هل ستحمل الانتخابات الرئاسية القادمة في تايوان مستجدات جيوسياسية ... ؟

آدم الحسن
ifari8686@yahoo.com

2023 / 12 / 8

ستجري الانتخابات الرئاسية القادمة في تايوان في 13 كانون الثاني المقبل , يتنافس في هذه الانتخابات على منصب رئاسة تايوان ثلاثة مرشحين :
** مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم حاليا و هو نائب رئيسة تايوان الحالية .
** مرشح المعارضة عن حزب الكومنتانغ و هو المحافظ الحالي للعاصمة تايبيه .
** مرشح المعارضة عن حزب الشعب .
اسئلة عديدة تُطْرح حول الانعكاسات التي ستنتج في حال فوز احد مرشحي المعارضة لمنصب رئاسة تايوان على توازن القوى الجيوسياسية الدولية و مستجداتها في الشرق الأقصى من العالم و بالأخص في منطقة بحر الصين الجنوبي و التي بدورها ستعيد رسم خارطة التوازنات الدولية في باقي مناطق العالم .
لقد اكتسبت هذه الانتخابات اهمية كبيرة في تحليلات المراقبين للشأن السياسي الدولي لما لها من تأثير على مجمل العلاقات الدولية و خصوصا على عموم الدول المطلة على بحر الصين الجنوبي , لأن خسارة مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم سيوجه ضربة جديدة لأمريكا و معسكرها و منعطفا مهما في العلاقة بين الصين و تايوان و سيمهد الطريق لمزيد من الخطوات نحو عودة تايوان التدريجية السلمية للسيادة الصينية .
لقد كانت هنالك محاولة لدخول الحزبين المعارضين الرئيسيين , حزب الكومنتانغ و حزب الشعب , الانتخابات بمرشح واحد للرئاسة إلا أن الحوار بينهما حول كيفية الاتفاق على مرشح توافقي لم تتكلل بالنجاح , فقد اختلف هذان الحزبان على من يكون المرشح لرئاسة تايوان و من هو مرشح نائب الرئيس , فكل منهما اراد أن يكون له المنصب الأول و يعطي منصب نائب الرئيس للحزب الآخر .
لو أن الاتفاق بين الحزبين المعارضين على دخول الانتخابات بمرشح واحد كان قد تحقق لكان فوز مرشح المعارضة امرا شبه اكيد , ألا أن فشل المعارضة في الاتفاق على مرشح واحد و برنامج انتخابي واحد زاد بعض الشيء من فرص فوز مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم حاليا .
لقد اعطت استطلاعات الرأي التي جرت خلال الفترة 19 – 21 تشرين الثاني الماضي النسب التالية لاحتمالية الفوز :
** لمرشح المعارضة عن حزب الشعب : 31.9 % و هو الأعلى في هذه الاستطلاعات .
** لمرشح الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم : 29.2%
** لمرشح المعارضة عن حزب الكومنتانغ : 23.6%
يبدو أن نتائج استطلاعات الرأي لم تقنع حزب الكومنتانغ و دفعه لقبول تولي حزب الشعب منصب الرئيس و حصوله على منصب نائب الرئيس , أو قد يكون الشعور بأنه هو الطرف الأهم في تاريخ تايوان السياسي باعتباره المؤسس الفعلي لجمهورية الصين الوطنية في تايوان هو السبب في عدم اتفاق الحزبين المعارضين على مرشح توافقي واحد .
هنالك مشتركات في التوجهات السياسية للأحزاب المتنافسة الثلاثة :
اولا : تعميق و تطوير التعاون الاقتصادي و التبادل التجاري بين جزيرة تايوان و البر الصيني حيث أن الصين حاليا هي الشريك التجاري الأول لتايوان إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما نصف حجم التبادل التجاري الإجمالي لتايوان مع جميع دول العالم , أي للصين وحدها اكثر من نصف التجارة الخارجية لتايوان ...!
ثانيا : الالتزام بأي عقوبات امريكية على الصين لمنع وصول المفاصل عالية التقدم في تكنولوجية رقائق السليكون الإلكترونية للماكنة الإنتاجية الصينية و هذا ليس انصياعا للإرادة الأمريكية و إنما بسبب الخشية من أن تتمكن الصين من دفع تايوان خارج السوق العالمية للرقائق الإلكترونية رغم أن مثل هذه العقوبات لم تعد ذات اهمية و جدوى بعد أن تمكنت الصين من تحقيق تقدم كبير في صناعة الرقائق الإلكترونية , هذا التقدم الذي اسقط كل المحاولات الأمريكية في اعاقة تطور الصين في هذا المجال الحيوي الذي اصبح مرتبط بجميع المجالات الصناعية الأخرى وصولا الى الذكاء الصناعي .
ثالثا : أدامة و تطوير العلاقة التجارية و الاقتصادية مع امريكا و معسكرها الغربي رغم ادراكهم جميعا بأن العلاقة التجارية و الاقتصادية مع الصين هي الأهم و الأكثر حيوية بالنسبة لتايوان .
أما نقاط الخلاف الرئيسية في البرامج السياسية للأحزاب الثلاثة المتنافسة هي :
اولا : الركن الأساسي في برنامج الحزب الديمقراطي التقدمي هو العمل في شتى الاتجاهات لتحقيق انفصال تايوان عن الصين بشكل كامل و تأسيس دولة تايوان المستقلة ذات السيادة الكاملة المعترف بها دوليا .
ثانيا : يعمل الحزبان المعارضان , حزب الكومنتانغ و حزب الشعب , على إعطاء فرصة زمنية كافية للوصول الى حل سلمي نهائي لإشكالية استقلالية تايوان و عودتها الى السيادة الصينية حيث تعود جذور هذه المشكلة الى اكثر من قرن .
ثالثا : يرفض الحزبان المعارضان سياسة استفزاز الصين التي انتهجها الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم لأبعاد شبح الحرب بين طرفي الأمة الصينية , جزيرة تايوان و البر الصيني .
رابعا : حزب الكومنتانغ هو حزب قومي صيني يؤمن بصين واحدة , لكنه يعمل على جعل الصين الموحدة ليبرالية غير خاضعة للحزب الشيوعي الصيني , لهذا الحزب خلاف مع الحزب الشيوعي الصيني عمره حوالي قرن حول نوع النظام الذي بجب أن يسود الصين و رغم ذلك يعتبر هذا الحزب من بين الأحزاب التايوانية الأقرب للحزب الشيوعي الصيني و ذلك لتمسكه بمبدأ الصين الواحدة .
خامسا : يرفض حزب الكومنتانغ مبدأ نظامين في دولة واحدة بالصيغة التي تقترحها و تدعو لها الصين , أما حزب الشعب فهو اقل تشددا في قبول أو رفض مبدأ الصين الواحدة و ما يهمه و يسعى له هو استقرار و تطور تايوان مع تعزيز علاقة تايوان بالصين في شتى المجالات كي يبعد جزيرة تايوان عن أي مواجهة محتملة مع البر الصيني .
لقد تلقى طرح حزب الشعب قبول كبير من قبل الجيل الجديد من مواطني تايوان و الذي له أثر واضح في زيادة فرصته للفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة .
ترى قيادة الحزب الشيوعي الصيني أن مبدأ نظامين في دول واحدة ممكن أن يحقق لشعب جزيرة تايوان كامل حقه في تقرير مصيره على ارضه ضمن سيادة الدولة الصينية حيث يمنح هذا المبدأ شعب تايوان الحق الكامل في اختيار نظامه الاقتصادي , نظام اشتراكي , نظام رأسمالي , أو نظام مختلط من النهج الاشتراكي و الرأسمالي فهذا الأمر يخصهم وحدهم دون أن يكون لحكومة بكين تأثير على خيارهم , و سيوفر مبدأ نظامان في دول واحدة الحق لشعب تايوان في اعتماد دستورهم الخاص بهم و نظامهم الانتخابي الذي يختارونه بأنفسهم و أحزابهم السياسية و لهم الحق في الاستقلال الاقتصادي الكامل عن الصين استقلال بكل اركانه إذ سيكون لهم نظامهم النقدي الخاص بهم و بنك مركزي مستقل عن الصين و عملتهم المحلية بالإضافة الى أن لهم حكومتهم المحلية التي ينتخبونها و شرطتهم المحلية التي تحقق لهم الأمان و الاستقرار على أن لا تكون هنالك حواجز جمركية بين تايوان و البر الصيني كي تكون حركة البضائع و الخدمات و الأشخاص بينهما حرة دون اية قيود و أن لا يكون لتايوان جيش و لا علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى إذ أن جزيرة تايوان حسب هذا المبدأ هي جزء من الدولة الصينية .
لقد نجحت تجربة نظامان في دولة واحدة التي تم تطبيقها منذ اكثر من ربع قرن في هونغ كونغ بعد أن تحقق استقلالها عن الاستعمار البريطاني و مكاو بعد أن تحقق استقلالها عن الاستعمار البرتغالي و تعمل قيادة الحزب الشيوعي الصيني و الدولة الصينية على تكرار هذه التجربة التي تعتبر ناجحة وفق كل المقاييس مع تايوان , و مع ذلك فأن القيادة الصينية ابقت الباب مفتوح لمزيد من الحوار لتحقيق اكبر قدر ممكن من استقلالية تايوان و خصوصيتها عند عودتها للسيادة الصينية حيث أن المؤيدين من التايوانيين لمبدأ الصين الواحدة يطالبون بأن تمر عودة تايوان للسيادة الصينية بمراحل انتقالية و ضمن برنامج زمني غير مضغوط مع ضمانات كافية لالتزام الصين مستقبلا بما يتم الاتفاق عليه معهم .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World