يورغن كلوب ملهم ورؤيوي

كرم نعمة
karam@alarab.co.uk

2024 / 2 / 19

لا يكتفي مدرب فريق ليفربول يورغن كلوب بالحس التكتيكي في إدارة فريق بكرة قدم، بل إن الرجل الذي صار حديث وسائل الإعلام المترقبة قبل اقتراب نهاية مشواره مع النادي الإنجليزي بعد بضعة أشهر، يمتلك حسا مسرحيا دراميا، فأسلوبه الهادئ في التعبير عن نفسه وعن فريقه في المؤتمرات الصحفية والجامح في الميدان جعل منه رؤيويا وملهما، ليس في صناعة فلسفة كروية جديدة فحسب، بل إنه صار مثالا سياسيا يقتدى به!
فبعد الانتصار الذي صنعه ليفربول، عندما هزم برشلونة الإسباني بأربعة أهداف في الدور قبل النهائي لدوري أبطال أوروبا 2019، نصح رئيس حزب العمال المعارض آنذاك جيريمي كوربين، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، بالتعلم من درس الانتصار الذي صنعه ليفربول. ولم تجد ماي نصيحة خصمها السياسي غير مثالية، فاقترحت عليه نفس النصيحة على اعتبار أن الدرس الذي قدمه كلوب وكتيبته الكروية يساعد زعيم حزب العمال على تحسين أدائه السياسي.
يعرف كلوب أن كرة القدم ليست أهم شيء في الحياة، لكنها شغفه، ويعبّر عن آمله في أن يتطلع إليها الناس مثله. فالعمل الجاد والشعور بالمتعة في كرة القدم مرتبطان عنده ببعضهما.
وحسب تعبير بول ويلسون، المحرر الرياضي في صحيفة الغارديان، “الشيء الواضح للجميع هو أن كلوب قادر على تحويل الفرق التي يتولى تدريبها إلى آلة لا تتوقف عن الدوران وتحقيق الفوز”، لكن ما الذي ينتظر ليفربول بعد مغادرة كلوب له نهاية الموسم الحالي؟
طالما عبر بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي المنافس الأشرس لليفربول، عن احترامه الشديد لبراعة كلوب، لكنه بمجرد سماع مغادرته النادي، لم يخف سعادته وقال إنه سيقضي ليلته بنوم هانئ قبل اللعب مع ليفربول من دون كلوب.
تلك المميزات المتفردة جعلت من كلوب يرى في الحل الإنساني طريقا صائبا لتحفيز اللاعبين، فعندما أخرج محمد صلاح في مباراة الجولة الافتتاحية لهذا الموسم مع مستضيفه تشيلسي، لأنه لم يقدم أي جهد مفيد للفريق، عبّر صلاح بطريقة تفتقر للكياسة والتهذيب عن غضبه قبل أن يغادر الخط، ومع أن كل العيون والكاميرات كانت عليه، إلا أن كلوب عامل المشهد باللامبالاة وتجاهل غضب صلاح من أجل إصلاحه وليس تدميره. هذه أيضا موهبة في رياضة دائما ما تتسم بالتوتر والقسوة، وتخبرك أيضا ما تحتاج معرفته عن هذا المدرب.
لقد تولى كلوب قيادة ليفربول عام 2015 والفريق في حالة سيئة وقاده إلى الحصول على البطولات والألقاب الممكنة وجعله أحد أندية القمة مرة أخرى.
نقل كلوب الطريقة التي تعتمد على الضغط المتواصل على المنافس إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، وفق المعلق الرياضي جوناثان ليو، ثم طورها لتناسب كرة القدم الحديثة سريعة التطور.
وكتب “تطور الفريق تحت قيادة كلوب بمرور الوقت ليصبح أكثر تحكما في وتيرة ورتم المباريات، وأكثر استحواذا على الكرة، وأكثر تعقيدا، وأقل فوضوية واعتمادا على الهجمات المرتدة السريعة”.
لقد أمتعنا هذا المدرب وفريقه بكرة قدم مثيرة، وبعض من أفضل مباريات كرة القدم في تاريخ الملاعب الإنجليزية. لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي سيتم بها تذكر كلوب بعد رحيله عن ليفربول.
فعندما اندلعت مشادة كلامية بين داروين نونيز مهاجم ليفربول، وغوارديولا مدرب مانشستر سيتي بعد التعادل في المباراة. لم يسمح كلوب بمزيد من الكلام من مهاجمه بحق المدرب المنافس حد أن أغلق فم نونيز بيده، مع أنه لم يفهم أي كلمة من اللاعب الذي كان يتكلم بالإسبانية.
إذا كان الإنجليز جعلوا من مدرب منتخبهم الوطني غاريث ساوثغيت الأكثر أهمية اليوم من تاريخ رئيس الوزراء الأسبق ونستون تشرشل، فإن مدينة ليفربول وجمهور هذا النادي الموزع في كل دول العالم يتساءلون عن مصير فريقهم بعد رحيل الألماني كلوب؟



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World