تعريف النصر والهزيمة في وعي ثقافة مأزومة

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
abdelmagid_ismail@yahoo.com

2023 / 11 / 21

حين تُخيم مشاعر الفشل والمرارة فوق مجريات الزمن الحاضر، ويمتد غمامها الحالك ليغلف ذكريات الماضي القريب والمتوسط ولا يجد المستقبل المنظور أي بصيص نور يلوح ولو من بعيد عبر الأفق، يتأزم الوعي ويلقي أسلحته واستقلاليته الفكرية ويُسلم نفسه دون قيد أو شرط أسيراً لماضٍ متطرف القِدَم أو مستقبل من صناعة الأوهام- وكليهما لا يمت للحقيقة بصلة- لا لشيء سوى لحفظ بقاءه وكينونته ولو تحت ذُل الأسر. في مثل هذا الوعي المأزوم، الفاقد القدرة على الفكر والفعل الذاتي المستقل في الزمن الحاضر، تستقبل الأحداث الجارية تفسيرات مأزومة بالمثل، تؤدي- في محاولة اتباعها- إلى مزيد من الفشل والمرارة، ليغوص الوعي في ماضٍ أكثر بُعداً ويغرق في أوهام أكثر تَطرفاً لدى التماسه ملاذاً رطباً لكي يلتقط أنفاسه ويضمد أوجاع حاضره المثخن بالحروق الحية. خلال الحقبة الحديثة، كانت فلسطين ولا تزال العدسة المُكبرة لأزمة الوعي العربي، تنعكس عليها تفسيراته المشوهة لمفاهيم النصر والهزيمة.

الناس والأهل قبل الأرض والحجر
خُلقت الجيوش في المقام الأول لكي تحمي وتصون أمن وسلامة السكان الذين خُلقت منهم ومن أجلهم. وإذا ما وضعت الجيوش في وضع الاختيار بين الاثنين- الناس أو الأرض، كان الأوائل هم المقدمين على الثانية بالضرورة، ولو وصل الأمر إلى إلقاء السلاح والاستسلام والتفريط في السيادة الوطنية. لماذا؟ ببساطة، لأن أرض من دون ناس تساوي صفراً. بينما الناس بحد ذاتهم كل شيء، بما في ذلك إمكانية أن يكتسبوا مستقبلاً أضعاف مضاعفة مما قد خسروه من أرض في معركة اليوم.

وفق هذا المُحدد، يخوض الحمساويون الآن النضال الخطأ دفاعاً عن تراب وركام بعدما نجح العدو في تهجير الناس والأهل. مهمتهم الأولى كانت الدفاع عن مواطنيهم وإنقاذهم من سيطرة وتحكم العدو عليهم. لكنهم عجزوا. وبالتالي، هم قد هُزموا بالفعل ولن يفيدهم بشيء الدفاع عن أطلال مهجورة، حتى لو نجحوا في تحويلها إلى مقبرة جماعية لجيش العدو بأسره- طالما ظلت الأرض خاوية من أهلها ولم ينجحوا في استعادتهم وبسط مظلة الحماية والأمن عليهم.

القتل جريمة مُخزية لا صنيع يُمجَّد ويُحتَفى به، بينما إنقاذ الروح شرف
القتل في جميع الأحوال شرٌ حتى لو كان لابد منه، لا يبرره أو يُطفئ إثمه إلا قصد أو فعل إنقاذ أرواح أكثر ممن قُتلوا. ويبقى القتل من دون ضرورة الدفاع عن النفس وإنقاذ الأرواح- من نوعية ما تمتلئ به كتب الأنبياء والرسل من العصور الموغلة في القدم والبداءة- همجية وبربرية ووحشية لا تُقرها مطلقاً الأعراف والقيم الإنسانية والدولية المعاصرة. ذاك العصر الذي كان فيه الإنسان يقتل آخر- أو يستعبده أو يستبيح ماله وعِرضه وولده وممتلكاته- تحت ذريعة الاختلاف في الدين أو العرق أو النوع أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو أي شيء آخر، أو في طاعة لأوامر من رب متعالي لقتال الكفار والمشركين، قد انتهى غير مأسوف عليه وإلى غير رجعة ودُفن في بطون أمهات التراث والتاريخ.

وفق هذا المُحدد، هل كان لدى المخططون ليوم 7 أكتوبر 2023 أدلة تُرجح عزم العدو على مهاجمة أبناء الشعب المكلفين بأمنه وحفظ أرواحه، ما اضطرهم إلى المبادرة لإحباط المخطط وإنقاذ الأرواح التي كانت ستُزهق حال تنفيذه؟ إذا كان كذلك، كان لابد أن يعتقدوا في قدرتهم على شل، أو على الأقل إضعاف، قدرة العدو على إيقاع أذاه المدبر بهم. هل كانوا يصدقون ذلك حقاً، أن لديهم القدرة على إضعاف قوته النيرانية الفتاكة؟ إذا لم يكن، وكانوا على ثقة من أن ميزان القوة في غير صالحهم في جميع الأحوال ومن المرجح أن يقتل العدو منهم أضعاف ما سيقتلون منه، لماذا يبادرون بالتحرش به واستفزازه؟ ماذا إذا قتلنا نحن منهم واحداً وردوا هم علينا بقتل عشرة منا؟ هؤلاء التسعة أرواح الفارق التي أُزهقت، من كان يتحمل المسؤولية عن حِفْظها، ومن يتحمل وزر فقدانها سدىً دون مقابل شافي لها في جهة العدو؟ أم أننا نُقدِّر الروح الواحدة منهم بعشرة منا، ولا تزال صفقة رابحة لنا؟ في قول آخر، حتى لو قتلوا منا عشرة مقابل كل روح نقتلها منهم، نحن لا نزال المنتصرون عليهم. لقد نلنا منهم وآلمناهم وأوجعناهم بصرف النظر عن التضحيات الجسيمة التي سنتحملها بشجاعة. هل يكفينا أن نؤلمهم فقط مهما فعلوا بنا رداً على آلامهم؟ ومن منا الذي يقرر هذه الحسبة غير المتكافئة، ومن يقبل بها؟

الكراهية نار تحرق مُمسكها والمحيطين به قبل أن تطال العدو
الكُره طاقة سلبية حطبها الحقد والغل ورغبة الانتقام والتشفي بأي ثمن، لا يرفع ظلماً ولا يسترد حقاً ولا يبني وطناً ولا ينشد أي جبر على الإطلاق. وإذا كان من تعويض أو مكافأة ينشدها، فهي بالتأكيد غير مرجوة من هذه الحياة البغيضة والزائلة، في نظره. الكره لا يخضع لحسابات مثل الربح والخسارة، الخير والشر، الخزي والشرف، المهم والأهم، العاجل والآجل، النسبة والتناسب...الخ. بل هو مجرد طاقة وجدانية عمياء تغلي بحثاً عن نقطة ضعف للتنفيس. وبمجرد أن تجدها، تنفجر في آويها نفسه والمحيطين به من ناسه وأهله، ثم من قد تطالهم من أعدائه. باختصار، في الكراهية طاقة كافية لتفجير الذات والأهل والأعداء، جميعاً معاً ودون تمييز. أو هي قوة موت ناسفة للحياة ذاتها. وإذا كانت هكذا بطبيعتها مضادة للحياة وغير خاضعة لأي منطق أو حساب إنساني، تصبح محاربتها والقضاء عليها ضرورة حياتية لكل المعنيين بها، حتى لو كانت موجهة خصيصاً وحصراً ضد ألد وأشر أعدائنا على الإطلاق.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World