سقوط بغداد ... الأسباب و التداعيات ( 1 )

آدم الحسن
ifari8686@yahoo.com

2024 / 3 / 23

في 9 نيسان 2003 , أي بعد مرور 21 يوم على بدء هجوم القوات الامريكية و القوات المتحالفة معها على العراق لإسقاط نظام الحكم فيه دخلت القوات الأمريكية وسط العاصمة العراقية بغداد و احاطت بساحة الفردوس التي كان في وسطها تمثال لصدام حسين .
بكل المقاييس كان سقوط العاصمة العراقية بغداد سريع و سهل جدا إذ تمكنت قوات الاحتلال الأمريكي قطع المسافة البالغة اكثر من خمسمئة كيلو متر , من الحدود العراقية مع الكويت الى مركز العاصمة العراقية , في فترة زمنية لا تتجاوز الثلاثة اسابيع .
في ذلك اليوم من سنة 2003 , يوم سقوط بغداد , كانت كل الدلائل تشير الى أن المعركة الرئيسية لأسقاط نظام صدام حسين قد تمت وفق المخطط و البرنامج الزمني الموضوع لها من قبل قادة البنتاغون الأمريكي و إن صدام حسين قد هرب من ساحة المعركة و بهروبه استسلمت باقي القوات العراقية و لم يبقى ما تحتاجه قوات الاحتلال سوى الإعلان الرمزي لهذا السقوط , فكان إسقاط تمثال صدام حسين في تلك الساحة هو الإعلان الرمزي للسقوط المطلوب .
في حينها , قيل الكثير عن الكيفية التي سقط فيها تمثال صدام حسين في تلك الساحة التي اكتسبت شهرة خاصة بسقوط تمثال الطاغية فيها , و كأن ذلك السقوط هو سقوط الطاغية نفسه ...!
يبدأ المشهد الأول لسقوط التمثال بتقدم جمهور من العراقيين الفرحين نحو التمثال بكل عزيمة يتقدمهم رياضي عراقي يحمل مطرقة حديدية ثقيلة و يباشر بتهشيم قاعدة التمثال , ضرباته رغم انها كانت بأقصى ما يستطيع من قوة إلا أنها لم تكن كافية لإسقاط التمثال , يتناوب عدد من العراقيين المتجمهرين حول التمثال على ضرب قاعدة التمثال بالمطرقة الحديدية لكن دون جدوى .
ثم يأتي المشهد الثاني و قد اختفى خوف العراقيين المحتشدين حول التمثال من بطش و غضب صدام فوضعوا حبل متين حول رقبة التمثال الذي ظهر و كأنه رأس لصنم عبده العراقيون لسنين طويلة , أخذوا يسحبون الحبل بكل قوتهم يحاولون إسقاط الصنم لكن دون جدوى ايضا فقد بقى التمثال صامدا و اقوى من قدرات العراقيين الذين عجزوا عن اسقاطه .
في المشهد الثالث يأتي دور المحتل الأمريكي ليتدخل بعد أن يجلب معه عدد من مراسلي وكالات الانباء العالمية لنقل اللحظات الحاسمة لسقوط نظام صدام حسين , يضع احد الجنود الأمريكان العلم الأمريكي على وجه صدام و كأنه ايذانا ببدء مرحلة العراق الأمريكي فيغضب عدد من العراقيين تعبيرا عن رفضهم وضع علم امريكا على وجه صدام حسين متمنين أن يكون العلم عراقي و ليس امريكي .
يتمكن المحتل الأمريكي في المشهد الأخير من اسقاط التمثال بسهولة و ذلك بسحب الحبل المتين بواسطة مركبة مدرعة امريكية .
بدت الكيفية التي سقط فيها تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس و كأنها مسرحية أمريكية تم الإعداد لها مسبقا , فهل ما جرى في تلك المشاهد كان عبارة عن مسرحية مخرجها البنتاغون الأمريكي أم انها مجرد احداث متتالية جرت بعفوية ...؟
في كل الحالات , إن كانت مشاهد إسقاط تمثال صدام حسين احداث عفوية أم مدبرة فذلك لا يشكل فرقا كبيرا , فسقوط ذلك التمثال الذي صار رمزا لسقوط النظام السابق بواسطة مركبة مدرعة امريكية له دلالات عديدة منها أن امريكا كانت هي المتحكم بأوضاع العراق السياسية منذ أن وصل حزب البعث , كما يشبهونه , الى السلطة في العراق بواسطة قطار امريكي بعد إسقاطه لحكم عبد الكريم قاسم الوطني في انقلاب 8 شباط 1963 الى أن تم اسقاط نظام هذا الحزب بالقوة المدرعة للمحتل الأمريكي , فأمريكا هي التي اتت بنظام حزب البعث ليحكم العراق و هي التي ازالته .
بعد لحظات من سقوط التمثال انطلق العراقيون المحتشدون في ساحة الفردوس يهرون في شوارع بغداد و هم فرحين بنصر لم يكن نصرهم , يسحلون التمثال المهشم بالحبل الأمريكي المتين .
كان سقوط تمثال صدام حسين باستخدام مدرعة للمحتل الامريكي تعبيرا واضحا عن عجز العراقيين على إسقاط نظام صدام حسين و أثبات أن صدام حسين تمكن من تثبيت اركان نظامه بالقهر و العنف الدموي تجاه شعبه حتى افقدهم كل الإمكانيات لأجراء التغيير لنظام الحكم في بلدهم بأنفسهم , و كأن الطريقة الوحيدة للتخلص من نظام البعث الصدامي كانت الاستعانة بأمريكا التي احتلت بلدهم فقد رضوا باستبدال محتل وطني بمحتل اجنبي ...!
لا شك أن الكثير من العراقيين قد نسوا أن حزب البعث الذي أتى بصدام حسين لرئاسة العراق قد وصل الى السلطة في العراق , كما وصفها بعض قادة حزب البعث , بقطار امريكي .
الحجة التي روجت لها الإدارة الأمريكية لتبرير غزوها للعراق كانت عبارة عن كذبة كبيرة فبركتها الدولة العميقة في امريكا و نفذت سيناريوهاتها الإدارة الامريكية حيث تم الاحتلال الأمريكي للعراق و إسقاط نظامه الدموي لتجريده هذا النظام من اسلحة الدمار الشامل الذي اثبتت كل الوقائع عدم وجود مثل هذه الأسلحة .
لاستكمال فصول المؤامرة الأمريكية على العراق تم تغيير الخطاب الأمريكي , من تجريد نظام صدام حسين من اسلحة الدمار الشامل الى منح العراق فرصة للتحضر و الانتقال الى عصر الحرية و الديمقراطية فكانت هذه الحرية و الديمقراطية ملطخة بدماء مئات الاف العراقيين الأبرياء و نقلته من حالة الاستبداد البعثي الى حالة الفوضى و التناحر الطائفي و بيئة خصبة تجذب كل الإرهاب التكفيري الموجود في بلدان العالم ليكون العراق بوابة و اقصر الطرق لدخول التكفيريين الاستشهاديين الى الجنة .

(( يتبع ))



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World