لا سبيل لتبرير جرائم الحرب

عبدالله عطية شناوة
abdllah.a.shnawan@gmail.com

2023 / 10 / 24

تواصل إسرائيل، منذ 12 يوماً، قصف قطاع غزّة دون توقف تقريباً. حتى الآن، ألقت الطائرات الإسرائيليّة آلاف الأطنان من الموادّ المتفجّرة فوق سكّان القطاع.

ليست هذه المرة الأولى التي تقصف فيها إسرائيل قطاع غزّة على هذا النحو. فقد طبّقت إسرائيل سياسات غير أخلاقية وغير قانونية في جولات قتالية سابقة قُتل خلالها الآلاف، بضمنهم عائلات بأكملها، وأصيب آلاف آخرون بجراح وبقي عشرات الآلاف دون مأوىً. لكنّ إسرائيل في هذه المرّة أوغلت في التطرّف أكثر فأكثر وأعلنت مُسبقاً أنّها تبتغي الانتقام من حركة "حماس". وقد وعد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتحويل الأماكن التي تستعدّ وتختبئ فيها حركة "حماس" إلى خرائب ودعا سكّان قطاع غزّة: "اخرجوا من هناك الآن. نحن سنقوم بعمليّات في كلّ مكان وبكامل القوّة". من جهته، أوضح الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي "إنّ التركيز في هذه المرّة سيكون فعلاً على إلحاق الأضرار لا على الدقّة".

النتيجة مُرعبة. لا توجد في قطاع غزّة أماكن يلجأ إليها السكّان ولا هُم يملكون وسيلة للدّفاع عن أنفسهم: لا توجد ملاجئ عموميّة، لا غرف آمنة أو أماكن آمنة في المباني، ولا صافرات إنذار تتيح لهم مُهلة للفرار. كلّ ما تبقّى لديهم هو الانتظار خائفين مرعوبين، على أمل ألا يصيبهم أذىً. لا يوجد في قطاع غزّة كلّه مكان آمن ومع ذلك، فرّ مئات الآلاف من منازلهم في محاولة يائسة لحماية أنفسهم وعائلاتهم. منهُم من قُتلوا أثناء فرارهم، منهم من قُتلوا في الأماكن التي نزحوا إليها إذ وجدوا فيها ملجأ، ظنّوه آمناً. تجاوز عدد القتلى حتى الآن الـ3,000 بضمنهم عشرات الأسَر قضت نحبها داخل منازلها ومُحي ذكرُها.

أعداد القتلى تزداد يوميّاً ولا يزال كثيرون مدفونين تحت الأنقاض ولا قُدرة على انتشالهم، بسبب الأعداد الهائلة وانعدام المعدّات والآليّات اللّازمة والقصف الإسرائيليّ المتواصل. ثلّاجات الموتى في المشافي مكتظّة والناس لا يستطيعون دفن موتاهُم. بعض الجثامين نُقلت إلى شاحنات تبريد وبعضها الآخر دُفن في قبور جماعيّة.

من بقوا على قيد الحياة مضطرّون إلى مواجهة واقع يفوق الخيال ولا يتصوّره عقل. فقد أصدرت إسرائيل تعليمات لأكثر من مليون إنسان تطالبهم بإخلاء منازلهم وسْط القصف المتواصل وفي خضمّ الحرب ومَن لا ينزح يعرّض حياته للخطر بالطبع. هذا المطلب وجّهته إسرائيل أيضاً إلى المستشفيات، ومنها مستشفيات ترعى جرحى الحرب ومرضى آخرين وتمكث فيها عائلات نازحة عن منازلها. لكن المستشفيات رفضت الانصياع لهذه التعليمات لأنّ تطبيقها أمرٌ مستحيل.

مئات الآلاف انصاعوا مُجبَرين ونزحوا عن منازلهم. بعضهم بقي في الشوارع وبعضهم لجأ إلى منازل آخرين أو إلى المدارس. في الأماكن التي استقبلت النازحين اكتظاظ شديد وظروف يستحيل تحمّلها. لا توجد أغطية وملابس تكفي الجميع، ولا توجد أيّة إمكانيّة للحفاظ على النظافة الصحّية ممّا يرفع منسوب القلق من انتشار الأمراض.

إغلاق معابر غزّة يهدّد بنفاد مخزون الموادّ الغذائيّة، وكذلك الوقود، البنزين والديزل، والأدوية والتجهيزات الطبيّة الأساسيّة. طوابير الغذاء تمتدّ وتطول والعائلات تحاول يائسة شراء القليل المتبقّي في المتاجر من موادّ غذائيّة. وقد أوقفت إسرائيل بيع الكهرباء لقطاع غزّة ومحطّة توليد الكهرباء المحليّة المتواضعة لا تعمل لأنّ إسرائيل أوقفت إمدادات الوقود أيضاً. مع انقطاع الكهرباء تعطّلت شبكات المياه والصّرف الصحّي ايضاً وبقي السكّان بلا ماء. في ظروف كهذه بالكاد تستطيع المستشفيات القيام بمهامّها، وهي أصلاً على وشك الانهيار تحت وطأة الأعداد الهائلة من الجرحى.

نحو مليونيّ إنسان في قطاع غزة يعيشون الآن كابوساً مُرعباً: قصف لا يتوقّف ولا وسيلة للاحتماء منه، انهيار تامّ لجميع المرافق والبنى التحتيّة، أحياء بأكملها مُحيت عن وجه الأرض، مئات الآلاف اقتُلعوا من منازلهم ومن هؤلاء كثيرون لا منازل لهُم بعد يعودون إليها لاحقاً. بلا كهرباء، بلا ماء، بلا طعام ولا دواء. قطاع غزّة مغلق من كلّ جانب، أي أنّه لا مكان يمكن الهروب إليه. لا شيء من تفاصيل هذا الكابوس يحدث خطأ أو استثناء. الواقع المروّع في قطاع غزّة هو نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلنة.

تعمُّد إلحاق الأذى بالمدنيّين أمرٌ محظور، مهما كانت الظروف وأيّاً كانت الأهداف. لا هدف يمكن أن يبرّر ذلك: لا الجرائم المروّعة التي ارتكبتها حركة "حماس" في غلاف غزّة، ولا الحرب الشاملة على الإرهاب، ولا الرغبة في الإطاحة بحُكم حماس في القطاع. ولهذا، ليس ثمة أي سبيل لتبرير جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل منذ 12 يوماً في قطاع غزّة.

تحاول إسرائيل الادّعاء بأنّها، خلافاً لحماس، لا تتعمّد المسّ بالمدنيّين. هذا ادّعاء كاذب كانت إسرائيل قد استخدمَته كذباً في جولات قتالية سابقة أيضاً، ناهيك عن أنّ إسرائيل صرّحت في هذه المرّة مسبقاً، وعلى لسان كبار مسؤوليها، بأنّها تعتزم قصف القطاع دون تمييز. في هذه المرحلة يجب أن تعلم إسرائيل ما يلي: سياسة القصف من الجو، على النحو الذي تطبّقه ضدّ منطقة هي من الأشدّ اكتظاظاً بالسكّان في العالم ويقلع في داخلها مليونا إنسان تحت الحصار، سوف ينجم عنها بالضرورة آلاف القتلى ودمار هائل. هكذا كان الحال في جولات قتال سابقة خاضتها إسرائيل في القطاع، وهكذا هو الحال في هذه المرّة أيضاً. أمام هذا الواقع، تسقط حجة "لم نكن نعلم".

بتسيلم
مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة / في 19 ـ 10 2023 أي قبل قصف المستشفى الأهلي المعمداني.
رابط البيان
https://www.btselem.org/gaza_strip/20231019_one_crime_does_not_justify_anothert_he_attack_against_civilians_in_gaza_must_end



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World