سوف تقابل غريبا طويلا مظلما 2010(وودي ألن):خلط أوراق الحياة

بلال سمير الصدّر
belalalsader@yahoo.com

2023 / 8 / 26

يقول شكسبير:الحياة ملئت بالغضب والانفعالات وفي النهاية تشير الى عدم
هذه الافتتاحية ليست بعيدة عن أجواء وودي الن،فمن ذا الذي فكر بالعدم أو بالموت أكثر من وودي ألن،لكن هذا القيلم يبدو بعيدا نوعا ما عن عوالم وودي ألن المألوفة،بحيث بدا تشريحا للحياة أكثر منه كتوجيه الانتقاد التقليدي لها-اي الحياة-وكان حال وودي الن وكانه يقول جملة الوجوديين المفضلة:
حياة تنتهي بالموت لماذا اعيشها من أساسه...؟!
الفيلم يبدو عن الوهم الذي نعيشه في هذه الحياة،لأن الحياة حتى لو رتبت لنا بالطرق التي نرغب بها،فالسعادة فيها طريق مغلق...من الجيد ان نتمسك بالوهم لنضحك على انفسنا ونشعر بلمحة ابتسامة الوجود من حولنا...الأمر لايعني الشعور بالوجود نفسه بل ما هو أكثر...الشعور بالحياة كشيء من الممكن ان يجلب البهجة...
هيلينا شيرج امرأة مسنة في اوسط الستنينات من عمرها ترغب بقراءة مستقبلها،وهي منفصة عن زوجها حديثا ألن شيرج(انتوني هوبكنز)،الذي استيقظ مرة في منتصف الليل متصورا الأبدية ثم استلقى مع عرق بارد ولم يستطع الرجوع الى النوم منذ حينها...
لكن هناك عمر طويل في جيناتي وهذا ما يهم...
أول وهم مزيف هو وهم آلني الذي يعتقد بانه مفصول عن العدم بجينات الخلود وهذا سيقوده الى تزييف حياته اكثر...الى التمسك بآمال هو يعرف بانها مزيفة ولكنه يتغاضى عنها لاشعوريا في تمام عقله الباطن،لأنه وبالرغم من كل شيء لازال في العمر بقية...
أما هيلين،فقد اخذت الأمر بشدة وابتلعت أربعين قرصا منوما واصبحت رسميا العبئ على كاهل ابنتها الوحيدة...سالي
سالي(ناعومي واتس) متزوجة من روي الطبيب،الذي ترك الطب متمسكا بامل ان يصبح كاتبا معتمدا على رواية وحيدة ناجحة كتبها ذات مرة،ومنذ ذاك لم يحصل سوى على الفشل المتكرر...
لكن هل خلط اوراق الحياة مرة اخرى ستضفي اي لمسة من سعادة على روتين حياتنا المقرف ؟!
تحاول سالي أن تضفي الترتيب على حياتها ولكنها تفشل وتنضم للعمل في معرض فني يديره لويس غيلر(انتنونيو باندرياس)،وسرعان ما ستقع في غرامه ولكنه لا يبادلها أية مشاعر بل يقع في غرام صديقتها التي عرفتها عليه للتو....
كانت سالي تتمنى ان يبادلها المشاعر ولكنها قدريا وقعت في فخ القدر،لأن غيلر وقع في غرام شخص قادته اليه بنفسها،هل من الممكن ان تتغير ألوان القدر...هل لولم تقرر هذه الصدف العمياء ،هل كان من الممكن ان يقع غيلر في غرامها...هل من الممكن أن يبادلها اي شيء من المشاعر؟ّ!
وهل ترتيب الأوراق،او اعادة ترتيب الأوراق سيجلب لنا أي شيء من السعادة
اليست السعادة عبارة عن مهدئ...عن تكرار هي الأخرى...؟!
اليست رحل الاستجمام هي فقط مهدئ لقتل الملل...؟!
أليس التواجد في مكان واحد لفترة طويلة سيضفي على هذا المكان لمسة من ملل حتى لو كان هذا المكان الجنة نفسها...؟!
الواقع الحقيقي أن الانسان محكوم بالتكرار،فالسعادة لو تكررت لفترة طويلة ستصبح تكرار...ستصبح عبارة عن سعادة جوفاء ومن ثم كارثة او انهيار عصبي أو مرض نفسي من الممكن ان يؤدي الى الانفجار،لذلك تجد اكثر الزيجات سعادة تنتهي بالفشل ...لنتحدث عن حالة آلني المأساوية:
يمارس آلني القصة الاكثر تقليدية،فهو في الستين المفعم بالحياة ذو الأمال الطويلة،الذي لازال يحلم باننه الذي لم يوجد بعد فيتزووج الشابة التي ستعطيه الأمل من جديد أو كما يعتقد ستعطيه الروح المفقودة للمواصلة من جديد...
ولكن،ان تكون هذه المراة ليست سوى عاهرة تعرف عليها في موعد جنسي فهذا عين الزيف...
آلني يعيد خلط أوراق الحياة فعلا،ولكنه يعيد بناء حطام حياته بالزيف،بأمرأة تزوجته من اجل أمواله وكانا يعرفان مسبقا بانها ستخونه...الموضوع برمته عبارة عن خلطة غير معقدة لتحقيق سعادة حتى لو كانت موهومة .....بالخيط الرفيع
تقول هيلينا الستينية:انا وكرستي-العرافة أو قارئة الطالع-تكلمنا عن التقائي بحب جديد
هذه أخبار مثيرة،أليس كذلك روي
تعليق روي:نعم،ستلتقين بغريب طويل واسمر ...أو مظلم
الأسمر الذي نلتقيه كلنا يوميا...؟!
قد تكون هذه العبارة مفتاحا لفهم الفيلم...قد تكون هذه العبارة رمزا للقدر أو ربما رمزا للموت
روي يفشل في الكتابة،ولكن تشاء الصدفة ان يموت ستالينغر صديقه غير المقرب المعجب روي بانتاجه الأدبي أشد الاعجاب..
في هذه اللحظات،مع اتجاه حياته الى الحضيض كل ما اراده هو رؤية ديا،ولكن حتى لولم تكن على وشك الزواج،فأي فرصة لديه...؟!
كاتب فاشل يبلغ من العمر 38 عاما عضو في نادي الوعود السابقة...
فقط،عندما تعتقد أن الأمور لايمكن ان تكون أسوأ يريك القدر أن هناك مشاكل أكبر مما لديك الآن...
هذا الشيء جعله يشعر كم الوجود سريع وقابل للعطب،ومن هنا خطرت له فكرة مجنونة...سترنغلر كان يعيش وحيدا،لم يكن لديه عائلة،ولم يكن لديه وقت لأمرأة في حياته وكان متكتما جدا حول روايته الأولى.
الرجل كان وحيدا،مثاليا وجادا بعمله...على الأكثر عبقري،من يكتب اول كتاب له بروعة كتلك....ولكن بشكل مأساوي وسريع جدا...فأنه قد مات
طبعا يمارس روي الانتحال ويحقق النجاح الادبي ويتزوج من ديا...لكن سترنجلر في الحقيقة لم يمت بل هو في غيبوبة تشير كل الدلائل بانه على وشك الاستيقاظ منها...
الحياة بلهاء ولايمكن ان تحقق لأي انسان مبتغاه،وحتى لو حققت جزافا سيهرب الانسان منها كأكثر طريقة ناجعة لمواجهة الملل.
الفيلم هو عن الانفصالات الدائمة والاتصالات...وهكذا...بمعنى آخر هو فيلم عن التكرارات،أي هو فيلم عن الحياة نفسها التي في ظاهرها تبدو مقبولة لأننا حاولنا تبديلها حتى بخداع انفسنا،ولكنها تخفي روتينا أحمقا سيفهمه المرء لاحقا لانه يعيش في عود أبدي من تكرار لنفس القصص،ولكن بالتأكيد فهذه الروتينية ليست على نمط أنتونيوني أبدا...
لكن كيف سنواجه هذه الحياة...كيف سنواجه حتى يأتي ذلك الطويل المظلم الذي سنلتقيه ذات يوم...بمعنى آخر كيف سنواجه العدم...؟!
فيلم سوف تلتقي بذلك الغريب الطويل المظلم فيلم رائع،قال فيه وودي ألن الكثير،واختزل فيه الكثير أيضانولكن ليس على طريقة الفلسفة،بل على طريقة الحياة نفسها،وعلى طريقة وودي ألن ...
السلسلة الكوميدية السوداء ذات اكبر علاقة بالصدفة التي أحيانا لايمكن تصديقها.
29/04/2023.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World