وهكذا بدل أن يتعاون المؤمنون والعلمانيون من أجل إعلاء شأن الأغلبية العظمى من الناس على الأرض، انصرفوا إلى غير غايتهم، وسهّلوا بوعي أو بغير وعي، الوصول إلى كوكب حالي يعيش فيه حفنة من هذا الجنس تستأثر بخيرات الطبيعة لا يهمها سوى مصالحها حتى ولو أدى ذلك إلى موت الملايين جوعاً وتلوث الهواء والماء وهما عصبا الحياة الحساس.
عصرنا الحالي تدار فيه قريتنا الكونية بطريقة واحدة هي طريقة تأمين مصالح تلك الفئة القليلة في المجتمع بحجة الحداثة والتطور التقني الملائم لشركاتها فوق القومية. الشركة لها هدف واحد هو زيادة ثرواتها حتى ولو أدى ذلك إلى تدمير حياة البشر كمستهلكين لإنتاجها, الشركة معنية بزيادة ثرواتها فقط، أما مصلحة المجتمع والانطلاق من مصالحه وقيمه معا فذلك لا يعنيها أبداً.
لا بد من وضع حد لهذا الجنون الرأسمالي المتوحش بإلزامه على الأقل في الجمع بين المصالح والقيم محافظة على حياتنا المشتركة.
وإذا كانت حاجتنا إلى العلمانيين وعقولهم النيرة التي تشرح لنا خطر هذا الطريق في السياسة والاقتصاد والبيئة, فإن المؤمنين لديهم كثيراً من القيم الإنسانية التي دعت إليها الأديان كلها, والتاريخ قدّم لنا كثيراً من المناضلين سواء كانوا رجال دين أم علمانيين قبل أن ينجح رأس المال بإغراء فئة قليلة من الجهتين تركت قيمها ولحقت مصالحها الخاصة.
ما أحوجنا إلى طاقة المؤمنين الروحية وطاقة العلمانيين المادية من أجل إعلاء قيمة الإنسان على هذا الكوكب ليحلق بهما كطائر يحتاج إلى جناحيه معاً.
مسيرة العلمانية في البلدان ذات الحضارة العربية الاسلامية
يختلف الدين الإسلامي عن بقية الأديان بكونه -كما يقول عنه فقهاؤه- ديناً ودنيا، يحض الدين الإسلامي معتنقه صراحة على التدخل في الشؤون الدنيوية لمصلحة العامة وليس لمصلحة القلة من الناس. البلدان الإسلامية لا تحتاج إلى فصل الدين عن الدولة بقدر ما تحتاج إلى فصل الدولة عن الدين، إلى ترك الدين يتحرك ضمن فضائه الخاص الذي يحض على القيم النبيلة والأخلاق الحميدة ومساعدة الملهوف ونصرة المظلوم.
هنا تبرز أهمية الدين الإسلامي ليس للدول الإسلامية فقط بل للعالم أيضاً، الدين الإسلامي في جوهره دين السلام وعنوانه –السلام عليكم- والسلام والإسلام يلتقيان في توفير الطمأنينة، ونبي الإسلام حامل راية السلام وهو يّحدث عن نفسه فيقول: –إنما أنا رحمة مهداة– ويحدث القرآن عن رسالته فيقول:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107
وتحية المسلمين التي تؤلف القلوب وتربط الإنسان بأخيه الإنسان هي السلام، والإسلام في الجانب الدنيوي سبق مفكري الغرب بقرون في فهمه للعقد الاجتماعي بين الناس، ووثيقة المدينة بين المشركين والمسلمين واليهود تكاد تكون أول عقد اجتماعي ينطلق من مكونات المجتمع ويراعي وجودها على الأرض. الإسلام أيضاً سبق أوروبا في دعوته إلى الليبرالية:
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (فاطر: 18).
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة: 256
ربما كان من أعمق من أشار إلى خصوصية الدين الإسلامي المفكر الليبرالي جون ستيوارت ميل في كتيبه الشهير الحرية قال فيه مايلي ما يلي((أن آداب المسيحية -كما يدعونها- قد اجتمعت فيها صفات ردة الفعل كلها وهي في معظمها عبارة عن احتجاج على الوثنية، فهي تطلب للناس كمالاً سلبياً أكثر منه إيجابياً، وتدعو إلى التخلي عن الرذائل أكثر ما تدعوهم إلى التحلي بالفضائل، وتخوفهم من الشر أكثر مما تحضهم على الخير، وإذا تأملت في وصاياها وجدت النهي متغلباً على الأمر والزجر متفوقاً على الندب، والترهيب مبرزاً على الترغيب، وقد دفعها الاشمئزاز من الفسق والفجور إلى تمجيد الزهد والرهبنة، وإذا أنعمت النظر في آداب المسيحية هذه رأيت قوامها الطاعة العمياء، فهي تحض أتباعها على الإذعان لكل سلطة قائمة، والخضوع لكل سلطان موجود، حقيقة هي لا توصيهم بتنفيذ أوامر السلطان إن كانت تخالفه نصوص الدين، لكنها تأمرهم بالاستسلام والإذعان وتنهاهم عن الخروج والعصيان، مهما أصابهم من الأذى ولحقهم من العدوان، وها نحن نقرأ في آداب الإسلام، لا في آداب المسيحية، هذه الكلمة الجامعة:
كل وال يستكفي عاملاً عملاً وفي ولايته من هو أقوم به وأكفأ منه، فقد خان عهد الله وخليفته))
الدين الإسلامي يعتبر الفقراء جزءاً من الله تعالى وهو جزء منهم وعمل المؤمن من أجل الفقراء يقربه من ربه كما تقربه عبادته وصلواته له، الدين الإسلامي هو أول من اعترض على رأس المال المتوحش بتحريمه الربا، الدين الإسلامي جعل جزءاً من أموال الأغنياء حقاً شرعياً للسائل والمحروم، لماذا ننكر على معتنقيه العمل السياسي من أجل قيمه؟ وبطريقة يستفيد منها المجتمع وتتناسب مع فهمه لتغير الأمصار بتغير الأحوال.
العلمانية والثورة السورية
لي تجربة مرة مع من سمّوا أنفسهم - اللقاء الديمقراطي – واللقاء الديمقراطي جمع أكثر من تيار كلهم علمانيون وشعارهم الأساسي الدولة القادمة في سوريا يجب تكون - دولة علمانية ديمقراطية- حتى ان احدهم رّد علي بالقول : سوريا ستكون دولة علمانية ديمقراطية شاء من شاء وابى من أبى ,وأجبته كم هي نسبة العلمانيين في سوريا ؟هل تصل الى عشرة بالمئة اذن دولتك القادمة ستفرض علمانيتها بالقوة على شعبها
مؤسف جدا أن يعزف العلمانيون على وتر حاجة بلادنا إلى فصل الدين عن الدولة وإلى إقصاء الدين عن السياسة - بعد أن ركب ثورتنا المتطرفون الإسلاميون- وروابطهم العقلانية كلها تظن أن خذلان الثورة من قبل المتطرفين الإسلاميين أكد صحة وجهة نظرهم وهي فصل الدين عن الدولة وإقصاء الدين الإسلامي عن السياسة وحصره في الجانب الروحي جانب العبادات، وهم مدعومون في سوريا مادياً ومعنوياً وبشكل خاص من مركز الأبحاث ودراسة السياسات الذي يرأسه الفلسطيني عزمي بشارة. أما من قال ويقول بدولة مدنية ديمقراطية فهو أبله لأنه يروج لشعار ملتبس مركزه كلمة مدنية وهي من بنات أفكار الإخوان المسلمين ولا يعتد بدفاع أمثالي عن أن كلمة مدنية هي قديمة قدم التاريخ وقبل الإخوان المسلمين كثيراً، هي من أيام غرناطة وتعني إبعاد العسكر عن السياسة وحصرهم في مجالهم العسكري، تعني أيضاً عقداً اجتماعياً بين مكونات المجتمع لا يستثني أحداً بمن فيهم الأحزاب الدينية شريطة نبذها العنف والاعتراف بالآخر والتقيد بالدستور الذي يصاغ من قبل المتعاقدين.
ليس الإسلاميون أقل سوءاً من العلمانين فلسان حالهم يقول: ماذا قدّم العلمانيون للثورة؟ لقد انتظروا حتى نسقط النظام بسلاحنا لنهديهم الدولة كي يقودوها. وهم ما يزالون كما كانوا بالأمس يحاولون عزل العلمانيين بالعزف على وتر جماهيرنا العفوية المتدينة كونهم ملحدين لايحللون ولا يحرمون.
إن هذه المعارك الدائرة على الأرض أو على فضاء الفيس بوك لا تشير إلى أن الجهتين قد استوعبتا ما جرى في بلدهم وهما ماضيان في غيهم مع كل أسف.
عزائي بان شباب الجيل الصاعد من الجهتين سيستوعبون الدرس ويعملون معاً في المستقبل ضمن عقد اجتماعي جديد في ما بينهم يتنافسون فيه معاً مما يؤدي إلى عزل المتطرفين من الجهتين



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World