التفكير الفلسفي في كوارثنا (الجزء الأول)

أحمد رباص
ahmed-raba.ss@hotmail

2023 / 9 / 14

تحت تأثير كارثتي الزلزال والفيضان اللتين ضربتا على التوالي وبشكل متزامن بلدين عربيين مغاربيين (المغرب وليبيا)، قلت في قرارة نفسي: كيف قاربت الفلسفة إشكالية الكوارث؟ لمحاولة إيجاد جواب عن هذا السؤال، عثرت على مقال بالعنوان أعلاه كتبه فلوران بوسي الحاصل على دكتوراه في الفلسفة. كان مدرسا لهذه المادة في المدرسة الثانوية، قبل أن يتم تعيينه محاضرا في جامعة روان الفرنسية (2006-2013). ألف العديد من الكتب ونشر العديد من المقالات ويتعاون حاليا مع مجلة "Les Zindigné(e)s"، التي يديرها بول أريس.
المقال:
إن التفكير في الكوارث المعاصرة يجب أن يجعل من الممكن تسليط الضوء على خصوصياتها، بما يتجاوز القواسم المشتركة الواضحة للأحداث المؤلمة التي عانى منها البشر منذ بداية تاريخهم. ومن الضروري بالفعل تجنب الوقوع في مأزق الارتباك التاريخي الذي يتجاهل حقيقة أن عصرنا يحمل في داخله الكارثة، لأنه يثيرها ولأنه ينفيها.
إن معرفة الكوارث الحالية والمستقبلية الجديدة تظهر أولاً كاعتراف بما يجعلها كوارث "خاصة بنا". ولا يمكن للسياسة أن ترقى إلى مستوى تحديات العصر إلا بهذا الشرط، وهو أيضا ثمن (يؤدى).
إن التفكير في الكوارث العالمية كثيرا ما يثير السخرية، لأن الوجود الحالي للعالم سيكون دليلاً من لحم ودم على أنه تم تجنب الكوارث أو أن آثارها كانت جزئية فقط. "لا داعي لجلد قطة"، "ترهات دعاة نهاية العالم"، هذا ما يقوله الذين يسمون بالمفكرين الواقعيين.
ومع ذلك، فإن وضعنا يقاوم ما يسمى بواقعية القياس والحس السليم، لأن شيئا ما قد تغير في طبيعة الكوارث التي يواجهها الناس بشكل دوري، وهو الأمر الذي يجعل من المستحيل بالنسبة لنا أن نعلن ببساطة، بشكل عرضي أو موثوق، أن العالم، غدا كما اليوم (اليوم كما ألبارحة)، سوف يتعافى من العنف الذي هزه لبعض الوقت. هذا هو التغيير الذي نقترح مساءلته هنا، لأنه يتعلق بحالة الإنسان المعاصر.
سوف ندرك بسهولة أن هذه الكوارث تجد مصادرها في أفعال البشر. ولكن، بعيداً عما هو واضح، هناك الرابط الذي يوحد الكوارث التي تجتاحنا اليوم، والتي تستمر حدتها في النمو ـ بالعلاقة التي يحافظ عليها أناس الحداثة المتقدمة مع الطبيعة والعالم والوجود.
نحن نتحدث هنا عن "كوارثنا"، لأن الكوارث التي من المناسب التفكير فيها، والتي تشكل الحقيقة الكبرى في عصرنا (وبخاصة تلك التي لم تحدث بعد ولكن تم الإعلان عنها)، تأتي منا، بدلاً من أن تحدث لنا على أنها "كوارث طبيعية" أو "غضب إلهي".
انفجرت «كوارثنا» على الشاشة، وتردد الأخبار اليوم أصداء الكوارث من جميع الأنواع التي تخلّلت تاريخ العالم. ومع ذلك، فالأمر يتعلق باللامفكر فيه لعصرنا، الذي لا تأخذه أي سياسة، ولا أي تحليل إعلامي في الاعتبار، لأن الأمر يتعلق، لا أكثر ولا أقل، ببشر منشغلين بمهام أكثر إلحاحا وجدية من أن يفكروا في أنفسهم.
لا جدال في أن المفهوم الذي يتوقعه العصر منا هو مطلب حقيقي: قفزة حقيقية إلى نقيضه يتعين علينا أن نقوم بها.
إن التفكير في الكوارث يدين بالكثير لعمل وأعمال غونتر أندرس، المؤلف الألماني الذي شارك في النضال من أجل نزع السلاح النووي، والذي لم يكن معروفاً منذ فترة طويلة، وخاصة في فرنسا، ولكن السنوات الأخيرة جعلته فيلسوفاً كبيراً.
منذ انفجار القنبلتين الذريتين، أخذ أندرس يفكر في كوارث من نوع جديد، مصدرها أفعال البشر. انتقل تفكيره من التفكير الأنطولوجي الكلاسيكي إلى الحاجة إلى فهم الوضع الجديد، حالة الطوارئ الحيوية، التي تجد البشرية نفسها في مواجهتها. يهدف هذا التصور للفلسفة إلى مواجهة تحديات العصر، وحال الإنسان في الحداثة المتقدمة، بعيدا عن النزعة الأكاديمية للفلسفة الجامعية.
يندد أندرس بما يسميه "التفاوت البروميثيوسي" في عصرنا، أي حقيقة أن ملكاتنا (الفعل، الفكر، الخيال، المشاعر، المسؤولية) لا تنجح في الاتفاق، لكل منها إيقاعه الخاص: الناس غير قادرة على التفكير في ما تفعل، على فهم معنى ما تعرف، على الشعور أو تخيل ما تنتج.
هكذا «لا نقاش في كوننا نعرف العواقب التي قد تترتب عن حرب نووية. لكننا نعرف ، على وجه التحديد، ذلك فقط. هذه ال فقط تعني أن معرفتنا هاته هي في الواقع قريبة جدا من الجهل. وهو أقرب منه إلى الفهم". (2006، 296)
يبدو الناس منقسمين في ما بينهم، رغم أنهم اكتسبوا قوة لم يسبق لها مثيل. إننا نشهد استخفافا شديدا بالشر، مما يجعله غير محسوس وغير مفهوم. يبتعد الوعي عن كل مسؤولية وعن كل عاطفة. وهكذا أصبحت القنبلة النووية اختراعا تقنيا كأي اختراع آخر. إن حقيقة كون السلاح النووي الحراري يمكن أن يقتل عدة ملايين من الأشخاص لا ينبغي أن تعيق عملية التصميم والتصنيع.
فشل الخيال يعني أننا "لسنا في مستوى بروميثيوس الذي فينا " يلخص "التفاوت البروميثيوسي" عدم حساسية الإنسان المعاصر تجاه المعاناة التي يساهم فيها. يخضع الناس لعمليات تحيط بهم وتصبح أفقهم الفكري الوحيد، فهم غالبا ما يتصرفون، في إطار مهنهم، أنشطتهم الترفيهية واستهلاكهم، بما يتجاوز الخير والشر، دون أي اعتبار للتبعات الأخلاقية المحتملة لما يفعون على الناس ابآخرين، على الطبيعة أو على المستقبل. وهذا يمنحهم الاستقرار العقلي، حيث يتحررون من عبء حرية الوعي الذاتي.
"إن الشعور بالأمان هو الثمن الذي ندفعه مقابل مسؤوليتنا، أي حريتنا. وهذا الشعور بالأمان يتدفق نحونا بشكل عفوي وتلقائي مثل الماء أو الغاز أو الصور التلفزيونية أو أي تدفق يصل إلينا". (2006، 270)
سوف توجه تحليلات أندرس دراستنا للكوارث، لأنها تسلط الضوء على ما يشكل ينابيعها النفسية الرئيسية، أي اللاوعي وانعدام المسؤولية.
(يتبع)
الرابط: https://journals.openedition.org/leportique/2013#tocfrom1n1



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World