عن علاقة الفنون بالتربية

محسين الوميكي
loumikimouhssine@yahoo.fr

2024 / 3 / 23

في موضوع الفنون والتربية قد تطرح أسئلة من قبيل ما الفن؟ ما التربية؟ وهل هناك علاقة بين المصطلحين؟ وإذا كانت هناك علاقة فما طبيعتها؟ في هذه الورقة سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاث بشكل مقتضب من خلال اطلاعنا على بعض المراجع المهتمة بالموضوع. لكن، قبل ذلك لنطرح السؤال التالي هل إذا أخذنا من قاموس ما أو مصدر آخر تعريفا للفن وآخر للتربية هل سيفيان بالغرض؟ وهذا أيضا ما سنحاول تسليط الضوء عليه.
أولا في معنى الفن:
إن مصطلح الفن مثله مثل مصطلح التربية كلاهما مجردان ومن المعروف أن المصطلحات المجردة يصعب إعطائها تعريفا موحدا ودقيقا وحاسما لذا نجد أن التعريفات التي أعطيت للفن وللتربية على حد سواء تعريفات كثيرة من جهة ومختلفة من حقبة زمنية إلى أخرى من جهة ثانية. فما معنى الفن هو سؤال قديم شغل القدامى كما أنه وإلى حدود الساعة يشغل المحدثين والمعاصرين أيضا وسيظل هذا السؤال مطروحا على الفكر الإنساني إلى الأبد؛ فليس هناك تعريف وحيد للفن بل تعريفات وكل فيلسوف أو مفكر يأتينا بتعريف خاص به وخاص بالزمان والمكان الذي يعيش فيه وهذا راجع بالضرورة إلى أننا> ص 62 (1). وهذا ما يفسر تعداد التعاريف الممنوحة للفن وللتربية. > ص62 (2)
ـ يعرف إتيين سوريو P. Souriau الفن في كتابه تقابل الفنون الذي ترجمه بدر الدين القاسم بأنه <<الفطنة المبدعة، أي الحدس الذي لا ينفي الطاقة والعاطفة، إنه ممارسة جدلية بين الفكر والعاطفة لإنتاج صيغة جمالية، وقد تكون هذه الصيغة مكانية، وقد تكون زمانية، أو مكانية زمانية بوقت معا.>> (3). ولأن التعريف ناقص كان من الضروري إقحام علم الجمال للتدقيق أكثر في قوة التعريف.
فمن التعريف الأخلاقي الأفلاطوني للفن الذي يربط بين مفهومي الفن والفضيلة أو الخير والفن والجمال بمعنى أن الفن إذا لم تكن له علاقة بالأخلاق فهو بالضرورة الحتمية ليس فنا. ولقد رأى تولستوي الكاتب الروسي أن ماهية الفن تكمن في كونه تعبيرا عن انفعال بمضمون أخلاقي، مرورا بتعريف آخر للفن التعريف الذي يقول أن الفن هو رؤية أو تعبير حدسي يجري على مستوى الإدراك الذهني المباشر أو على مستوى الخيال كما يرى شوبنهاور، وتعريف آخر يصف الفن بكونه تعبيرا عن الحقيقة بمعنى أن الفن الذي يحاكي المظاهر الخادعة ولا يصدر عن معرفة بالحقيقة فهو بالنتيجة ليس فنا؛ فالفن عند هؤلاء بمثابة التجلي المحسوس للحقيقة المطلقة والتعبير المباشر عن الروح الإنساني؛ وصولا إلى التعريف الذي يرى أن الفن هو شكل له دلالة أو صورة معبرة وهذا الاتجاه الذي يرى أن قيمة أي عمل فني كما كان نوعه إنما تكمن في سماته الشكلية لذلك سمي هذا الاتجاه باسم النزعة الشكلية وبتعميق البحث في هذه التعريفات سنخلص بالنتيجة إلى أنها كلها تشوبها نواقص وإذا اكتفينا بتعريف دون الآخر فإن التعريف الذي اكتفينا به سوف لن يكون مُرضيا. إن التعريفات التي سقناها في هذه الورقة بناء على ما جاء في كتاب معنى الجميل في الفن لكاتبه الدكتور سعيد توفيق ليست هي الوحيدة فهناك تعريفات أخرى، والكم الهائل من التفسيرات للفن إذا دل على شيء فإنما يدل على أن تعريف الفن هو مسألة صعبة وفي تعدد المدارس الفنية في جميع المجالات تعدد التعريفات، إذن نستنتج أن تعريف الفن لا يمكن الإحاطة به وإتمامه على أحسن وجه دونما العمل على دمج كل التعريفات في تعريف واحد شامل يجمع كل خصائص الفن وهذه العملية هي أيضا صعبة.

(1) و (2) الدكتور سعيد توفيق: معنى الجميل في الفن مداخل إلى موضوع علم الجمال، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى يناير 2015.
الفقرة استعملها الدكتور صلاح الدين أبو عياش في الجزء الثاني من كتابه معجم مصطلحات الفنون الصفحة 815
(يتبع)



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World