بطولة أحد آباء المسرح العراقي

عبدالله عطية شناوة
Abdllah.a.shnawa@gmail.com

2024 / 2 / 24

جعفر السعدي فنان رائد، واحد من عمالقة الفن في العراق، رافق المسيرة الفنية العراقية منذ بداياتها المتواضعة حتى نضجها الذي جهدت كل الدكتاتوريات المتعاقبة على البلد على كبحه وتعطيله.
بدأ جعفر السعدي مسرحيا، لكنه كان أيضا من رواد السينما، حيث مثل في أول فلم عراقي خالص هو فيلم ((عليا وعصام)) الذي عرض عام 1948. والى جانب مساهمته في تخريج أجيال من الفنانين العراقيين من معهد وأكاديمية الفنون الجميلة، لم يتوقف عن العمل المسرحي والسينمائي والتلفزيوني.
وسجل جعفر السعدي أسمه بأحرف من نور في موقف بطولي دفاعا عن أبنائه الفنانين، ففي عام 1987 كان السعدي يرأس فرقة المسرح الشعبي غير التابعة للدولة، واختارت الفرقة أن تقدم عملا مسرحيا تجريبا، على هامش مهرجان المسرحي العربي المقام في بغداد ذلك العام، كان العمل بعنوان ((ترنيمة الكرسي الهزاز))، ويمكن تلخيصه بانه حوار شعري مطول بين بطلتيه، اللتين كانتا تنتظران أحبتهما الغائبين.
المسرحية التي أخرجها عوني كرومي، وكتب نصها فاروق محمد، وكتب أشعارها عريان السيد خلف قدمت على خلفية ما كان يعيشة المجتمع العراقي من كوارث الدكتاتورية وحرب الثمان سنوات، حيث كانت كل أسرة عراقية تفتقد غائيا، أما قتيل في زنازين التعذيب أو جبهات القتال، أو سجين، أو مفقود في الحرب، أو معارض أحتفى أو أخفي قسرا، أو أضطر الى مغادرة الوطن المنفى، تخلصا من مطاردة لا ترحم، أو جندي رافض للحرب كرها لها وعدم قناعة بها وبأسبابها، أو ببساطة لأنه غير مهيئ لسفك دمه أو دماء الآخرين.
المسرحية حظيت بنجاح فاق النجاح الذي سجلته مشاركة الفرقة الرسمية في المهرجان العربي. أمر أثار حفيظة السلطات الأمنية قبل السلطات الثقافية، ووجهت حينها مذكرة استدعاء لمخرجها عوني كرومي، ومعروف مدى الرعب الذي تثيره مثل تلك الإستدعاءات، هنا قام الأب جعفر السعدي بدوره البطولي، فأخد المذكرة وتوجه هو شخصيا الى الجهاز الأمني بدلا من عوني كرومي. حيث قال للمحققين: أنا رئيس فرقة المسرح الشعبي وصاحب المسؤولية الكاملة عن كل أعمالها، ولا أحد سواي يتحمل أية مسؤولية، عن أي عمل تنتجه. وبذلك جنب كرومي وكل طاقم العمل أية مخاطر في حينها.
لكن العداء المكين بين الدكتاتورية والحريات العامة، وحرية الفن على نحو خاص، كان أعتى من أن يمكن أباء الفن من توفير الأمن لأبنائهم الفنانين الى ما لا نهاية، وأضطر عوني كرومي في النهاية الى اللجوء للمنفى.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World