حرب غزة : عالم رقمي ما بعد الامبريالية.

مظهر محمد صالح
mudher.kasim@yahoo.com

2024 / 3 / 11

تعد حرب الابادة القائمة في غزة اليوم هي من اول حروب العصر الراسمالي الرقمي او( حروب مابعد الإمبريالية ) وهي اعادة تشكيل الرأسمالية المركزية لتقوم على
انتقائية العولمة Eclectic Globiization بعد ان اظهر تفكك الشراكة بين الشرق والغرب في عصر الليبرالية الجديدة ونهايات العولمة من خلال العودة الى النزعات القومية للراسمالية المركزية وظهور قوى اليمين المتطرف في الغرب والعودة الى رسم ادوار متجددة للمتروبوليات القديمة و بتحالفات جديدة للراسمالية المركزية نفسها .
ما يقودنا الى فهم النشوء و التكوين الجديد لراس المال المركزي وعلى النحو الاتي:

اولاً: الراسمالية التخادمية :تحالف راس المال الفكري والمادي .

فمثلما ولدت الطاحونة اليدوية الإقطاع الاوروبي والطاحونة البخارية الراسمالية المركزية بتصنيفاتها التي امتدت بين الثورة التكنولوجيا الاولى وحتى الثالثة، فلابد من ان يتولد المجتمع الصناعي الرقمي الراهن ضمن الثورة التكنولوجية الرابعة ، كطاحونة رأسمالية رقمية شديدة الخوارزمية وفالفرق فيها عن العصر الامبريالي الاول ،ان الطبقة العاملة الاكثر ندرة في المهارات الرقمية ستتقاسم جانب من فائض القيمة او الربح الراسمالي الامبريالي وتتحالف مع راس المال في ظروف جديدة للمادة التاريخية ..وهنا لابد من ان تنقسم علاقات الانتاج وقوى الانتاج داخل البنية التحتية infrastructure
، اي توليد انقسام داخل الظاهرة الاغترابية البروليتارية بفئتين عماليتين ، الاولى: قوى عاملة رقمية عالية المهارة Dgital senior workforce)
ولكنها في الوقت نفسه قليلة الاغترابLittle alienation في البنية التحتية الانتاجية و
متحالفة في الوقت نفسه مع راس المال الصناعي الاحتكاري وتقتطع جزء من فائض القيمة والربح الراسمالي ضمن ظاهرة اطلق عليها عالم الاقتصاد روبرت صولو Solow :1957
بانتاجية كل عوامل الانتاج all factor productivity
و الثانية: قوى عمالية دنيا قليلة المهارة عالية الاغتراب
‏A lower workforces that are widely
‏ alienate
لذا اجد (من وجهة نظري ) ان نظرية المجتمع الصناعي: كسلاح فكري جديد للامبريالية والتي جاء بها كاتب راسمالي من امثال (غونتير روزة ) كمقدمة لاعادة فهم العصر الراسمالي الرقمي بمجرياته الحالية لالغاء الإشتراكية او اية نزعة اجتماعية معادية لراس المال وعلى وفق المادية التاريخية للفوز بنتائج الثورة التكنولوجية الرابعة .
ويدلنا هذا إلى واحدة من مسارات ترسيخ ظاهرة مايسمى (بالبرجوازية العمالية النخبوية ) بكونها قوة من (راس مال الفكري الرقمي ) ومتحالفة بصفة تخادمية مع (راس المال الامبريالي )لتوليد التراكم الراسمالي المادي والفكري المستقبلي في ظاهرة مادية تاريخية جديدة يمكن تسميتها عالم ما بعد
الامبرياليةpost imperialism انها
راسمالية تخادمية رقمية digital Servant capitalism
كما يمكن يحلوا لي تسميتها.

ثانيا: التكامل الإديولوجي للشرق في مواجهة نزعات عالم ما بعد الامبريالية .

تعد نزعة الحرب الوحشية الاستيطانية في غزة ضد شعب فلسطين الاعزل اليوم ، بمثابة الدرس الاول لولادة ايديولوجيات موحدة للحركات الوطنية المشرقية بمختلف مشاربها الدينية والقومية طالما تحمل مباديء التحرر من الاستعمار الامبريالي الجديد ، وهي تنصهر بالتدريج تحت الاضطرار جميعها في تجانس إديولوجي شبه موحد ، قد يجمع شرق العالم كله في محور فكري ومنهجي موحد امام تحديات محركات عالم ما بعد الامبريالية.
وهي بلا شك ستصبح وحدة فكرية بانساق تنبثق بتاثير وهيمنة ايديولوجيا القوى المعولمة الشرقية التي هي في صراع رقمي ناعم او تناحري مع القوى (الانتقائية او الاكلكتيكية Eclectic للراسمالية المركزية ).
انه صراع تُعجل توسعه قوة التقدم في التكنولوجيا الرقمية التي غدت اذرع اختراقها لموارد العالم مسرعة ومهددة في آن واحد يطلقها المركز الراسمالي الرقمي الى أطراف العالم ومحيطه التقليدي ،والتي بدأتها حرب غزة بالتفنن الرقمي في تطبيق العنف واقتلاع جذور الهويات الوطنية يقودها راس المال المعولم الغربي الانتقائي، او ما نسميه مجازا عالم مابعد الامبريالية post imperialism .
فالشرق الجديد الذي تتطلع اليه العولمة الانتقائية الشرقية كثنائية مناؤة، او ( انتقائية معولمة مضادة Anti Eclectic Globlization )لتكون بمثابة قطب مركزي شرقي (لشكل من اشكال راس المال الاجتماعي ) الذي يساند حركات التحرر الجديدة في محيط العولمة الانتقائية الغربية ، ليتصارع القطبان الغربي المركزي كقوة استعمارية والشرقي المركزي كقوة نفوذ لمواجه امتدادات الرأسمالية المتروبولية ، ازاء تكوينات سياسية جديدة مرتكزها مايسمى بالشرق الاوسط الجديد او الواسع brood middle east الذي سيكون مرتكز تنازع قطبين معولمين مختلفين في انتقائيتهم عبر اديولوجيا الصراع مع مناطق النفوذ الاستعماري القادم .
وهكذا فان حرب غزة اليوم هي شرارة ذلك النزاع الاممي لامحالة . وان معطى مذهبي او فكري جديد للعولمة الشرقية ستصهر التيارات الاديولوجية المختلفة القومية والدينية الداعمة للقضية الفلسطنية ضمن انساق الاممية الشرقية الجديدة للصراع لا محالة لضمان ديمومة حركة التحرر الوطني في مواجهة شراسة النفوذ المركزي الراسمالي لما بعد الامبريالية .
ختاما، أن مشكلات التفاوت والتدهور البيئي وحروب الهوية وما يتصل بها من اضطرابات "ليست تشوهات طارئة على المثال الليبرالي الأصلي، وإنما هي كمال الليبرالية وتحققها، ذلك أن اندفاع الليبرالية الطائش إلى تعظيم الاستقلال الفردي أدى إلى ألوان جديدة من الطغيان الشنيع، طغيان شركات التكنولوجيا الكبرى واستبداد وول ستريت... واستشراء الوحدة". وهذا ما يؤكده الكاتب البريطاني جون غراي في كتابه المنشور مؤخرا والموسوم: نعي جديد لليبرالية . وهي نبوءة
إلى الاستعداد لـ"الفوضى العالمية" والإدراك أن المستقبل ليس للإنسانية وان ما يحصل اليوم في غزة من حرب ابادة بشرية هو تجسيد لعالم مابعد الامبريالية لانتزاع التراكم على الصعيد العالمي باكثر ادوات القتل رقميةً . وان غزة هي نقطة البداية وموديل استعماري لتجسيد عالم ما بعد الامبريالية وتطبيق واقعي لظهور العولمة الانتقائية بطرفيها الغربي والشرقي ، وفي الوقت نفسه تبلور ايديولوجيات وعقائد شرقية موحدة مؤازرة لعولمة الشرق (الانتقائية أيضاً ) و المضادة للتوحش الامبريالي الجديد ،المغلف بقوة رقمية لاعادة استعمار العالم بشكل متعجل (بعد تهشيم كياناته السياسية ) لتوفير حواضن (كانتونية هشة ) كما يريدها الشرق الاوسط الجديد ، تعجل في نهب فوائض محيط العالم عبر احداث قفزة رقمية متسارعة في تراكم راس المال على الصعيد العالمي في عالم راسمالي لما بعد الإمبرالية.
(( انتهى ))



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World