أنهارٌ من زنبق: ملاحظة

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 9 / 10

فيما سبقَ من الزمن، زوّدتُ الناشرَ بأربع مخطوطات لمُدوّنين من مشارب مُختلفة، تَصادفَ أنّ رواياتهم شكّلت نسقاً تاريخياً مُتصلاً إذا نُظرَ إليها كسلسلة وليسَ كأعمال مُنفردة. ثلاث من المخطوطات تلك، كانَ مسرح أحداثها في دمشق بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وإلى منتصف هذا الأخير، تنتمي زمنياً مخطوطة رابعة، حملت عنوان " تاجر موغادور "؛ ولو أنّ أحداثها الأساسية تجري بصورة عامة في المملكة المراكشية، أينَ أستقرّ مُدوّنها الدمشقيّ في خضمّ ظروفٍ قاهرة. شأن هذا الكتاب الأخير، فإن الكتاب الجديد، الذي بين أيدينا، لم يكتب بضمير المتكلم بل بضمير المبني للمجهول.
ثم شاءت المُصادفة، أنّ لقيتي الجديدة في مجال المخطوطات، سأعثرُ عليها ثمة في مدينة القاهرة، وذلك في أحد الأيام الربيعية من عام 2003. وأشدّدُ على أنها مصادفة، بالنظر إلى أنني وجدتني آنذاك في دار المَجْمع العلمي المصري دونَ نيّة لتحقيق عمل علمي أو للبحث عن كناش مُعيّن. المجمع، يقعُ على طرف ساحة التحرير، أينَ أقمتُ ثمة في بنسيون معتدل الثمن. موظف البنسيون، وكانَ شاباً قبطياً مثقفاً، لما علم أنني موجودٌ في مصر ضمن حلقة أدبية، بادرَ إلى إرشادي للمجمع القريب: " إنه يضمّ كنزٌ من المخطوطات، معظمها لم يرَ النور ككتب مطبوعة ". ثمة في القاعة الرئيسة للدار، تقرّبَ إليّ يومئذٍ بروفيسور مصري، مختص في تحقيق المخطوطات. لقد قاده عمله، فيما مضى، إلى أن يحل ضيفاً لمدة عامين على شقيق لأمير دولة خليجية عنده نفس الإهتمام. البروفيسور، تكلّم معي عن علاقته بذلك الرجل الرفيع المقام في غير قليل من الزهو، مع أنه شخصياً يتّسمُ خلقه بالبساطة والتواضع والرغبة في مساعدة الآخرين. بالطبع، ومثلما قد يتوقّع القارئ، كانَ هوَ مَن أرشدني إلى مخطوطة تقبع منذ نحو قرنين في مستودع الدار: " هذه المخطوطة، يتكلمُ فيها أحدُ الأخباريين عن مدينته دمشق في فترة سيطرة إبراهيم باشا على بلاد الشام. لقد تحققتُ من عدم وجود نسخة أخرى للمخطوطة في أيّ مكانٍ، سواءً داخل مصر أو في الخارج. ومن النافل القول، أنها لم تُطبع بعدُ "، خاطبني البروفيسور وهوَ يُقلّب بحذر صفحاتِ الكناش. كانت المخطوطة سليمة إلى حدّ كبير، مكتوبة بعربية أنيقة وأسلوب جزل؛ ما دلّ على أنّ مُدوّنها كان له باعٌ ملحوظ في الأدب والثقافة بشكل عام. الصفحات كانت أرقامها باللاتينية، وقد مرّ على العديد منها قلمُ أحد المُدققين ( أو ربما أحد المُحققين )، لتصحيح مفردة أو لبيان ملحوظة. المخطوطُ، إذاً، لم يكن قد وَجَدَ طريقه للنشر. وبالتالي، أستفدتُ إلى حدّ ما من تلك التصحيحات والملحوظات حينَ شرعتُ بمهمّة التحقيق.
السؤال، المُمكن أن يتبادر منذ البدء إلى ذهن القارئ: ماذا كانَ عليّ أن أضيفه، كمُحقق، طالما أنني مدحتُ سلفاً أسلوبَ صاحب المخطوطة ولغته؟ وجواباً أقول، أنّ النص تداخل مع مفرداتٍ عامّية وأيضاً مفردات مُستعارة من لغات أخرى؛ كالتركية والكردية والسريانية. بل ثمة جُمل باللغة اللاتينية، ربما أجاز المؤلّف لنفسه إيرادها بالنظر إلى كونه من طائفة الروم الكاثوليك. كذلك كانَ النصّ مخلخلاً وبه بعض الفوضى في الأحداث والوقائع، وعليّ كانَ أن أهتمّ بترتيبها ضمن سياق الحكاية كي لا تفقدُ الحبكةُ ما يُفترض بها من متعة وإثارة. بكلمة أخرى، أنني أضفيتُ أسلوبي على النص حيثما أحتاجَ ذلك!
السؤالُ الآخر، الذي أظنّ أنه سيُشغل القارئ: لِمَ منحتُ إهتماماً للمخطوط، وهل يُكمل تاريخياً ما سبقَ من تلك السلسلة، آنفة الذكر؟ وجوابي، في الوسع الحصول عليه من السطور التالية، المنذورة للتنويه بماهيّة هذا المخطوط، وسيرة مؤلّفه، والفترة الزمنية التي تناول فيها أحداثَ روايته.
من حُسن الحظ، أننا نعرف بشكلٍ لا يَدع مجالاً للإلتباس، أن المترجم هوَ صاحبُ المؤلَّف البالغ الأهمية، الذي حملَ عنوان " مَشْهدُ العَيان في حُكم إبراهيم باشا لسورية ولبنان ". في المقابل، فإنّ هذا المؤلِّف بقيَ مجهولاً، وأشيرَ إليه دائماً باسم مُستعار، " الدكتور ميخائيل الدمشقيّ "، وذلك من لدُن عددٍ من الباحثين. وكان منهم الباحثُ الأب لويس شيخو، في مقالةٍ نشرها عام 1913 في مجلة المشرق، العدد 16. كما وردَ ذكرُ المؤلِّف بنفس اسمه المُستعار ـ مع جُملة مُقتضبة: " مؤرخ لم أعثر له على ترجمة " ـ وذلك في كتاب " معجم المؤرخين الدمشقيين " للدكتور صلاح الدين المنجد، المطبوع في بيروت دونَ ذكر تاريخ النشر. أما الأب لويس معلوف اليسوعي، الذي نشرَ في عشرينيات القرن العشرين كتاباً آخر، يُعتقد أنه لنفس المُدوّن، باسم " تاريخ ميخائيل الدمشقي "، فقد كتبَ في المقدمة نبذة عن صاحبه، يُستدل منها أنه كانَ طبيباً من ملّة الروم الكاثوليك، وأنه عاشَ من عام 1799 وإلى ما بعد عام 1870. في مقدمته، لمّحَ الناشرُ إلى وجود مخطوط آخر للمؤلّف، وضعه جنباً لجنب مع مذكراته التاريخية عن حملة إبراهيم باشا: " وهذا المخطوط حصلت عليه وزارةُ الخارجية البريطانية بطريقةٍ ما ( أو ربما من قبل المؤلّف بالذات؟ )، وذلك في أثناء اهتمامها بأحداث طرد الفاتح المصريّ من بلاد الشام، ومن ثم حوّلت المخطوطَ إلى المتحف البريطاني ".
ما سبقَ، قادَ ذاكرتي تلقائياً إلى أول مخطوط كنتُ قد قمت بتحقيقه ونشره، وجعلته تحت عنوان " علامات القيامة لمؤلّف مجهول ". وهذا المخطوط، بالطبع، ليسَ من آثار الدكتور ميخائيل الدمشقيّ، لكن الرجل كانَ حاضراً في أحداث الفصل الأخير منه بنفس الإسم ولكن دونَ الكنية المُرتجلة. بهذه الحالة، فإنّ هذا المخطوط الخامس هوَ تتمة منطقية لأحداث " علامات القيامة ". وعلى ذلك، منحتني تلك المُصادفة السعيدة فرصةَ إكمال مشروعي بإتمام هذه الخماسية التاريخية. وكانت فرصةً لا تُعوّض بحق، إذا ما عرفنا أنّ دارَ المخطوطات المصرية قد تعرضت لحريقٍ متعمّد من قبل البلطجية، على أثر ثورة 25 يناير عام 2011، أدى إلى إتلاف ما يزيد عن الأربعين ألف مخطوط.
من ناحية أخرى، نُدرك من مقدمة الناشر لويس معلوف اليسوعي، أنّ الدكتور ميخائيل الدمشقيّ كانَ يُسجّل ما يُشبه اليوميات ( أو السيرة الذاتية ) جنباً لجنب مع تأريخه لحملة إبراهيم باشا المصريّ؛ وهيَ الحملة، المُستأثرة بكامل العقد الثالث من القرن التاسع عشر. من خلال إطلاعي على هذا المخطوط، توصلتُ إلى رؤية عامة، مفادها أنني كنتُ أقرأ رواية وليسَ تأريخاً؛ رواية، سحرتني بتفاصيل أحداثها وبأسلوب مؤلّفها. ولم تكن الرواية بنفس القوّة من التأثير لولا أنّ لغتها نأت تقريباً عن العامّية، التي شاعت في غالبية مُدوّنات العهد العثمانيّ. وآملُ أنّ القارئَ سينتابه نفس الشعور عند قراءته للكتاب، وأيضاً أن يغتني بمادّته التاريخية.
ثمة ملحوظة أخيرة، وهيَ أنني وضعتُ بنفسي عنوانَ الرواية، " أنهارٌ من زنبق "، لأنّ المخطوطة الأصل كانت بلا عنوان. ببعض العناد، ولا ريب، أُصرُّ إلى الأخير على أنها رواية وليست تأريخاً. وأعتقدُ أنه كارلوس فوانتس، مَن كتبَ هذه الكلمات البليغة: " الرواية، هيَ تدوينُ ما غفلَ عنه التاريخ ".

* مستهل الرواية الأخيرة من خماسية " الأولى والآخرة "



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World