الاتحاد العام التونسي للشغل أزمة في الأفق: من المسؤول؟ وما السبيل لمواجهتها؟

جيلاني الهمامي
rafrafa16@gmail.com

2024 / 2 / 26

الاتحاد العام التونسي للشغل
أزمة في الأفق: من المسؤول؟
وما السبيل لمواجهتها؟
تقديم
راجت في المدة الأخيرة وبشكل ملفت للانتباه سلسلة من البيانات النقابية الصادرة عن نقابات أساسية وهياكل قاعدية أخرى (اتحاد محلي مثلا) تشترك كلها في "مضمون نقابي" يعطي للقارئ انطباعا بأنّ هنالك نقاشات أو مشاورات أو أي شكل من أشكال التنسيق بين أصحاب هذه البيانات.

أهم ما جاء فيها من مواقف، سواء في صيغة موحّدة أو في صيغ متشابهة، يؤكد أنّ صدور هذه البيانات لم يكن بالأمر العفوي وإنما يأتي ضمن مخطط وفي سياق مسار قد انطلق ومازال من السابق لأوانه الحكم عما ستكون نتائجه ومآلاته. وسنحاول فيما يلي رصد دواعي ظهور هذه "الحركة" واستقراء دلالاتها والبحث في حقيقة مراميها وأهدافها.

لقد ركزت هذه البيانات على "تراجع مكانة الاتحاد العام التونسي للشغل لدى عامة الشعب ولدى الطبقة العاملة خاصة" و"عزلته عن حاضنته الشعبية" وعلى "الاعتزاز بالانتماء لمنظمة حشاد العتيدة" ومسؤولية صنف من النقابيين" في ما أصبح عليه الاتحاد من ضعف ووهن". أما فيما يتعلق بالديمقراطية الداخلية فقد ركزت البيانات على "الانقلاب على القانون الأساسي وعلى الفصل 20 من النظام الداخلي" وعدّدت مظاهر متنوعة ممّا اعتبرته مسّا من "الجوهر الديمقراطي للمنظمة" مثل عدم تجديد النقابات الأساسية والهياكل القاعدية المغضوب عنها والتلاعب بالنيابات في المؤتمرات وفق حسابات بيروقراطية الخ... وخلصت كل هذه البيانات تقريبا إلى تحميل القيادة النقابية الحالية مسؤولية الوضع السيء الذي أصبح عليه الاتحاد ونادت بإزاحتها وتخليص الاتحاد منها ودعت إلى "تشكيل هيئة تسيير مؤقتة" في انتظار عقد "مؤتمر استثنائي" لانتخاب "قيادة جديدة شرعية".

ولا يستدعي الأمر ذكاء استثنائيا حتى نفهم خلفيات هذا السيل من البيانات ومغزى الحملة التي أطلقها. فمن الواضح أنها مقدمات لأزمة نقابية جديدة من نوعية جديدة وذات أسلوب جديد مختلف تماما عن أساليب الأزمات السابقة. ويبدو في ضوء المعطيات الراهنة أنّ مواجهة هذه الأزمة لن تكون سهلة بالنظر إلى عملية التضليل والمغالطة الكبرى التي يراد بها تبرير الهجوم على المنظمة النقابية.

1 – القلاع تُؤخذ من الدّاخل

إنّ موقف الرئيس قيس سعيد من الأحزاب السياسية وممّا يسمّى بالأجسام الوسيطة بشكل عام معروف. وكان أكّد في حديثه الصحفي الشهير لجريدة الشارع المغاربي بخصوص ما إذا كان سيلغي الأحزاب عند توليه الرئاسة قائلا "لا لن ألغيها... التعددية ستبقى إلى أن تندثر وحدها". وهو ما يلخّص جوهر تكتيكه حيال الأحزاب والمنظمات وعموم الأجسام الوسيطة. وقد وقفنا على ذلك في سياساته إزاء العديد من الأحزاب خاصة بعد 25 جويلية 2021. ونلاحظ اليوم أن نفس المنهج المتبع في التوجه الى الجمعيات والمنظمات والاتحاد العام التونسي للشغل الذي تفيد كل المؤشرات أن هناك مخطط هجوم جاري ترتيبه.

وليست هذه المرة الأولى الذي تستهدف السلطة اتحاد الشغالين. وللتذكير فقد واجه على امتداد قرابة ثمانين سنة من تاريخه سلسلة طويلة من الأزمات، قامت السلطة في كل مرة بهجوم عنيف على المنظمة بغاية تدجينها وتركيعها ووضعها تحت السيطرة المباشرة للحزب الحاكم والحكومة وأجهزة الدولة. وكان الأسلوب المتوخّى في كل هذه الأزمات حتى منتصف الثمانينات التدخل بالقوة وإجراء انقلاب على هياكلها وإزاحة قياداتها الشرعية والزجّ بها في السجن وتنصيب الموالين بشكل فوقي وتعسفي. لكن منذ مجيء بن علي ولئن لم تتخلّ السلطة عن أهدافها في تدجين المنظمات الجماهيرية وخاصة الاتحاد فإنها غيّرت الأسلوب واستعاضت عن التدخلات التعسفية والانقلابات بتكتيك الاحتواء من الداخل عملا بمقولة "القلاع تؤخذ من الداخل". لذلك ولئن لم يتعرض الاتحاد طيلة فترة حكم بن علي إلى أزمات شبيهة بأزمة 1965 أو أزمة 26 جانفي 78 أو أزمة أكتوبر 1985 فإنه في الحقيقة لم يكن منظمة مستقلة عن السلطة بل جسدت وبالملموس نموذج النقابة المساهمة التابعة كليا للسلطة والواقعة تحت نفوذ البرجوازية من جهة والخاضعة لنمط التسيير البيروقراطي التعسفي من جهة ثانية.

إنّ المجال لا يتّسع لاستعراض كل المعطيات والأدلة التاريخية لذلك فسنكتفي هنا ببعض الأوجه ذات الدلالة. فخلال عشرية التسعينات ثم في سنوات الالفين تحوّل الاتحاد بقيادة إسماعيل السحباني ثم في عهد عبد السلام جراد ليصبح السند الاجتماعي الرئيسي لنظام الحكم والداعم الأساسي لـشعارات "الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي". وقد أوكل للسحباني في التسعينات مهمة التهجم على المعارضة الديمقراطية ومدّ الداخلية بقائمات المنتمين إلى الأحزاب غير المعترف بها الناشطين في النقابات إلى جانب تبييض صورة النظام في الخارج وخاصة في المحافل النقابية الدولية وتبرير أعمال القمع التي طالت اوساطا متنوعة من الناشطين السياسيين والمدنيين وبلغ به الأمر أن دفع الهيئة الإدارية الوطنية إلى استصدار لوائح تندد بمنظمة العفو الدولية والكنفدرالية الدولية لحقوق الإنسان باعتبارها "منظمات تحركها أيادي صهيونية". ودائما في المجال السياسي وقف إلى جانب عمليات تحوير الدستور لتمديد حكم بن علي وساند القوانين الموضوعة لتقييد الحريات العامة والفردية (بما في ذلك قانون تصنيف الجمعيات الذي يستهدف الرابطة والجمعيات المستقلة والاتحاد نفسه). وبالنظر إلى تواتر زياراته إلى قصر قرطاج (مرة كل شهر) بات يلقب بوزير الشغل لأنه كان في نظر الجميع أقرب إلى أن يكون وزيرا من أن يكون أمينا عاما لمنظمة مستقلة تمثل الشغالين. وكان الامر كذلك تقريبا في عهد جراد.

أمّا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي فقد أصبح الاتحاد شريكا في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية لنظام الحكم حيث أيّد سياسة الخوصصة وإعادة الهيكلة وتحرير الأسعار وساند اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ولعب دور البوق الدعائي لـ"المعجزة الاقتصادية التونسية" وكبّل هياكله باتفاقية الزيادات الثلاثية التي ضبطتها الحكومة وفق موازناتها المالية واستعملتها لتزيين واجهة نظامها في الداخل والخارج. وكثيرا ما كانت هذه الاتفاقيات الثلاثية سببا في إخماد جذوة النضال النقابي ومنع الإضرابات خاصة من أجل مطالب ذات مردود مالي.

وقد اقترنت هذه السياسة بتفاقم النهج البيروقراطي في تسيير الاتحاد وتجسّد ذلك في عديد المظاهر منها تضخّم دور المكتب التنفيذي وتضخّم دور الأمين العام وسلطته الفردية المطلقة. وقد جرى تنقيح النظام الداخلي للمنظمة عدة مرات دائما باتجاه تقوية وتوسيع صلاحيات الأمين العام الذي بات في الحقيقة فوق القانون وفوق سلطة الهياكل القيادية للمنظمة التقريرية منها والتنفيذية. وبلغ هذا التّمشّي ذروته بمبايعة اسماعيل السحباني في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الكرم الأوّل (1993) والثاني (1999) بالهتاف من القاعة ودون اللجوء إلى الاقتراع. وجرت العادة في عهده كما في عهد عبد السلام جراد أن يترأّس المؤتمر الوطني للاتحاد ومؤتمرات الجامعات والاتحادات الجهوية ليفرض انتخاب من يشاء ضمن ما سمّي آنذاك "قائمة الأمين العام" أو "قائمة الاستمرارية". التنقيح الوحيد الذي أدخل اصلاحا ديمقراطيا على الحياة الداخلية للاتحاد هو تنقيح مؤتمر جربة سنة 2002 الذي أضاف الفصل 10 للنظام الداخلي والذي للأسف حاول كل من جراد وعلي رمضان مسؤول النظام الداخلي في المؤتمرات اللاحقة (المنستير خاصة) الانقلاب عليه وحذفه.
لقد شهدت الحياة الداخلية للاتحاد طوال فترة بن علي استفحال النهج البيروقراطي التعسفي واستقواء القيادة بالنظام الداخلي وبلجنة النظام وحتى في بعض الملفات بالبوليس والسلطة على معارضيها ومخالفيها الراي بمن في ذلك قيادات مركزية وجهوية والقائمة طويلة (الصحراوي وبن رميلة ومحسن بن هندة وخير الذين بوصلاح ورشيد النجار وجيلاني الهمامي ومنجي صواب وتوفيق التواتي الخ...).
لقد تسببت هذه السياسة في تراجع نضالية الاتحاد وهشاشة الجبهة الداخلية حتى لما أراد بن علي إزاحة السحباني وتدبير أزمة جديدة للاتحاد وجد المجال مفتوحا على مصراعيه وكان له ما أراد بسهولة وعلى ايدي نقابيين كانوا يوالون السحباني ولاء أعمى.
توقفنا بإيجاز عند بعض معطيات التاريخ للتدليل على أن الاتحاد لم يكن في مأمن من الازمات حتى عندما امتنعت السلطة عن أساليب التدخل العنيف. فقد استطاعت ربط المنظمة النقابية بعجلة نظامها وطوعتها لخدمتها واستعملتها كأداة لإخماد الصراع الطبقي وللتآمر على نضالات العمال والشعب ونذكر هنا الدور الذي لعبه الاتحاد في بداية انتفاضة الحوض المنجمي والوفود التي أرسلها لثني أهالي سيدي بوزيد عن الاحتجاج إثر استشهاد البوعزيزي.
2 – أزمة جدّيّة بإخراج مغاير
عديد المؤشرات توحي اليوم بأنّ الاتحاد مُقدم على أزمة جديدة تبدو من ملامحها الأولية أزمة أخطر من سابقاتها وأكثر تعقيدا. ففيها تختلط عناصر الهجوم من الخارج مع عوامل الاهتراء والهشاشة من الداخل. وما يدفع على الاعتقاد بخطورة الأزمة وتعقيدها هو في المقام الأول أنّ المنظومة الشعبوية لا تقبل بوجود منظمات نقابية ضمن رفضها لوجود أجسام وسيطة بشكل عام. ففي منظورها آن الأوان كي تحال الفكرة النقابية والاتحاد العام التونسي للشغل على أرشيف الماضي في متحف التاريخ. فتونس بصدد زمن جديد زمن التأسيس ومشروع البناء القاعدي. ومن هنا يأتي الفارق الجوهري بين الأزمات السابقة التي مر بها الاتحاد والأزمة الجديدة المرتقبة وهو أنّ السلطة في كلّ الأزمات السابقة لم يكن هدفها القضاء على الاتحاد وإنما فقط إلحاقه بأجهزة حكمها وإخضاعه لسلطتها وردع مساعيه للاستقلال عنها وبلغ بها الأمر حدّ الاستنجاد بالجيش مثلما حصل في 26 جانفي 78. أمّا الهدف من وراء الأزمة الحالية فهو إلغاء الأجسام الوسيطة بما في ذلك اتحاد الشغل. فالمسألة هذه المرة تتعلق إذن بوجود المنظمة الشغيلة أصلا وليس باستقلاليتها أو تبعيّتها لنظام الحكم.

إنّ الرئيس قيس سعيد لم يُخف عزمه منذ صعوده إلى الرئاسة على المضيّ قدما في تنفيذ مشروعه خاصة بعد انقلاب 25 جويلية 2021. وهو الآن يشارف على استكمال إعادة هيكلة النظام السياسي وفق التصور الشعبوي الذي كان بشّر به من قبل. وحان الوقت الآن للبدء في "البناء القاعدي" والشركات الأهلية التي ستَحُلّ محلّ الأجسام الوسيطة، أحزابا ومنظمات وجمعيات مدنيّة. وهناك العديد من المؤشرات على انطلاق هذا المنعرج، منها الإعداد لمراجعة المرسوم الخاص بالجمعيات والهجمة على اتحاد الشغل والتحرشات بالأحزاب السياسية في أشكال متنوعة وكثيرة.

لكن ورغم أهمية الخطوات التي قطعها قيس سعيد في مضمار تنفيذ مشروعه فإنّ مهمّة اجتثاث الأحزاب السياسية وتفكيك المنظمات الكبرى وخاصة اتحاد الشغل والقضاء المبرم على الجمعيات ومكونات المجتمع المدني ليست بالأمر اليسير. فالاتحاد يحتلّ مكانة مرموقة في الوجدان الشعبي لا يمكن زعزعتها بسهولة ومن غير الوارد أن يقع شلّ هياكله وتعطيل نشاطه أو إخضاع قياداته وإطاراته فقط بالاعتماد على حملة "مقاومة الفساد". هناك الكثير من العقبات ستقف في وجه اي هجوم على الاتحاد وستحم عليه بالفشل المحتوم. ولا أخال ذلك خافيا عن الرئيس قيس سعيد فالأكيد أنه درك جيّد الإدراك هذه الحقيقة ولا ادل على ذلك من الأسلوب الحذر والمتدرج والتكتيك التضليلي الذي انكشفت ملامحه في الهجوم الجاري الآن على الاتحاد عبر وكلاء من داخله.

تخضع خطة الهجوم على اتحاد الشغل في مجملها إلى قاعدة "يبقى الاتّحاد إلى أن يندثر وحده". وتمتدّ هذه الخطّة على مرحلتين كبيرتين، مرحلة الإرباك والتهرئة حتى "يندثر الاتحاد وحده" ثم وعند الاقتضاء مرحلة ثانية يمكن تسميتها بـ"المرحلة القضائية". وتصبّ كلا المرحلتين في نفس الهدف. وسيقع خلال هذا المسار تهيئة الرأي العام تدريجيا لاستيعاب فكرة ضرب الاتحاد وتحييده عن الحياة السياسية والاجتماعية بالاعتماد على حملة دعائية ماكرة ومضلّلة.

لقد بدأت هذه المرحلة منذ مدة، ويمكن القول إنها انطلقت منذ أنّ شن قيس سعيد هجومه على دعوة الاتحاد لجولة جديدة من "الحوار الوطني" وأطلق تهجّماته على ما أسماه الاتحاد "الخط الثالث" و"خارطة الطريق" التي اقترحها للخروج من الأزمة. ولئن مازالت الحملة في بدايتها فإنها كشفت عن ملامح مخطط الإرباك الذي وقع المزج فيه بين التضييق من الخارج وإثارة القلاقل من الداخل.

في هذا الإطار صدرت سلسلة من المناشير خاصة المنشور 20 (9 ديسمبر 2021) والمنشور عدد 21 (4 نوفمبر 2022) واستُقبِل إسماعيل السحباني لأوّل مرة من قبل رئيسة الحكومة بودن بداية شهر جانفي 2023، وتمّ التلويح أكثر من مرة بمراجعة "الخصم المالي" لتجفيف منابع تمويل الاتحاد والتضييق عليه. وإلى ذلك وجدت الحكومة في ملف التفرّغات فرصة ثمينة للتضييق على العديد من المسؤولين النقابيين مستغلة في ذلك الفراغ القانوني أحيانا والغموض أحيانا أخرى. وتبعا لذلك دُعي العديد من المسؤولين النقابيين إلى استئناف عملهم بمؤسساتهم ولم تتوان سلط الإشراف عن اتخاذ إجراءات تعسّفية في حق البعض منهم بخصم أجورهم لفترات متفاوتة. من جانب آخر وقع تجاهل عديد الاتفاقيات المبرمة، قطاعية وجهوية وعامة، كتمهيد لتعطيل كلّ ما هو تفاوض وخاصة فيما يتعلق بالمطالب ذات المردود المالي عملا بتوجيهات المنشورين 20 و21 المشار إليهما. وفي باب التراجعات في حق التفاوض والحوار، أصبح الطرف الإداري يملي شروطه في تركيبة الوفد النقابي لجلسات التفاوض كمدخل لإلغاء تقاليد الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية. ويجري الحديث اليوم عن انسداد باب الاتصال والتواصل في وجه هياكل قطاعية وجهوية وأعضاء من القيادة المركزية مع عديد الوزارات والمؤسسات العمومية وفي القطاع الخاص.

هذه جملة من المقدمات الجاري إرساؤها كتقاليد جديدة في العلاقات بين المنظمة النقابية و"الإدارة" بمفهومها الواسع (وظيفة عمومية أو قطاع عام أو قطاع خاص). وتتظافر هذه المقدمات مع سلسلة أخرى من الأعمال التعسفية التي يُراد منها ردع العمال والنقابيين عن أيّ شكل من أشكال النضال دفاعا عن مطالبهم أو احتجاجا على ما يلحقهم من تعسف واعتداءات. في هذا الصدد نذكر محاكمات النقابيين في قطاع النقل وشركة الطرق السيارة وفي صفاقس وباجة والقصرين. وإلى ذلك قرارات خصم الأجر بسبب شكل نضالي توخّاه المعلمون (حجب الأعداد) وهو إجراء تعسّفي لا يستند إلى سند قانوني. وعلى غرار ذلك اتُّخِذت قرارات بخصم الأجر بعنوان "غياب غير شرعي" في حق نقابيين متفرغين تمّ إنهاء تفرغهم من جانب واحد وأحيانا دون علمهم.

وفي إطار خطة الإرباك أيضا يقع من حين لآخر انتقاء حالات تتعلق بإطارات نقابية وسطى تحت عنوان محاربة الفساد المالي والإداري وفتح قضايا عدلية ضدّهم. وهي عمليات انتقائية ومحدودة الغاية منها بعث رسائل في اتجاهات متعددة. أهم هذه الرسائل بثّ روح الشك والخوف وزعزعة الصفوف النقابية ودفع المنظمة ككل إلى مواقع دفاعية خائفة.

إنّ الحالات التي تمّ انتقاؤها إلى حدّ الآن تحمل دلالات خاصة، وتضطلع كلّ حالة بوظيفة في خطة الترويع وزرع الارتباك. وتتمثل دلالة عملية إيقاف الكاتب العام للاتحاد الجهوي بصفاقس في التجاسر على استهداف صفاقس جهة التأسيس الرمزية التي كانت على الدوام تلعب الدور الطليعي في الغالبية العظمى من المنعرجات التي عرفتها الحركة النقابية في تونس. فالمراد بهذه العملية هو بعث رسالة مفادها أنّ الجهة التي يُعتدّ بها عادة في المعارك الكبرى ضدّ السلطة (26 جانفي و12 جانفي 2011 الخ...) هي اليوم أول المستهدفين ولا تقوى على القيام بأيّ شيء في وجه الهجوم عليها. فكانت البداية من جهة صفاقس لجسّ النبض وقيس حجم الردّ والاستتباعات.

ومن المنتظر أن يتواصل مسلسل إثارة قضايا عدلية ضدّ نقابيين آخرين كلّما توفرت معطيات متأكدة (من وجهة نظر السلطة) بغاية وضع رقاب الكثير من النقابيين تحت هذا السيف المسلّط. والواضح أنّ "حصة صيد" دقيقة قد انطلقت ويا ويح من يقع في الفخ. ويُعوَّل في هذا الباب على وجود ملفات فساد كثيرة تتعلق بالعديد من المسؤولين النقابيين في كل مستويات المسؤولية وهي حقيقة لا يمكن نكرانها. وستستغلّ السلطة هذا الجانب أيّما استغلال بدعوى "محاربة الفساد" وتطبيقا لشعار "القانون فوق الجميع". ولكن في العمق بغاية تفكيك الاتحاد والتخلّص منه للأسباب التي أتينا عليها من جهة ومن جهة ثانية لتمرير خطة "الإصلاحات الكبرى" الليبرالية الجديدة وسياسات التقشف.

وبالتوازي مع هذه التضييقات انطلقت عملية المناوشات من الداخل بغاية تشتيت الجهود والإنهاك. ولم يعد خافيا على أحد أنّ سيل البيانات الصادرة يندرج ضمن هذا التكتيك وبهذا القصد. ولكن السؤال الذي ينبغي الإجابة عنه أيضا هو هل أنّ كل الاحتجاجات النقابية بإيعاز من السلطة ومنخرطة في مخططها؟ وما مسؤولية قيادة الاتحاد في المشاكل المثيرة للاحتجاج و"التشويش"؟

3 – القيادة النّقابيّة ومسؤولية الأمس واليوم

ينبغي أن نعترف جميعا أنّ الاتحاد يمرّ بأزمة. وقد ذهبت أغلب التدخلات في المكتب التنفيذي الموسع الأخير (13 – 14 فيفري 2024) إلى الاعتراف بأنّ الاتحاد يمرّ بأزمة مزدوجة داخلية وخارجية. وهي حقيقة جارية على لسان كل النقابيين دون استثناء باختلاف القراءات والتحاليل. لكن يكاد يتفق الجميع على أنّ لهذه الأزمة وجه داخلي يتعلق بتسيير الهياكل وبعلاقة الهياكل بالقواعد أو ما يمكن وضعه تحت عنوان الديمقراطية الداخلية.
إنّ مسألة الديمقراطية داخل الاتحاد مطروحة من زمان وتشكّل ضلعا من ثلاثة أضلاع كبرى في الأرضية التي طوّرتها الحركة النقابية منذ 26 جانفي 78 (الاستقلالية والديمقراطية والنضالية). وقد جرت بصددها معارك داخلية كثيرة في الثمانينات في علاقة بحملة التجريد وفي التسعينات في علاقة بتغوّل النهج البيروقراطي لإسماعيل السحباني الذي أفضى فيما أفضى إلى مؤتمر جربة الاستثنائي.
لقد تعاقبت أجيال كثيرة في مسار النضال من أجل تحرير الحياة النقابية الداخلية من ربقة البيروقراطية النقابية التي تمثل خاصية من خاصيات تجربة الاتحاد العام التونسي للشغل. والبيروقراطية ليست شتيمة تُطلق على القيادة النقابية إنما هي توصيف نقابي وسياسي لطبيعة الأسلوب المعتمد في تسيير الاتحاد الذي رزح طوال حياته تحت نمط مركزة مشطّة تُعطي للقيادة التنفيذية صلاحيات شبه مطلقة وتُخضع الهياكل التمثيلية المنتخبة لمشيئتها ومشيئة الأمين العام وتغيّب الهياكل القطاعية والجهوية والقواعد العمالية التي تستعمل في معارك التسخين والتبريد حطب معارك وفق ما تقتضيه مصالح القيادة وعلاقة الوئام أو الصراع مع السلطة.
وقد ساد هذا النمط من التسيير طوال تجربة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الآن وكثيرا ما لجأت القيادة، من أجل تثبيته وترسيخه، إلى كل أشكال التعسف باستعمال لجنة النظام الداخلي وحملات التجريد وتجميد الهياكل وتزييف القرارات وتدليس المؤتمرات أو المماطلة في عقد مؤتمراتها وعدم السماح للقطاعات أو الجهات بعقد هيئاتها الإدارية وعدم عقد المجلس الوطني في آجاله علاوة على أشكال الترغيب وشراء الذمم وصناعة الأتباع والزبائن. وفي السنوات الأخيرة ولئن تراجعت هذه المظاهر بعض الشيء فإنّ عقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي وتنقيح الفصل 20 من النظام الداخلي لإلغاء أهم إصلاح ديمقراطي عرفه الاتحاد خطأ فادح هو بمثابة جرم في حقّ الاتحاد ومكاسبه الديمقراطية.
لقد سعى الكثير من النقابيين إلى ثني القيادة عن الإقدام على هذا القرار الخطير ولكنها وللأسف أصرّت عليه واختارت المرور بقوة وفرض الأمر الواقع غير عابئة بما يمكن أن ينجرّ عن ذلك من تصدعات في الجبهة الداخلية. وها هي اليوم تجني ثمرة تعنتها. صحيح أن ما نراه اليوم من احتجاجات وردود أفعال مناوئة للقيادة وللاتحاد ككل يأتي بعضها في سياق مخطط مدروس هدفه القضاء على المنظمة واندثارها لكن لا ينبغي أن ننكر أن بعضها الاخر منطلقاته نقابية بحتة ودوافعه مشروعة.
إنّ قيادة الاتحاد بحكم موقعها وبالنظر للمسؤولية التي تتحملها في "ضعضعة" الجبهة النقابية الداخلية مطالبة بلعب الدور الاكبر في معالجة الوضع وإيجاد السّبل الكفيلة بترميم الجبهة الداخلية وتوحيد الصف النقابي كشرط لا محيد عنه لمحاصرة أعمال التخريب التي يتولاّها البعض نيابة عن السلطة ولصد أي هجوم خارجي. إن التردد في الاضطلاع بهذا الدور على وجه السرعة وبالشكل الذي تقتضيه الأوضاع في ضوء التطورات الأخيرة هو في نهاية المطاف تواطؤ مع مخطط التخريب وبرنامج الشعبوية الذي يتأكد يوما بعد يوم.
تمر عملية ترميم وحدة الصف النقابي داخليا عبر فتح حوار وطني صلب المنظمة، في شكل ندوات إطارات جهوية ومجالس وطنية قطاعية تكلّل بمجلس وطني يُفتح فيه المجال للنقابيين بشتى توجهاتهم ومشاربهم لنقاش أوضاع منظمتهم وتدارس سبل معالجة نقائصها ونقاط ضعفها على أن تتقدم القيادة بنقدها الذاتي في أخطائها وأن تلتزم بتجاوزها وأن تتعهد ضمن هذه الالتزامات (توصية من المجلس الوطني) بالعودة إلى الفصل 20 من النظام الداخلي القديم في أول مؤتمر وطني للاتحاد.
وإلى جانب ذلك توضع خطة لتسوية الإخلالات بالقانون وبالسّير العادي لهياكل الاتحاد مثل وضع رزنامة لمؤتمرات الهياكل التي فات أجلها واعتماد ميثاق شرف في احترام قواعد المساواة بين النقابيين في الترشح وفي تحمّل المسؤوليات وتوزيع النيابات وفي نبذ عقلية الزبونية والولاءات وما إلى ذلك من الجوانب النقابية الداخلية التي بشأنها جدل وصراع.
فلا سبيل إلى سحب البساط من تحت أقدام أذناب السلطة وأدواتها إلا بتشريك أبناء الاتحاد، مسؤولين وإطارات وقواعد في معالجة قضايا المنظمة بشكل مبدئي وفي نطاق الوضوح والشفافية. ولا ضمانة حقيقية في تمتين وحدة الصف النقابي وصلابته في وجه كلّ مشاريع الاختراق والتخريب إلا بتوسيع فضاء الديمقراطية الداخلية وتعزيزها، أمّا التعويل على لجنة النظام وعلى العقوبات والاشكال فهو يقدّم خدمة جليلة لمساعي لأعداء الاتحاد ويوفر لهم ذرائع إضافية للظهور بمظهر ضحايا التعسف ويعطيهم الفرصة لتحقيق بطولات مجانية.
إنّ العودة إلى تشريك القواعد العمالية لمناقشة أوضاعهم المادية والمهنية والمعنوية وتمكينهم من التعبير الحر عن مشاغلهم وفسح المجال أمامهم لصياغة لوائحهم المطلبية ورسم خطط النضال من أجلها أكثر من ضرورة كي يستعيد العمل النقابي زخمه الجماهيري ووهجه الكفاحي.
وعلى صعيد أخر من مصلحة الاتحاد أن يتباين في الوضوح مع قضايا الفساد التي تركبها السلطة للتشكيك في نزاهة النقابيين وللمسّ من مصداقيتهم. فلا مجال للتضامن مع من تورط فعلا في ملف فساد من أيّ نوع كان، مالي أو مهني أو غيره، ولا مجال أن يتحمل الاتحاد وزر مسؤولية ليست مسؤوليته فالتضامن النقابي براء من الفساد والفاسدين.
أخيرا لا خلاص للاتحاد العام التونسي للشغل من كل المخاطر التي يمكن ان تتهدده إلاّ بانحيازه إلى قضايا الشعب المادية والمعنوية، فبقدر ما هو مطالب بتحمّل مسؤوليته في الدفاع عن المقدرة الشرائية وظروف العمل وعموم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فإنه مطالب بأن يبقى نصيرا ثابتا للديمقراطية وللحريات العامة والفردية ومدافعا قويا عن الكرامة الوطنية وعن سيادة الوطن.
إن مسؤولية المكتب التنفيذي الوطني في هذا الظرف بالذات مسؤولية تاريخية جسيمة. فإما أن يتحلى بالشجاعة الكافية ليلعب دوره في قيادة خطة نقابية من أجل حماية الاتحاد من مخاطر التخريب والتصفية وإما أن يسقط في منطق الحسابات المبتذلة ويتخلى عن مسؤوليته فتلحق به لعنة التاريخ الى الابد.
إنّ مصير المنظمة بيد أبنائها فإن شاؤوا وضعوا أسس مستقبلها الرغيد وإن أبوا فسحوا المجال لأعدائها وأعداء العمل النقابي والشغالين كي يفلحوا في هدم معلم تاريخي عملاق اسمه الاتحاد العام التونسي للشغل.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World