من أجل ثقافة جماهيرية بديلة 38

عبدالرحيم قروي
karaoui.abderrahim@gmail.com

2023 / 9 / 8

المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية
للقائد الشيوعي جوزيف ستالين
ترجمة حسقيل قجمان
الحلقة الثالثة

3) المادية التاريخية:
يبقى الان ان نوضح المسألة التالية: ما الذي نعنيه "بظروف حياة المجتمع المادية" التي بالتحليل الاخير تحدد ملامح المجتمع، آراءه، وجهات نظره، مؤسساته السياسية الخ..؟
فما هي "ظروف حياة المجتمع المادية" وماهي معالمها المميزة؟
لا شك ان مفهوم "ظروف حياة المجتمع المادية" تتضمن قبل كل شيء الطبيعة المحيطة بالمجتمع، البيئة الجغرافية، وهي احدى الظروف اللامفر منها والدائمية في حياة المجتمع المادية، والتي تؤثر طبعا على تطور المجتمع. فما هو الدور الذي تلعبه البيئة الجغرافية في تطور المجتمع؟ هل البيئة الجغرافية هي القوة الرئيسية التي تقرر ملامح المجتمع، طابع النظام الاجتماعي للانسان، والانتقال من نظام إلى آخر؟
ان المادية التاريخية تجيب على هذا السؤال بالسلب.
لاشك ان البيئة الجغرافية هي احد الظروف الدائمة اللامفر منها في تطور المجتمع، وتؤثر طبعا على تطور المجتمع وتسرع أو تؤخر تطوره. الا ان تأثيرها ليس تأثيرا مقررا طالما ان تغيرات وتطورات المجتمع تجري اسرع بما لا يقاس من تغيرات وتطورات البيئة الجغرافية. ففي خلال ثلاثة الاف سنة حلت ثلاثة انظمة اجتماعية مختلفة محل بعضها بنجاح في اوروبا: نظام المشاعية البدائية، نظام العبودية، ونظام الاقطاع. وفي الجزء الشرقي من اوروبا، في الاتحاد السوفييتي، جرى احلال حتى اربعة انظمة محل بعضها. ومع ذلك فان الظروف الجغرافية في اوروبا اما لم تتغير بتاتا في هذه الفترة، أو انها تغيرت تغيرا طفيفا لا يلاحظه علم الجغرافيا. وهذا امر طبيعي تماما. فالتغيرات ذات الاهمية في الظروف الجغرافية تتطلب ملايين السنين، بينما بضع مئات من السنين، أو الفي سنة يكفي لتغيرات هامة في نظام المجتمع البشري.
ينجم عن هذا ان البيئة الجغرافية لا يمكن ان تكون السبب الرئيس، السبب المقرر، في التطور الاجتماعي، اذ ان ما يبقى غير متغير تقريبا في مضمار عشرات الالوف من السنين لا يمكن ان يكون سبب التطور الرئيس فيما تطرأ عليه تغييرات اساسية خلال بضع مئات من السنين.
ثم انه لاشك ان مفهوم "ظروف حياة المجتمع المادية" يتضمن ايضا نمو السكان، كثافة السكان بهذه الدرحة أو تلك، لان الناس عنصر جوهري في ظروف حياة المجتمع المادية، ومن دون عدد ادنى من الناس لا يمكن ان تكون حياة مجتمع مادية. اليس نمو السكان القوة الرئيسة التي تقرر طابع النظام الاجتماعي الانساني؟
ان المادية التاريخية تجيب على هذا السؤال بالسلب.
بالطبع ان نمو السكان يؤثر في تطور المجتمع، يسهل أو يعيق تطور المجتمع، الا انه لا يمكن ان يكون القوة الرئيسة في تطور المجتمع، وان تأثيره على تطور المجتمع لا يمكن ان يكون تأثيرا مقررا لان نمو السكان بحد ذاته لا يقدم مفتاح مسألة من السبب في ان يحل هذا النظام الاجتماعي الجديد وليس نظام اجتماعي اخر محل النظام الزائل، لماذا يحل النظام العبودي محل نظام المشاعية البدائية، ولماذا يحل النظام الاقطاعي محل النظام العبودي، ولماذا يحل النظام البرجوازي محل النظام الاقطاعي، وليس نظام اخر.
لو كان نمو السكان القوة المقررة لتطور المجتمع، لترتب على ذلك ان ينشأ النوع الاعلى من النظام الاجتماعي بالتناسق مع اعلى كثافة للسكان. لكننا لا نجد ان الحال بهذا الشكل. ان كثافة السكان في الصين تبلغ اربعة اضعاف كثافة السكان في الولايات المتحدة الاميركية، ومع ذلك فان الولايات المتحدة الاميركية اعلى من الصين في مقياس التطور الاجتماعي، اذ ان النظام شبه الاقطاعي مازال سائدا في الصين، بينما بلغت الولايات المتحدة منذ امد بعيد اعلى مرحلة في تطور الراسمالية. وان كثافة السكان في بلجيكا هي تسعة عشر ضعفا من كثافة السكان في الولايات المتحدة الاميركية، وستة وعشرين ضعفا من كثافة السكان في الاتحاد السوفييتي ومع ذلك فان الولايات المتحدة الاميركية اعلى من بلجيكا في مقياس التطور الاجتماعي وبالنسبة للاتحاد السوفييتي تتأخر بلجيكا عصرا تاريخيا كاملا وراء هذا القطر، اذ ان النظام الراسمالي ما زال سائدا في بلجيكا بينما تخلص الاتحاد السوفييتي من الراسمالية واقام النظام الاشتراكي.
ينجم عن هذا ان نمو السكان ليس ولا يمكن ان يكون القوة الرئيسة لتطور المجتمع، القوة التي تقرر طابع النظام الاجتماعي، ملامح المجتمع.
أ) فما هي القوة الرئيسة في جملة ظروف حياة المجتمع المادية التي تقرر ملامح المجتمع وطابع النظام الاجتماعي، وتطور المجتمع من نظام إلى نظام آخر؟
تعتبر المادية التاريخية ان هذه القوة هي اسلوب الحصول على وسائل الحياة الضرورية للوجود الانساني، طريقة انتاج القيم المادية، الطعام، الكساء ، الحذاء، المأوى، الوقود، ادوات الإنتاج الخ.. – القيم اللامفر منها لحياة وتطور المجتمع.
لكي يعيش الناس عليهم ان يحصلوا على الطعام والكساء والحذاء والماوى والوقود الخ.. ولغرض الحصول على هذه القيم المادية، على الناس ان ينتجوها، ولكي ينتجوها على الناس ان يحوزوا على ادوات الإنتاج التي تنتج الطعام والكساء والحذاء والمأوى والوقود الخ..، يجب ان يكونوا قادرين على انتاج هذه الادوات وعلى استعمالها.
ان ادوات الإنتاج التي يجري بها انتاج القيم المادية والناس الذين يشغلون ادوات الإنتاج وينفذون انتاج القيم المادية بفضل درجة من التجربة الاجتماعية والمهارة العملية، كل هذه العناصر مجتمعة تشكل قوى الإنتاج في المجتمع.
الا ان قوى الإنتاج ليست سوى وجه واحد للانتاج، سوى وجه واحد من اسلوب الإنتاج، وجه يعبر عن الانسان بمواد قوى الطبيعة التي يستفيد منها في انتاج القيم المادية. وجه اخر للانتاج، وجه اخر لاسلوب الإنتاج، هو علاقة الناس ببعضهم البعض في عملية الإنتاج، علاقات الإنتاج بين الناس. فالناس يخوضون نضالا ضد الطبيعة ويستعملون الطبيعة لانتاج القيم المادية ليسوا منعزلين عن بعضهم البعض، ليس بصفتهم اشخاص منفصلين، بل جماعة، في جماعات، بمجتمعات. وعليه فان الإنتاج في جميع الازمان وتحت جميع الظروف هو انتاج اجتماعي. في انتاج القيم المادية يدخل الناس في علاقات متبادلة من نوع أو أخر ضمن عملية الإنتاج، في علاقات انتاج من نوع أو آخر. قد تكون ثمة علاقات تعاون ومساعدة متبادلة بين الناس الاحرار من الاستغلال، وقد تكون علاقات سيادة واخضاع، واخيرا قد تكون علاقات انتقالية من شكل من علاقات الإنتاج إلى شكل آخر. ولكن مهما يكون طابع علاقات الإنتاج، فانها، دائما وفي كل نظام، تشكل عنصرا جوهريا للانتاج شأنها في ذلك شأن قوى الإنتاج الاجتماعي.
يقول ماركس:
"في الإنتاج لا يعمل الناس على الطبيعة فقط بل يعملون على بعضهم البعض وضمن هذه الارتباطات والعلاقات الاجتماعية فقط يحدث عملهم على الطبيعة، انتاجهم." (كارل ماركس، مختارات، الطبعة الانجليزية م 1 ص 364)
نتيجة لذلك فان الإنتاج، اسلوب الإنتاج، يضم قوى الإنتاج الاجتماعية وعلاقات الإنتاج بين الناس كلاهما معا، وهو بذلك تجسيد وحدتهم في عملية انتاج القيم المادية.
ب) ان احدى خواص الإنتاج هي انها لن تبقى ثابتة على نقطة واحدة لمدة طويلة بل هي دائما في حالة تغير وتطور. اضف إلى ذلك تستدعي التغيرات في اسلوب الإنتاج بالضرورة تغيرات في النظام الاجتماعي، والاراء الاجتماعية، ووجهات النظر السياسية والمؤسسات السياسية – تستدعي اعادة بناء كامل النظام الاجتماعي والسياسي. في المراحل المختلفة للتطور يستخدم الناس اساليب انتاج مختلفة. ولوضع ذلك بمزيد من البساطة يعيشون اساليب حياة مختلفة. في المشاعية البدائية يوجد اسلوب انتاج واحد، في العبودية يوجد اسلوب انتاج آخر، في الاقطاع يوجد اسلوب انتاج ثالث، وهكذا دواليك. وعلى هذا المنوال يختلف كذلك نظام الناس الاجتماعي، الحياة الروحية للناس، نظرتهم السياسية ومؤسساتهم السياسية.
وكيفما يكون اسلوب انتاج مجتمع ما، هكذا يكون، بصورة اساسية، المجتمع نفسه، آراؤه ونظرياته، وجهات نظره السياسية ومؤسساته السياسية.
أو، لوضع ذلك بمزيد من البساطة، كيفما يكون اسلوب حياة الانسان، هكذا يكون اسلوب تفكيره.
هذا يعني ان تاريخ تطور المجتمع هو قبل كل شيء تاريخ تطور الإنتاج، تاريخ اساليب الإنتاج التي خلف احدها الاخر في مسرى القرون، تاريخ تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج بين الناس.
وعليه، فان تاريخ التطور الاجتماعي هو في نفس الوقت تاريخ منتجي القيم المادية انفسهم، تاريخ الجماهير الكادحة الذين هم القوة الرئيسة في عملية الإنتاج والذين ينجزون انتاج القيم المادية الضرورية لوجود المجتمع.
ولهذا فاذا اريد ان يكون علم التاريخ علما حقيقيا، فلا يمكن بعد الان اختزال تاريخ التطور الاجتماعي إلى اعمال الملوك والجنرالات، إلى اعمال "الفاتحين" و "مخضعي" الدول، بل يجب فوق كل شيء تكريس نفسه إلى تاريخ منتجي القيم المادية، تاريخ الجماهير الكادحة هذه، تاريخ الشعوب.
ولهذا فان مفتاح دراسة قوانين تاريخ المجتمع يجب الا نبحث عنه في ادمغة الناس، في نظرات واراء المجتمع، بل في اسلوب الإنتاج الذي مارسه المجتمع في اية فترة تاريخية، علينا ان نبحث عنه في الحياة الاقتصادية للمجتمع.
ولهذا فان المهمة الرئيسة لعلم التاريخ هي دراسة وكشف قوانين الإنتاج، قوانين تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، قوانين تطور المجتمع الاقتصادي.
ولهذا اذا اراد حزب البروليتاريا ان يكون حزبا حقيقيا، عليه فوق كل شيء ان يحوز على معرفة قوانين تطور الإنتاج، قوانين تطور المجتمع الاقتصادي.
ولهذا اذا اراد الحزب الا يخطئ في السياسة، عليه سواء في وضع منهاجه أو في نشاطاته العملية ان ينهج بالاساس من قوانين تطور الإنتاج، من قوانين تطور المجتمع الاقتصادي.
يتبع



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World