انتفاضة يناير 1984: الدرس المتجدد..

حسن أحراث
hassanaharrath@yahoo.fr

2024 / 1 / 12

هل استفدنا حقا من دروس انتفاضة يناير 1984؟
الجواب عن السؤال المطروح واضح ولا يحتاج لأي مجهود لإثباته، ولا يحتاج حتى لإعلانه. لأن وضعنا الراهن هو الجواب، بل أكبر من الجواب. ونخجل من أنفسنا ونحن نطرح هذا السؤال الذي يعري ذواتنا المنهارة.
فقط ما يشفع لنا في طرح هذا السؤال وإعادة طرحه هو الصدق في تعاطينا مع قضية شعبنا. لأنه لا معنى لطرحه من باب الترف أو المزايدة، رغم أن الصدق وحده لا يكفي. وكما يقال إن طريق "النار" مفروشة بالورود.
ولن نجازف إذا قلنا إن الدروس المتكررة لجل الانتفاضات الشعبية كتعبير عن لحظات احتداد الصراع الطبقي هي الضعف الذاتي. فلم يحصل أن تفجرت انتفاضة ونحن أقدر على تأطيرها وتنظيمها، كما لم يحصل أن ساهمنا في "صنع" أي انتفاضة، باستثناء الفعل النضالي "الروتيني" على بعض المستويات وفي ظل تفاقم التردي الاقتصادي والاجتماعي. لا نقصد التبخيس، بل فقط الاعتراف بمحدودية أثر فعلنا النضالي وسط الجماهير الشعبية المنتفضة.
ورغم ذلك لا يمكن أن ننفي أن الوعي بهذا الإشكال، أي الضعف الذاتي، كان قائما منذ ستينات القرن الماضي، وبالضبط إثر الانتفاضة الشعبية في 23 مارس 1965. وميلاد الحركة الماركسية اللينينية المغربية سنة 1970 كان جوابا عن الفراغ التنظيمي أمام تخاذل القوى السياسية حينذاك، وخاصة حزبي التحرر والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي سابقا) والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ساهمت عوامل وأخرى بدون شك في بناء التجربة، لكن الوعي بأهمية الشرط الذاتي في إنجاح مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية فرض على المناضلين خاصة في صفوف الحزبين الاشتغال بقوة على الموضوع ودون تهميش الفعل النضالي على مختلف الجبهات.
كان من المفروض الاستفادة من دروس هذه التجربة التنظيمية الرائدة والتضحيات التي رافقتها رغم مآلها المؤسف، سواء أمام القمع الدموي للنظام القائم أو موجات الردة، وهذه الأخيرة كانت أكثر دمارا. أما القمع فمن طبيعة النظام اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي، ولا يمكن توقع غير القمع لإجهاض أي تجربة تنظيمية سواء الأمس أو اليوم أو غدا.
وهل من العبث الاستمرار حتى الآن في طرح نفس الأسئلة التي سبق الاشتغال عليها؟
إن طرح السؤال واجب نضالي، وأهم من طرح السؤال هنا كسؤال مكرور الاشتغال على بلورة الجواب المناسب أخذا بعين الاعتبار الأخطاء المرتكبة وكذلك التحولات الدولية.
لقد ساهمت مستجدات فترة الستينات من القرن الماضي في ميلاد الحركة الماركسية اللينينية المغربية، ومنها بالخصوص دينامية "اليسار الجديد" في مناطق عدة وانتصار المقاومة الفلسطينية وفشل البورجوازية الصغيرة والمتوسطة في قيادة مشروع التحرر الوطني (هزيمة 1967).
اليوم، هناك مستجدات وأخرى، وهناك عوامل كثيرة في صالح قيام تجربة تنظيمية جديدة ومتجددة، وخاصة امتلاك بعض الآليات التكنولوجية كوسائل التواصل الاجتماعي (تداول المعلومة والإخبار والفضح...)، علما أن هذه الأخيرة سيف ذو حدين؛ ويهمنا في الأمر الإعمال الذكي والإيجابي للتكنولوجيا ودون أن يكون ذلك بديلا عن التواصل المباشر والميداني المنظم والمنتظم.
ومن بين أشياء أخرى صار لا غبار عليها هو كون البناء المطلوب لابد أن يقوم على سواعد العمال بالدرجة الأولى، وتلك هي الحلقة المفقودة حتى الآن، حيث الرهان في معظم التجارب والمبادرات قائم على البورجوازية الصغيرة المتذبذبة والانتهازية.
عشنا ونعيش تجارب نضالية فاشلة كثيرة، إلا أنها بقدر ما ترهق كاهل المناضل في إعادة البناء والنهوض بقدر ما تصلبه وتجعله أكثر عمقا وحكمة وموضوعية في قراراته وخطواته النضالية. نعم، ليس سهلا إعادة بناء الثقة مع الجماهير الشعبية وحتى في صفوف المناضلين في ظل الانكسارات الحالية وموجات الارتداد على المستوى السياسي والنقابي والجمعوي، خاصة وأن الشعارات البراقة باتت تؤدي إلى عكسها، وفي صفوف دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ وأكثر خرقا الآن للديمقراطية هم المدافعون عنها بشراسة، سواء داخل إطاراتهم أو في علاقة الأمر بإطارات "منافسة" أو بمناضلين مبدئيين. لكن لا مستحيل أمام إرادة الشعوب ومناضليها..
نعلم أن التشبث بشعار بناء الذات المناضلة من موقع الجماهير الشعبية المضطهدة وخاصة الطبقة العاملة صار مزعجا بالنسبة للقوى السياسية المتخاذلة، لأن أي بناء سيكون على حسابها. لذلك لا تتردد في عزل المناضلين والتشويش على مشاريعهم، بل وتبخيسها، بما في ذلك تجنيد المريدين قصد التمييع وخلط الأوراق. وتتخندق إلى جانب النظام كلما حمي وطيس المعارك النضالية واشتدت نار المقاومة الشعبية.
كما يسهل الآن تناول كل المواضيع، خاصة عبر العالم الافتراضي. ويتم الإسهال في ترديد الشعارات وتنميقها. وحصل أن تم تجاوز الخطوط الحمراء قولا/كتابة وفعلا/ممارسة وتقديم الضريبة عن ذلك (الاعتقال والمحاكمات...). لكن تناول بناء الذات المناضلة في الزمن والمكان المناسبين وبالوتيرة المطلوبة ظل معلقا إلى حين. لا ننفي إرهاصات جادة بهذا الشأن (التيارات السياسية...) لكنها لم ترق بعد إلى مستوى توحيد الطاقات المناضلة المقتنعة بمشروع التغيير الجذري.
وكخلاصة، أو درس من دروس انتفاضة يناير 1984 وكافة الانتفاضات الشعبية لشعبنا، لا صُدقية لمن لا يشتغل ليل نهار على بناء حزب الطبقة العاملة. قد تتفرق السبل بالمناضلين حسب تقديراتهم السياسية وقراءاتهم للظرفية الحالية (التحليل الملموس للواقع الملموس)، لكن ليس لدرجة العدوانية في حق المناضلين والتضليل المدمر والاصطفاف إلى جانب النظام القائم أو القوى السياسية المتهالكة، ومن بينها القوى الظلامية.
وإن أخطر أشكال الإقصاء للتحالفات الممكنة وتكريسا للتشرذم الراهن هو خلط الأوراق ومعانقة الحابل والنابل. وكمثال ملموس عن ذلك إضفاء المشروعية على "المتناقضات"، أي جمع ما لا يجمع في صفوف الجبهات والتنسيقيات والائتلافات إلى جانب الترويج لبضائع كاسدة/بائرة ولأسماء متورطة حتى أخمص قدميها في وحل البؤس والتواطؤ مع النظام وأزلامه...



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World