نقد -الرأسمالية الخضراء-

الطاهر المعز
husseinahwazy@gmail.com

2023 / 9 / 1

عرض وجهات نظر "أندرياس مالم" (Andreas Malm )

كان "أندرياس مالم" (وُلد سنة 1977 بالسُّويد) معروفًا كمناضل وباحث اشتراكي (ماركسي)، وتعتبره صُحُف اليمين السويدي "مُتَطَرِّفًا" بسبب نشاطه ضد الإحتلال الصهيوني ومن أجل حقوق (أو بعض حقوق) الشعب الفلسطيني، ثم اكتشف جزء من قُرّائه اهتمامه بالبيئة من وجهة نظر ماركسية، لما نشر كتابه "رأس المال الأحفوري"، حيث يتطرق إلى هيمنة النمط الرأسمالي على الإنتاج وتزايد استخدام الوقود الأحفوري، ما يُؤَدِّي إلى تغير المناخ، وفجأة أصبحت الرأسمالية وحكوماتها تدّعي الدّفاع عن البيئة وعن سلامة المحيط، وهو ما يُسمِّيه "أندرياس مالم" بالرأسمالية الخضراء، كما انتقد مجموعات "الخُضْر" وكتب "تميل مجموعات التغير المناخي إلى تجنب القضايا الطبقية والسياسات المناهضة للرأسمالية"

ظَهَر "مالم"، من خلاله بحوثه وكُتُبِهِ الأخيرة كأحد رموز الماركسية البيئية، ويتطرق إلى تاريخ الرأسمالية القائمة على الوقود الأحفوري، والنقاش الفلسفي حول الطبيعة والمادية، وبناء أجندة اشتراكية بيئية. ألف العديد من الكتب، منها "رأس المال الأحفوري"، و"كيفية تفجير خط أنابيب"، و"الخفاش ورأس المال".

لَخَّص أندرياس مالم في مقابلة أجريت معه حول التغييرات المناخية، بعض أفكاره الأساسية، وانتقد المجموعات المدافعة عن البيئة والمُهتمّة بالتغييرات المناخية، وخاصة تلك الموجودة في "الشمال" التي تتجنب تحميل الرأسمالية والنشاط الصناعي والزراعي مسؤولية التّلوث، كما تتجنب هذه المجموعات الخوض في قضايا الفوارق الطبقية التي تجرّ إلى الحديث عن المساهمة الضّئيلة للفقراء في تلويث المُحيط، كما يتطرّق إلى اختلاف رؤية هذه المجموعات مع رؤية مجموعات دول "الجنوب"

يُنْكِرُ البَعْضُ أزمة المناخ، خصوصًا في صف بعض الرُّموز السياسية مثل دونالد ترامب واليمين المتطرف، أمّا من يدافعون عن المحيط، فلا يُحَمِّلُ العديد منهم مسؤولية التلوث وتغيير المناخ لنمط الإقتصاد الرأسمالي في مجالات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والصناعات الحربية، ويكتفون بالحديث عن الوقود الأحفوري وبعض المواد الأولية التي توجد في البلدان الفقيرة (بُلدان الجنوب)، وتندرج معظم تيارات أحزاب الخُضْر والمُدافعين عن البيئة في الدّول الرأسمالية المتطورة، ضمن هذه الإتجاهات، لتُحَمّل الأفراد (حيثما كانوا) مسؤولية التّلوث وتغيير المناخ، وتهمل أو تتلافى تحميل المسؤولية الكاملة للصناعات الكيماوية والصناعات الحربية والنّقل (الطائرات والسيارات والشاحنات )، كما تُهْمل الطّابع الطّبقي لتبعات التلوث، فالفُقراء هم أول المتضررين من كافة أنواع التلوث، بحكم السّكن قريبًا من الطرقات الكبيرة ومن المناطق الصّناعية ومن مكبّات النّفايات، كما يتضرر العاملون في المصانع بدون وقاية، والعاملون في قطاع الزراعة الذي اجتاحته المواد الكيماوية والمبيدات المُسَرْطَنَة والأسمدة الكيماوية...

تنطلق "الرأسمالية الخضراء" من فَرَضِيّة إمكانية حل المشاكل البيئية، دون مواجهة رأس المال لإنهاء الإعتماد على الصناعات المُلَوِّثَة، ودون التّصدّي للحُروب العدوانية التي يَشُنُّها حلف شمال الأطلسي، بزعامة الإمبريالية الأمريكية، ويؤكد "أندرياس مالم" إننا بحاجة إلى استراتيجية ثورية يمكن أن تنطلق بوسائل جماهيرية مثل العصيان المدني والتنظيم الجماعي لتحدي النظام قبل العمل على تغييره (وخَلْق البديل)، ولوضع حدّ لتداول المبيدات والمواد الكيماوية السّامّة والوقود الأحفوري، في إطار تغيير جذري لنمط الإنتاج ولنمط المجتمع الذي نريده لنا ولأبنائنا ولأحفادنا، وسبق أن تطرّق الكاتب إلى هذه المواضيع في بعض مُؤلّفاته السّابقة، ومنها “الخفاش ورأس المال”، ويرتكز على دمج النضال من أجل العدالة الاقتصادية والاجتماعية مع مكافحة تغير المناخ، ضمن أُطروحته الدّاعية إلى ما يُسمِّيها "الإشتراكية البيئية" التي لا تفصل النضال ضد الاستغلال الرأسمالي عن النضال من أجل الحفاظ على البيئة، ويُلِحُّ على ضرورة التعبئة الجماهيرية والعمل الجماعي.

يقدم أندرياس مالم نفسه كناقد للوضع لكنه لا يكتفي بالنّقد، بل يسعى من خلال منشوراتها وعمله الأكاديمي ونضاله الإجتماعي إلى الدعوة إلى تحول نموذجي نحو نظام اشتراكي بيئي قادر على تحقيق العدالة الإجتماعية، والتصدي بفعالية لتحديات أزمة المناخ.

يُواجه "أندرياس مالم" حَمْلَة تستهدفه وتستهدف بحوثاته ودراساته المنشورة، ويتم وصفه بالتّطرّف (اليساري، لأن اليمين المتطرف يحكم أوروبا ضمن ائتلافات سياسية) لأنه متمسّك بالإشتراكية ويُساهم بأفكاره وبحضوره في النّضال الإجتماعي، ولأنه يُشارك في النشاط المناهض للحروب ولاحتلال أراضي البُلدان في إفريقيا وآسيا، ولأنه يدعم نضال الشعب الفلسطيني، ومن المُطّلعين على الأدب العربي المُعاصر، حيث يستشهد بعبد الرّحمان منيف وغسّان كنفاني وإبراهيم الكُونِي (على سبيل الذّكر لا الحَصْر) في تناولهم للأضرار المُباشرة والجانبية للنفط، منذ ستينيات القرن العشرين، وتناولهما لزحف الصّحراء وصعوبة العيش بها (رجال في الشّمس – غسّان كنفاني) وكافة أعمال عبد الرحمان منيف (مُدُن الملح على سبيل المثال)، فيما أدرجه ضمن "أدب المناخ"، أو أدب الوقود الأحفوري كما وصفه في دراسة نُشرت له سنة 2017 ويتوقف طويلا عند رواية غسان كنفاني "رجال في الشّمس" ووصف الصحراء بحرارتها الجهنمية القاتلة وبأنابيب النّفط التي تشقّها الخ



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World