الكهنة رجال الدين الأوائل وأصل الأضحية !

عبدالله عطوي الطوالبة
dabdtaw@yahoo.com

2024 / 3 / 4

كان الإنسان البدائي يعزي الأمراض والموت، إلى أرواح يعتقد أنها ماثلة في كل شيء يراه. لذا، أيقن أن هذه الأرواح حرية بأن يسترضيها بين حين وآخر، ليتكافى شرورها.
بمرور الزمن، غدت الأرواح عسيرة المأتى بالنسبة للفرد العادي، لذا برزت الحاجة لانقطاع فئة من الناس لاسترضائها واكتناه اسرارها. فلم يعد كل امرءٍ كاهن نفسه، بل أخذ رؤساء العشائر وآباء الأسر الكبيرة مهام تصريف أمور الاحتفالات الدينية وشعائرها، وبذلك غدوا ملوكًا وكهنة في آن واحد معاً. مع ازدياد الأفكار الدينية تنوعاً وزخرفة، أصبح يُنظر الى الملك الكاهن على أنه مثوى تحل به روح القبيلة، واستحق بالتالي أن يُعبد كإله. من هنا، كما يرى بعض الباحثين ومنهم عصام الدين حفني ناصف، نشأ الحق الإلهي للملوك.
على هذه الأرضية تخلقت فئة من الناس تجردت للتعامل مع الأمور الروحية، لجهة معالجتها. وكانوا يتلقون تدريبات خاصة، كما خبروا عنت الحمية عن الطعام أوقات الجدب. تركزت جهود الكهنة هؤلاء على إطلاق أعنة الأخيلة والأوهام لدى الناس، وذلك بالتظاهر بنوبات من الدروشة وإطلاق أصوات غريبة وألفاظ بلا معنى، فيتوهم السُّذج من حولهم أن الأرواح قد حلت بهم وهي التي تنطق بألسنتهم. في النتيجة، يتملك الرعب هؤلاء، فيسعون لبذل كل ما بمستطاعهم دفعه ليشتروا سلامتهم. ولجأ البدائي أيضاً إلى تلاوة الأدعية وإقامة الصلوات وحمل الخرز وعد حبات السبح، لدفع الأرواح الشريرة. كما توسل التمائم، لحجب الأرواح الشريرة. وما الحجاب الذي ما يزال البعض يؤمن بدوره في هذا المجال حتى اليوم، إلا واحدة من صور التميمة المتأخرة.
انفرد الكهنة بصنع التمائم، مما أضفى عليهم قدسية لا تشمل سواهم. بدأ هؤلاء، أي الكهنة، التفكير في مصالحهم الخاصة. وكان لا بد لتحقيق ذلك من تخدير الرؤوس بالخرافات والأوهام، ليظل أصحابها في غيابة الجهل فيسهل الضحك عليهم وخداعهم وابتزاز أموالهم !
لاحقاً، تحول الناس من تميمة الفرد إلى تميمة القبيلة. اتخذت هذه الأخيرة شكل أوثان جعلها أبناء القبيلة أرباباً، يتوسلون بها ما فيه صلاحهم وطلب الخير لهم. في زمن تالٍ، عمدت الأقوام الى مسح أوثانها بالزيت، ثم بالدم لتطيب الأرواح القابعة فيها نفساً. وتفتقت أذهانهم عن فكرة إضافية لمزيد من ترضي الأوثان والأرواح الساكنة فيها، فأخذوا يقتلون الإنسان وينحرون الحيوان ويقربونهما لأوثانهم. من هنا، نشأ منسك الأضحية، وكان من أهم المناسك الدينية عند شعوب تلك الأعصر الغابرة كلها. فعندما حوصرت قرطاجنة سنة 307 ق.م.، كما تؤكد مصادرنا، حرق أهلها مئتي غلام من أبناء السراة على مذبح الإله "مُلخ"، أي الملك.
في مرحلة تالية، امتعض الناس من التضحية بأفلاذ أكبادهم، ويبدو أن الآلهة من جهتها ملّت لحم الإنسان، بعد أن رتعت فيه طويلاً، فانصرفت عنه إلى لحم الحيوان. وهكذا بدأ الانتقال من التضحية بالإنسان، إلى الأضحية الحيوان.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World