هل لنتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في تايوان مستجدات جيوسياسية ... ؟

آدم الحسن
ifari8686@yahoo.com

2024 / 1 / 15

تنافسَ في الانتخابات الرئاسية في تايوان التي جرت في 13 كانون الثاني الحالي ثلاثة مرشحين :
الأول : مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم و هو نائب رئيسة تايوان الحالية , تأسس هذا الحزب بدعم غربي بشكل عام و امريكي بشكل خاص سنة 1986 , و بذلك تخلت امريكا عن حليفها التاريخي حزب الكومنتانغ الذي دعمته في صراعه على السلطة مع الحزب الشيوعي الصيني قبل الحرب العالمية الثانية و بعدها .
الركن الأساسي في برنامج هذا الحزب هو العمل في شتى الاتجاهات لتحقيق انفصال تايوان عن الصين بشكل كامل و تأسيس دولة تايوان المستقلة ذات السيادة الكاملة المعترف بها دوليا .
الثاني : مرشح المعارضة عن حزب الكومنتانغ و هو المحافظ الحالي للعاصمة التايوانية تايبيه , هذا الحزب هو اقدم الأحزاب السياسية في تايوان حيث يعود تاريخ تأسيسه الى اكثر من مئة سنة .
حزب الكومنتانغ هو حزب قومي صيني يؤمن بصين واحدة و يسعى لتحقيق هذا الهدف , لكنه يعمل على جعل الصين الموحدة ليبرالية غير خاضعة للحزب الشيوعي الصيني و بالرغم من رفضه للنظام الشيوعي يعتبر من بين الأحزاب التايوانية القريبة لنظام الحكم في الصين و ذلك لتمسكه بمبدأ الصين الواحدة .
الثالث : مرشح المعارضة عن حزب الشعب , تأسس هذا الحزب سنة 2019 , لذا فهو حزب حديث و تجربة السياسية قصيرة , فعمره لا يتجاوز الخمسة سنوات و رغم قصر عمره إلا ان شعبيته تصاعدت بشكل سريع و كبير على حساب الحزبين الرئيسيين الأخرين حيث جمع هذا الحزب بين الحداثة و الأصالة الصينية .
يعمل الحزبان المعارضان , حزب الكومنتانغ و حزب الشعب , على إعطاء فرصة زمنية كافية للوصول الى حل سلمي نهائي لإشكالية استقلالية تايوان و عودتها الى السيادة الصينية حيث تعود جذور هذه المشكلة الى سنة 1949 تلك السنة التي تأسست فيها جمهورية الصين الشعبية يحكمها الحزب الشيوعي الصيني في البر الصيني و جمهورية في تايوان يحكمها حزب الكومنتانغ , بالإضافة الى ذلك يرفض هذان الحزبان المعارضان سياسة استفزاز الصين التي ينتهجها الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم لأبعاد شبح الحرب بين طرفي الأمة الصينية , جزيرة تايوان و البر الصيني .
لقد كانت نتائج هذه الانتخابات كالتي :
اولا : الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم في المرتبة الأولى حيث حصل على حوالي 40% من اصوات الناخبين , هذه النسبة مكنته لحكم تايوان للسنوات الأربعة القادمة رغم انها اقل من الأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين .
في الانتخابات السابقة سنة 2020 حصل هذا الحزب الذي يدعو لاستقلال تايوان على حوالي 57% من اصوات الناخبين و هذا دليل قاطع على تراجع عدد المؤيدين لانفصال جزيرة تايوان عن البر الصيني , و إذا اخذنا نسبة المشاركة في انتخابات 2020 التي بلغت حوالي 75% سنجد أن نسبة المؤدين للانفصال كانت في تلك السنة بحدود 42% , أما في انتخابات 2024 و بأخذ نسبة المشاركة فيها التي بلغت حوالي 70% فأن نسبة المؤدين للحزب الديمقراطي التقدمي الذي يدعو لانفصل تايوان عن الصين قد تراجعت الى حدود 28% , لا شك أن مؤشر تراجع التأييد لاستقلال تايوان ( من 42% الى 28% ) يقلق الإدارة الأمريكية كثيرا .
ثانيا : استحوذ الحزبان المعارضان , حزب الكومنتانغ و حزب الشعب على حوالي 60% من اصوات الناخبين , حيث حصل حزب الكومنتانغ على حوالي 33% و حزب الشعب على حوالي 27% , لو أن الاتفاق بين الحزبين المعارضين على دخول الانتخابات بمرشح واحد كان قد تحقق لكان فوز مرشح المعارضة امرا شبه اكيد , إلا أن فشل المعارضة في الاتفاق على مرشح واحد و برنامج انتخابي واحد هو الذي مكن مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي البقاء في السلطة لأربع سنوات أخرى .
يعود عدم توصل الحزبان المعارضين لاتفاق حول مرشح واحد للرئاسة للأسباب التالية :
اولا : تمسك حزب الكومنتانغ بأن يكون هو قائد تكتل المعارضة لأنه يرى نفسه الطرف الأهم في المعادلة السياسية في تايوان و أنه يمثل تاريخ تايوان السياسي فهو المؤسس الفعلي لجمهورية الصين الوطنية في تايوان , هذا التمسك جعله يرفض أن يكون تحت قيادة حزب حديث التكوين و التجربة كحزب الشعب .
ثانيا : الامر المشترك الذي يربط حزب الشعب بحزب الكومنتانغ هو رفضهما لمحاولات الحزب الديمقراطي التقدمي في الانفصال عن البر الصيني و لأن مسألة الانفصال أو الاتحاد مع البر الصين هو أمر من غير المتوقع حصوله في المستقبل المنظور لذا وجد حزب الشعب أن انضوائه تحت قيادة حزب الكومنتانغ لا يحقق أي مكسب له أو لجمهوره فحزب الكومنتانغ هو حزب يرعى مصالح الشركات التايوانية الكبرى بعكس حزب الشعب الذي يمثل مصالح الطبقة الوسطى التي تتسع يوما بعد يوم , فحزب الشعب يشبه في برامجه الى حد ما الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية .
من المؤكد أن هذه الانتخابات قد اكتسبت اهمية كبيرة في تحليلات المراقبين للشأن السياسي الدولي لما لها من تأثير على مجمل العلاقات الدولية و خصوصا على عموم دول الشرق الأقصى , و رغم أن الصين اعتبرت أن الخيار في الانتخابات التايوانية هو خيار بين الحرب و السلم إلا ان هذا الطرح الصيني هو لأغراض اعلامية فقط و ليس له أي تأثير حقيقي على علاقة الصين بتايوان , فالصين لا تنوى اطلاقا استعادة جزيرة تايوان بسكانها الذي بلغ عددهم اكثر من 23 مليون بالقوة فهذا الأمر ليس مستبعد فقط بل هو أقرب الى درجة استحالة حدوثة , فالصين تدرك جيدا أن الزمن يجري لصالحها و أن شعب تايوان سيجد مع مرور الزمن أن معيشته و حياته ستكون افضل عندما تصبح تايوان ضمن السيادة الصينية عندها سيختار العودة الطوعية الى الوطن الأم الصين وفق مبدأ نظامان في دولة واحدة .
إن مؤشر تراجع تأييد التايوانيين لاستقلال تايوان عن الصين من 42% في سنة 2020 الى 28% في سنة 2024 هو وراء ادعاء الحكومة الصينية من أن الحزب الذي يدعو للانفصال الذي فاز في الانتخابات لا يمثل الرأي العام في تايوان .
لذا فأن الجواب الموضوعي للسؤال " إن كان لنتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في تايوان مستجدات جيوسياسية " : هو أن ليس هنالك تغيرات مهمة في هذا الصدد و السبب يعود لوجود مشتركات اساسية في التوجهات السياسية للأحزاب المتنافسة الثلاثة اهمها :
اولا : تعمل الأحزاب السياسية الثلاثة على تعميق و تطوير التعاون الاقتصادي و التبادل التجاري بين جزيرة تايوان و البر الصيني حيث أن الصين حاليا هي الشريك التجاري الأول لتايوان إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما نصف حجم التبادل التجاري الإجمالي لتايوان مع جميع دول العالم , أي للصين وحدها اكثر من نصف التجارة الخارجية لتايوان ...!
ثانيا : ترسيخ النظام الديمقراطي السائد حاليا في تايوان و الذي يعتمد الفهم الغربي للديمقراطية و المتمثل في التنافس بين أحزاب سياسية لغرض مسك السلطة بعكس النظام في جمهورية الصين الشعبية الذي يعتمد على الديمقراطية الشعبية .
ثالثا : أدامة و تطوير العلاقة التجارية و الاقتصادية مع امريكا و معسكرها الغربي رغم ادراك هذه الأحزاب الثلاثة أن العلاقة التجارية و الاقتصادية مع الصين هي الأهم و الأكثر حيوية بالنسبة لتايوان .
لم تكن الانتخابات التي جرت في تايوان هي لاختيار رئيس لتايوان فحسب و انما كانت انتخابات تشريعية لاختيار اعضاء البرلمان التايواني ايضا , في هذه الانتخابات حصلت المعارضة على الأغلبية في البرلمان , و بالتالي سيتعذر على الرئيس التايواني الجديد و حكومته تمرير برنامجهم الحكومي أو اصدار القوانين و المصادقة على الميزانية العامة و خصوصا الفصل الخاص بميزانية الدفاع دون موافقة المعارضة , لذا ستكون هنالك عقبات عديدة في الطريق الذي سيسلكه الرئيس التايواني في الاربعة سنوات القادمة , فالإمكانيات المتاحة له ليس كما كانت في السنوات الثمانية الماضية حين سيطر الحزب الديمقراطي التقدمي على غالبية مريحة في البرلمان التايواني مكنته من منح رئيسة تايوان المنتهية ولاياتها و هي من نفس الحزب الداعي لانفصال تايوان دعما كافيا لتنفيذ حلقات برنامجها الانفصالي , أما في السنوات الاربعة القادمة فستكون علاقة أدارة جزيرة تايوان بحكومة البر الصيني اكثر واقعية .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World