متاهات الكتابة؛ فاروق وادي

مهند طلال الاخرس
palastine_yasser@yahoo.com

2024 / 3 / 19

متاهات الكتابة [نبيع الكلمات ، الحكايات والأحلام] كتاب لفاروق وادي صادر عن الأهلية للنشر والتوزيع سنة النشر 202 ويقع على متن 327 صفحة من القطع المتوسط.

الكتاب يقع على متن ٦٨ فصلا او مقالا يضاف لها المقدمة والخاتمة وبحيث تتناول كل منها او تناقش موضوعا محددا من اسئلة الكتابة ومتاهاتها وهمومها.

وعن هذا الكتاب يقول الكاتب نحن لا نطمح للغوص التفصيلي في الموضوعات الشائكة المطروحة فحسبنا استثارتها وتحريك سواكنها لان حجم اسئلة الكتابة وهمومها يكاد يبلغ حجم الكتابة نفسها ، لذلك فاننا سنكتفي بالتامل وتقديم شذرات تشكل منطلقات لكتابات اشمل قد تستثيرها الاسئلة التي تبقى قائمة مهما قاربنا الاجابة، فان افلحنا في اجتهادنا نكون قد اقتطفنا الحسنين معا وان اخفقنا فسوف نكتفي بواحدة.

يجتهد الكاتب هنا فيشرع مساحة الصفحات لترسيم افاق متاهاته، ليطرح ما امكنه من تلك الاسئلة المتعلقة بهموم الكتابة؛ اسئله اللغة والكلام، اسئلة الشعر ولا الشعر والنثر، اسئلة تلامس الرواية والمسرح والسينما والمكان والزمان، الواقع والخيال والذائقة الجمالية، وهي تمتد لتشمل فنونا وحقولا اخرى لا تبتعد عن حقل الكتابة، فتظل تتقاطع معها مثل: الفن التشكيلي والموسيقى والرقص والغناء والتراث والهوية والقمع والرقابة والكتابة والمصادرة والسلطة والمثقف والعولمة وتحدياتها والترجمة وخيانتها، وتتواصل لتطرح علينا مسائل سيسولوجية وسيكولوجية اخرى؛ المراة الحب ولوعة القلب، الجسد الجنس الكسل الانتظار الشيخوخ، العشق الفضول التدين السفر وربما غيرها من الاسئلة، التقاطات تطول لكنها مهما تمادت تبقى ملتصقة ومشتركة مع اسئلة الكتابة.

تلك بعض دوامات الغبار اللولبية المتكاثفة التي تستثيرها متاهة الصحراء، او صحارى متاهات الكتابة، وتستثير شيئا منها صفحات هذا الكتاب الذي تأسس وتنام عبر تجربة ممتدة في القراءة والمشاهدة والسماع والتامل، وفي الكتابة ايضا، والتي تبقى محاولاتها متواصلة ولا تكف عن المغامرة من دون ان يذهب الكاتب في طموحه هنا الى ما هو ابعد من التجرؤ على حك القشرة التي تغلف الفضاء المتكلس لكل متاهة ، والحث على مواصلة طرح الاسئلة المحيرة التي تطرحها الكتابة.

في هذا الكتاب مدارات بحث متنوعة ومتعددة تنم عن مخزون ثقافي واسع وتجربة غنية وذاخرة ومزدحمة بالافكار والتساؤلات ومفتوحة المدى والعوالم، ومل ذلك يتاتى للكاتب من القراءة اولا واخيرا والتي لولاها لما كان كاتبا ولما تطور وعية واتقدت حياته ولمعت نجماته وثارت لديه تلك الاسئلة الكبرى التي تدور في فلكها الكتابة والتي اصبحت الشغل الشاغل لكل كاتب، تلك الاسئلة التي قد تتسع او تضيق تكثر او تقل حسب الحالة الثقافية السائدة وتفاعلاتها وتجلياتها واستطالاتها الخاصة والعامة وحسب همة الكاتب وسعة الافق والادراك لديه ومقدرته على الامساك بناصية الكلمة وصوغ مايريد منها وتقديمها من جديد

ومن البديهي ان نقول بان كل كاتب او المعظم يقترب او يشترك في تلك الاسئلة مع بعض الاهتمامات والاضافات لاسئلة اخرى تتعلق بنهج الكاتب وخلفيته وبيئته التي يتشكل منها وعيه وفيها يسيل قلمه تجسيدا لحالة التفاعل بين قصايا الاكاتب اليومية المعاشة واسئلة زمانه والتي تفرضها صنعة الكتابة واجوائها واصدائها.

هذا الكتاب بفصوله 68 بالاضافه الى المقدمة والخاتمة تتناول موضوعات لا شك مهمة ومفصلية، وهي لا تفارق مخيلة او ذهن اي كاتب حين يقرر ان يدخل هذه المتاهة التي لا تنتهي...

ففاروق وادي في هذا الكتاب نجح بدق جدار الخزان بطرح معظم الموضوعات التي تنتاب هاجس المؤلف والكاتب في شتى صنوف الادبي وانواعه؛ من شعر ورواية وقصة ومقال ومسرح... وما الى ذلك مشتى انواع واصول الفن الادبي.

عند التطرق الى 68 موضوع التي يطرحها الكاتب في هذا الكتاب يتبين لكل عشاق الكتابة واصحاب القلم المحترف فيها كم هي هذه الموضوعات شائكة وتشكل لب الموضوع للكاتب ومدارات اهتماماته وبحثه، او قد نقول متاهاته ان صح التعبير، وهذا هو العنوان الذي نجح الكاتب في اختياره لاحتضان مجموعة المواضيع التي احتوتها دفتي الكتاب. فعنوان الكتاب شكل عتبة النص التي ولج منها الكاتب بنجاح الى المواضيع التي يتناولها وتتضمنها صفحات هذا الكتاب.

في هذا الكتاب قيمة ثقافية ذات مرجعية ضخمة وزاخرة بعديد من المؤلفات والمقالات والدراسات والفنون والقصائد والقصص والروايات التي تسند وتدعم فكرة الكاتب ، او يستند اليها في بناء فكرته ومناقشتها.

الافكار المتعددة والمستولدة في هذا الكتاب تخدم فكرة الكاتب الاساسية في محاولة الاجابة على اسئلة الكتابة القديمة الجديدة والتي تشكل من ديموتها حبر المداد لكل كاتب منذ نشئة الخليقة حتى الان.

وفي معرض اجابته عن سؤال الكتابة الكبير يقول فـــاروق وادي:"هل نُصدق «غابرييل غارسيا ماركيز» عندما يقول إنه يكتب ليرضى عنه أصدقاؤه. أفلا تكفي «أرانديرا الطيبة وجدتها الشيطانية» (حتى لا نقول «مائة عام من العزلة») ليرضى عنه ألف صديق وصديق؟!

فلماذا تعب القلب الذي أمعن فيه طويلًا ذلك الكائن الذي عاش عُمره وهو يتوثّب سردًا. لقد ظل متشبثًا بالأمر حتى عقده التاسع، وعاش ليروي، فرضي عنه الصديق ومارّ الطريق. فلماذا الإصرار على مواصلة جهدٍ كبير يُنهك الذهن والجسد والأعصاب؟! وإذا ما صادف أن للكاتب أصدقاء لا يحفلون بالقراءة، فهل يُشكل ذلك سببًا كافيًا ومقنعًا للتوقف عن ممارسة تلك الرذيلة؟!

أمام سؤال الكتابة نفسه، أجاب «لويس أراغون»: «أكتب لأدون أسراري». أما «جوزيه ساراماغو»، فقال في أثناء توقيع كتابه «ذكريات صغيرة» الذي يروي بعضًا من سيرته الأولى، وكان حين صدور الكتاب في الخامسة والثمانين من العُمر: أكتب في محاولة لفهم أمور ما زلتُ أجهلها، ولأنني لا أملك شيئًا آخر أفعله أفضل من ذلك!

«لوسيو كادوزو»، وهو كاتب من أميركا اللاتينية عرفنا على اسمه «فرناندو سابينو»، ولم تحالفنا الفرصة لقراءة شيء من كتاباته عبر الترجمات والمختارات التي وصلت إلينا من إبداعات القارة التي يتعانق فيها الواقع والسحر معًا، قال: «أكتب لأن لا عينين خضراوين لي».

وسواء اقتنعنا أو لم نقتنع بوجاهة سبب الكتابة الذي أورده كادوزو، فإن الإجابة تظل تنطوي، رغم غرابتها، على الإقرار بأن سببًا ما لا بد من أن يكون كامنًا وراء اقتراف هذا الفعل المؤلم والمدهش واللذيذ معًا.

سابينو نفسه، الذي أقرّ بأنه يكتب رغم أن لديه عينين خضراوين، يجد سببًا آخر للكتابة: التطهر، وحتى لا يضطر إلى التمدد على أريكة الطبيب النفسي. يقول: إذا كنت قد كتبت كتابًا بعنوان «السكين ذات الحدين»، فربما أكون قد فعلت ذلك لكي لا أطعن أحدًا!

الكتابة، إذًا، هي قضاءٌ أخف من قضاء. بلاءٌ مُحتمل حتى لا يحلّ البلاء. وهي فعل أقل دموية من فعلٍ آخر لا بد من أن يرافقه مسيل الدماء. إنها خيار بين خيارين اثنين لا ثالث لهما: اقترافها، أو اقتراف جريمة قتل!

تبدو لي الكتابة، أحيانًا، وكأنها فعل تجتمع فيه كتلة هائلة من «الميكانيزمات» السيكولوجية الدفاعية التي يؤدي فيها «التحويل» دورًا، و«التسامي» دورًا ثانيًا، و«الإبدال» دورًا ثالثًا، وكذلك «التعويض»، و«التقمص»، و«التكوين العكسي»، و«أحلام اليقظة».. وغيرها.

في أزمنة القناعات الأيديولوجية الراسخة، كنا نستنيم إلى الفكرة المُعلبة التي ترى أن للكتابة مهمة واضحة تُختزل في كلمتين: تغيير العالم. وكنا ننخرط في فعل التغيير.. فكأننا سنموت غدًا!

ولكن، وبعد أن انقلب العالم نحو الأسوأ، رغم كل أحلام كتاباتنا وطموحاتها التغييرية، وبعد أن عشنا لنشهد الانهيار تلو الانهيار، وتراجع جيوش الأحلام عن مواقع خطوطها الهجومية ثم الدفاعية، وحتى الانهيار الفادح لجبهة التغيير، على عكس ما كنا نطمح، اكتشفنا سببًا سحريًّا آخر كافيًا للكتابة: نكتب لكي نحقق التوازن المختل بيننا وبين العالم!

غير أن سبب تحقيق التوازن مع العالم يظل مراوغًا وحمالًا لوجهين على الأقل، إن لم يكن أكثر. فالتوازن قد يعني الاتكاء على فعل الكتابة والتشبث بجمر الكلام وقوة الخيال لإسناد الروح، والحيلولة دونها والانجراف وراء ما يقترحه علينا الانهيار من تغيير الذات لتكون متوائمة مع التغييرات الكونية وما خلفته من سماتٍ تدميرية. وقد تعني العكس تمامًا: التوازن مع ما يحدث في العالم، بمعنى: نفي التناقض معه والانسجام مع متغيراته وقيمه وأخلاقياته الجديدة.

أتساءل وأتأمل: لماذا تكتب؟!
أحيانًا أكتب حتى أثبت أن العزلة تستطيع أن تكون مثمرة، فتُنتج عالمًا يضج بالبشر.
أكتب لكي أظل متشبثًا بوهمي الجميل من أن الكتابة هي فعل ربما يكون أكثر جدوى من الصمت.
أكتب، حتى أتأكد من وجود قارئ واحد يولي كلماتي اهتمامه، حتى لو كان الوحيد على وجه الأرض.
أكتب حتى أصاب بـ«البرانويا» على طريقتي، لا على طريقتها الفصامية التدميرية. فبالكتابة وحدها تستطيع أن تمارس جنون عظمتك وجنون اضطهادك، كما تشاء!

أكتب لأمارس كل أنواع الجنون على الورق، بدلًا من ممارسته في مستشفًى للأمراض العقلية.
وإذ أعترف بأنني لست متأكدًا إذا ما كنت أكتب لهذا السبب أو ذاك. فإن الشيء الوحيد الذي أنا على يقين منه، هو أنني أكتب، فقط، لأعبِّر عما يجول في خاطري. وأحيانًا، في خاطر زوجتي!".

هذا الكتاب من هذه الناحية وضمن هذا السياق يشكل قاموسا مرجعيا لكل كاتب ومهتم وباحث تشغله هموم الكتابة ويود ان يقدم للقاريء او المهتم والدارس اجابة حول السؤال الاهم: ما جدوى الكتابة او لماذا نكتب؟
وهو ما حاول الكاتب جاهدا على مدى صفحات الكتاب الاجابة عليه متسلحا باقوال لشعراء وكتاب وادباء مفكرين وفلاسفة ورواد عالميين مثل محمود درويش وديوجين وجلال الدين الرومي وامبرتو ايكو وبورخيس وماركيز وبابلو نيرودا وكارل ماركس وتولستوي وانطون تشيخوف وغيرهم الكثير ممن تزخر بهم صفحات الكتاب مثل ما قاله محمود درويش: " لم اجد جدوى من الكلمات إلاّ رغبة الكلمات في تغيير صاحبها" ، ومثل ماورد في كتاب الف ليلة وليلة:
"فقالت لها اختها: ما اطيب حديثك والطفه والذه واعذبه!
فقالت شهرزاد واين هذا مما ساحدثكم به الليلة المقبلة ان عشت وابقاني الملك؟
فقال الملك في نفسه: والله ما اقتلها حتى اسمع بقية الحكاية.
هذا بالاضافه الى ما قاله بيان للسورياليين
"ايها الاباء قصوا احلامكم على ابنائكم".

في اخر الكتاب على ظهر الصفحه 326 يشير الكاتب الى زبده هذا الكتاب والى خلاصة تجربته مع الكتابة والتي تخرجه من هذه المتاهات المطروحة عبر الاسئلة التي احتوتها الصفحات السابقة، فيقول:" لقد اكتشفت بعد تامل تلك المهن ان بيع الكلمات وبيع الحكايات وبيع الاحلام [ولعلني اكون قد افلحت في التحريض على قراءة تلك النصوص السردية الجميلة المترجمة جميعها الى العربية] ربما تكون هي المهن التي مارسناها من دون ان ندري منذ ان كانت رؤوسنا الفتية تتيه بعيدا ظنا منا ان الكلمات ستقودونا الى تغيير العالم نحو الافضل، وان الحكايات التي نكتبها ستنقش بالابر على آماق البصر الف ليلة وليلة، وان الذين لا يحلمون سوف يموتون في ليلتهم من شده البرد والضجر!

هذا الكتاب يدور حول معرفة اسئلة الكتابة ومدارات البحث التي تشغل الكتاب او التي يجب ان تشغل الكتاب في سياقات زمنية محددة وفي مواجهة قضايا وطنية وامامية محددة، تفرضها طبيعة واهتمامات الكاتب ومسؤوليته التاريخية والانسانية والوطنية واين يتواجد هو من هذه الاسئلة.

ومن نافلة القول ان نخلص الى نتيجة مفادها: بان من كل ما سبق تولد الحكايات...فالحكايات بحاجة دوما لمن يكتشفها ويعيد كتابتها بعد استيلادها من جديد، ثم يقوم بتوزيعها على الناس ، دون ان ينسى كل كاتب ان يترك اثره عليها، او ان يسمح لشيء من رائحته بالبقاء عليها لتدل عليه ولو بعد طول غياب، بحيث يجعل منها حكايته الخاصة والاثيرة.. وهكذا تولد الحكايات من جديد، وهذا ديدن الكتابة منذ نشأة الخليقة حتى الان...



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World