الأرجنتين تحت رحمة الفوضى الاقتصادية القادمة

آدم الحسن
ifari8686@yahoo.com

2023 / 12 / 1

فاز خافيير ميلي مرشح اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية في الأرجنتين ليشكل ذلك عودة جديدة للمسار الرأسمالي للاقتصاد الأرجنتيني , لكن هذه المرة بثوب يصفه الكثير من المتابعين للشأن السياسي في الأرجنتين بالفوضوي , حتى أن الرئيس المنتحب ميلي وصف نهجه بالرأسمالي الفوضوي و كأنه يقر بأن الفوضى الاقتصادية ستعم في الأرجنتين في المرحلة الانتقالية القادمة كأمر واقع لا يمكن تجنبه و يطالب الشعب الأرجنتيني بتحمل هذه الفوضى كثمن لابد منه لإجراء التصحيح الاقتصادي و الانتقال من الاقتصاد المقيد الى اقتصاد السوق الحر الذي يصفه بانه الطريق الوحيد نحو الرفاهية و التقدم للأرجنتين و شعبها .... فما هي ملامح و اركان هذه الفوضى التي ستحل على الاقتصاد الأرجنتيني ...؟
لقد شمل برنامج خافيير ميلي الانتخابي الأركان التالية :
اولا : شعار " الأرجنتين اولا " .
طرح خافيير ميلي مشروعه الاقتصادي السياسي تحت عنوان " الأرجنتين اولا " و هذا الشعار يشبه الى درجة كبيرة الشعار الذي رفعه الرئيس الامريكي السابق ترامب " امريكا أولا " .
هنالك تناقض كبير في مشروع خافيير ميلي فمن جهة يعلن انه سيعمل من اجل الأرجنتين اولا و من جهة اخرى يعلن نيته المسبقة للتوجه لبناء علاقة متينة مع امريكا , إذ يفترض بالنهج السياسي الوطني الذي يرفع شعار مصلحة الوطن اولا أن تحكم علاقة بلاده مع الدول الأخرى و منها امريكا المصلحة الوطنية دون أي شيء أخر , فلماذا ينوي خافيير ميلي تقيد الأرجنتين بعلاقة متينة مع أمريكا قد لا تكون في بعض جوانبها في مصلحة الأرجنتين .
ثانيا : دفع الأرجنتين بعيدا عن الشيوعيين و الاشتراكيين .
خص في هذا الابتعاد كل من الصين و البرازيل و هذا هو اغرب ما في برنامج خافيير ميلي الانتخابي إذ إن الابتعاد عن الصين سيؤدي الى خسارة الأرجنتين لأهم سوق لصادراتها الأساسية و هي فول الصويا و لحم البقر و الجلود , إذ لم يتضمن برنامجه أي اشارة للأسواق البديلة التي ستحل محل الصين في استيعاب الصادرات الأرجنتينية , قد تكون البرازيل و امريكا هما المستفيدين الرئيسيين من ابتعاد الأرجنتين عن الصين لأنهما المنافسان الأساسيان للأرجنتين في هذا النوع من الصادرات الى الصين .
أما الابتعاد عن البرازيل فهو امر ليس غريب فقط بل له ارتدادات سلبية على الاقتصاد الأرجنتيني , إذ إن دفع الارجنتين في نهج يبعدها عن وسطها الاقتصادي في أمريكا اللاتينية و خصوصا عن البرازيل يدل على أن برنامج خافيير ميلي الانتخابي هو برنامج شعبوي سرعان ما سيجد ضرورة ملحة للتراجع عنه لكون البرازيل هي اكبر قوة اقتصادية في امريكا الجنوبية و دولة كبرى في هذه القارة من ناحية عدد السكان و المساحة بالإضافة الى كونها دولة جارة للأرجنتين , و فعلا بدأ خافيير ميلي بالتراجع التدريجي عن بعض من هذه الطروحات الفوضوية التي اعتمدها في حملته الانتخابية .
ثالثا : التحول الى الخصخصة معتمدا اسلوب الصدمة الخالية من أي خطة أو أي تدرج في التطبيق لتحقيق الهدف النهائي الذي هو الخصخصة الشاملة .
لا شك أن اعتماد سياسة الصدمة في التحولات نحو الخصخصة الشاملة قد تسقط الأرجنتين في فوضى عارمة لها بداية و ليس لها نهاية واضحة و معروفة .
من خلال التصريحات المتتالية الصادرة من خافيير ميلي بعد أن ضمن فوزه في الانتخابات و كذلك من تصريحات مرشحي وزارته القادمة يتضح أن هنالك تراجع واضح عن ما كان يطرح اثناء الحملة الانتخابية .
الموانع و العوائق التي سيصطدم بها خافيير ميلي اثناء توليه للحكم ستحول دون المضي قدما بتنفيذ الفوضى التي وعد جمهوره بها .
من المؤكد أن خافيير ميلي يدرك جيدا , و هو من اصحاب الخبرة في الشأن الاقتصادي أن الفوضى التي تحدث عنها في حملته الانتخابية سوف لن تكون خلاقة إطلاقا و إن الأرجنتين بحاجة الى خطة عقلانية تنقذ اقتصادها المثقل بالدين الخارجي و نسبة عجز كبيرة في الإيرادات الحكومية ادت الى تصاعد نسبة التضخم السنوي لتصل الى حدود 143% .
إن ضغط البنك الدولي على الأرجنتين لإجراء خصخصة شاملة سيصطدم بمتطلبات الواقع الأرجنتيني لذا تراجع ميلي كثيرا عن مشروعه للخصخصة الشاملة و الفورية و اعلن بشكل واضح أن قطاع التعليم و الصحة سوف لن تشملهم اجراءات الخصخصة و أن الخصخصة ستطال في المرحلة الأولى شركة النفط الوطنية الأرجنتينية .
رابعا : رفع الدعم الحكومي عن السلع و الخدمات .
من اهم متطلبات و شروط البنك الدولي لإعادة جدولة ديونه المستحقة على الأرجنتين و البالغة حوالي 44 مليار دولار امريكي هو رفع كل اشكال الدعم الحكومي عن السلع و الخدمات .
لقد شمل خطاب خافيير ميلي الشعبوي خلال حملته الانتخابية انهاء العجز في الميزانية الحكومية من خلال انهاء الدعم الحكومي للسلع و الخدمات , لكن متطلبات الواقع الاقتصادي للأرجنتين اجبرت ميلي على تغيير خطابه بعد أن تحقق فوزه في الانتخابات و بدأ مرحلة مواجهة الواقع الأرجنتيني بكل تحدياته ليتحدث عن تقليص الأنفاق الحكومي بنسبة لا تتجاوز 15% حيث اعلن أن رفع الدعم سيشمل فقط قطاع النقل و المحروقات .
إن الغاء الدعم على قطاع النقل و المحروقات له جوانب ايجابية و اخرى سلبية , فهذا الإلغاء سيقلص حجم العجز في الميزانية الحكومية و هو أمر ايجابي و ضروري لكن الغاء الدعم لهذين القطاعين دون أن يرافق ذلك زيادة في دخل شرائح المجتمع الفقيرة سيزيد عدد الأرجنتين الذين هم تحت خط الفقر و ستزداد نسبتهم البالغة حاليا حوالي 40% من السكان لتصل الى مستويات اكثر خطورة تتسبب في اضطرابات سياسية و مجتمعية لن تستطيع حكومة اليمين المتطرف القادمة من معالجتها أو تحملها .
خامسا : الغاء البنك المركزي الأرجنتيني و الانتقال للدولرة الكلية و ذلك بإلغاء العملة الوطنية الأرجنتينية " البيزو " و اعتماد الدولار الأمريكي كعملة رسمية للأرجنتين .
هذه الفقرة في برنامج خافيير ميلي الانتخابي هي الأكثر فوضوية فهي تتعارض مع شعاره الانتخابي " الأرجنتين اولا " الذي ركز عليه في دعايته الانتخابية ليستبدله بشعار الدولار الامريكي أولا ...!
إن الغاء البنك المركزي الأرجنتيني و الانتقال للدولرة الكلية هو إسقاط لأي طموح للأرجنتين كي تكون قوة اقتصادية صاعدة و دعوة لبقائها دولة ضعيفة تابعة لإرادة البيت الأبيض الأمريكي بالإضافة الى أن الدولرة الكلية تتطلب ميزانية حكومية خالية من العجز المالي , و هذا امر غير ممكن في المرحلة التي تمر بها الأرجنتين , و الأرجنتين ليست امريكا كي تطبع و تصدر ما تحتاجه من الدولارات الأمريكية لسد العجز في الميزانية الحكومية .
سادسا : الغاء الرسوم على الصادرات .
من الفقرات المهمة التي وردت في برنامج خافيير ميلي الانتخابي الغاء الرسوم على الصادرات لتحريرها من القيود الحكومية و خصوصا على المزارعين و مربي الماشية .
إن لهذا الأجراء جوانب إيجابية مهمة و جوانب سلبية , فهذا الأجراء سيؤدي الى زيادة الصادرات الأرجنتينية و انتعاش القطاع الزراعي و قطاع المنتجات الحيوانية , هذا امر مهم لأنعاش الاقتصاد الأرجنتيني لكنه سيؤدي ايضا الى ارتفاع اسعار المواد الغذائية على المستهلك الأرجنتيني لتصل الى اسعارها في السوق العالمية و إن لم يرافق ذلك تحسين القدرة الشرائية للمواطن الأرجنتيني فقد يؤدي ذلك الى زيادة فقر الفقراء و في عنى الأغنياء .
سابعا : عدم الانضمام لمجموعة بريكس .
لقد شمل برنامج خافيير ميلي نية حكومته اعلان عدم رغبة الأرجنتين للانضمام لمجموعة بريكس , هذه الرغبة في عدم الانضمام ينطبق عليها المثل الذي يقول " زعل العصفور على بيدر الدخن " .
إن انضمام الأرجنتين لمجموعة بريكس سيجعلها دولة متلقية للدعم من الدول الأكثر قدرة اقتصادية في هذه المجموعة كالصين و السعودية و روسيا و الأمارات بالإضافة الى الدعم من البنك التابع لهذه المجموعة ( بنك التنمية الجديد NDB ) و عدم انضمامها سيفقدها هذه الدعم الذي سيذهب لدول اخرى في المجموعة و خصوصا لمصر و ايران و اثيوبيا .
لقد ظهر التراجع عن نية عدم الانضمام لمجموعة بريكس في تصريح للمرشح لشغل منصب وزير خارجية الأرجنتين في الحكومة القادمة بقوله : يمكن الانضمام لمجموعة بريكس دون أن يكون للأرجنتين دور نشط فيها ...! , فهل يقصد بأن طلب الأرجنتين للدعم من مجموعة بريكس سيكون غير نشط و غير فعال ...؟
ثامنا : توثيق العلاقة السياسية مع امريكا و إسرائيل .
لا تفسير لهذا الطرح ألا كونه دغدغة لمشاعر المتنفذين في السلطة المالية الدولية في البنك الدولي و صندوق النقد الدولي و دعوة غير مباشرة للاستثمارات الأمريكية للتوجه صوب الأرجنتين . فهل ستقنع طروحات اليمين المتطرف الأرجنتيني الاستثمارات الأمريكية للقدوم الى الداخل الأرجنتيني ... ؟ و هل سيتراجع البنك الدولي عن شروطه القاسية ...؟
يبدو أن عدم اليقين هو الذي يسود و يطغى على المشهد الأرجنتيني المضطرب .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World