الاستعمار الحديث و نظامه النقدي

آدم الحسن
ifari8686@yahoo.com

2023 / 8 / 7

الأداة الأساسية للاستعمار بصورته الحديثة هي النظام النقدي الغير عادل السائد حاليا في العالم , من خلال هذا النظام يتم سرقة ثروات الشعوب المسْتعمَرة و قيمة عملها و بسببه اصبح العالم الان منقسم الى كتلتين من الدول :
الكتلة الأولى : تشمل الدول الصناعية الرأسمالية و على رأسهم مجموعة الدول الصناعية السبعة , امريكا و المملكة المتحدة و ألمانيا و فرنسا و اليابان و ايطاليا و كندا .
هذه الكتلة هي التي تتحكم بالنظام النقدي العالمي السائد و تدير حركته و تضبط ايقاع متغيراته بما يخدم مصالحها التي تنتعش على حساب مصالح شعوب اخرى .
الكتلة الثانية : تشمل باقي دول العالم الخاضعة للنظام النقدي العالمي السائد و المتضررة منه , حيث يمكن تسميتها بكتلة الدول الخاضعة للاستعمار الحديث .
كي تحصل أي دولة من دول الكتلة الثانية على العملات الصعبة عليها تصدير منتجاتها أو ثرواتها الطبيعية , أما حين تحتاج دولة من دول الكتلة الأولى , على سبيل المثال امريكا , الى آلاف المليارات من الدولارات فما عليها سوى إنفاق هذا المبلغ و تسجيله في صفحة الأنفاق الحكومي , إن لم يكن له ما يغطيه من الايرادات الحكومية يتم تسجيله في سجل الدين العام .
يتطلب التصديق على الميزانية الفدرالية في امريكا بما فيها من عجز بترليونات الدولارات اتفاق بين السلطتين التشريعية و التنفيذية , الكونغرس و إدارة البيت الأبيض الأمريكي .
احيانا يحصل خلاف بين الحزبين الأمريكيين , الجمهوري و الديمقراطي على حجم الزيادة في الدبن العام , لكن بمجرد حصول اتفاق سياسي بين هذين الحزبين على صيغة للأنفاق ضمن الميزانية الفدرالية التي ينتج عنها زيادة في مقدار الدين العام , و حين يصل الدين العام الى سقفه الأعلى يتم رفع هذا السقف بقرار يصدره الكونغرس الأمريكي , عملية سهلة جدا , تتمكن الحكومة الأمريكية بواسطتها الحصول على آلاف المليارات من الدولارات دون أن تبيع ثروات طبيعية أو منتجات , بهذه الترليونات من الدولارات التي اضيفت على الدين العام تستطيع امريكا شراء ما تحتاجه من مواد أولية و سلع و خدمات من الدول الأخرى , لذا فإن جزء من رفاهية المجتمع الأمريكي مصدره نهب ثروات و منتجات شعوب اخرى .
الدين العام الأمريكي هو الأخطر على الاقتصاد العالمي لكونه اكبر دين عام , و هو عبارة عن قروض من بنوك مركزية لدول عديدة و من مؤسسات مالية و بنوك امريكية و أجنبية , كل هذه القروض هي على شكل سندات لدعم خزينة الحكومة الفدرالية .
بدأ أول ظهور لمشكلة الدين العام في امريكا سنة 1939 حين تجاوز انفاق الحكومة الفدرالية الأمريكية على إيراداتها اكثر من الحد الذي سمح به الكونغرس الأمريكي , ثم اخذت مشكلة هذا الدين تكبر شيئا فشيئا و كالتالي :
اولا : وصل الدين العام الأمريكي في بداية القرن الحالي و تحديدا سنة 2000 الى حوالي خمسة ألاف مليار دولار ( 5 ترليون دولار )
ثانيا : ازداد الدين العام بوتائر اعلى ليصل سنة 2009 الى حوالي 9 ترليون دولار , و في سنة 2011 وصل الى حوالي 13.3 ترليون دولار .
ثالثا : في هذه السنة , 2023 , وصل الدين العام الأمريكي الى رقم فلكي , حوالي 31.4 ترليون دولار , و لأن هذا الدين قد وصل الى السقف الأعلى الذي سمح به الكونغرس الأمريكي , تطلب مرة اخرى رفع السقف الأعلى للدين العام الى اتفاق سياسي بين الحزبين الديمقراطي و الجمهوري حيث تم الاتفاق على رفع هذا السقف الى حوالي 33 ترليون دولار .
من المتوقع وصول الدين العام الى سقفه الأعلى الجديد في السنة القادمة 2024 , ستتكرر المشكلة و ستظهر حاجة ملحة لرفع السقف الأعلى للدين العام من جديد .
بسبب هذا الصعود المستمر للدين العام الأمريكي و عدم وجود أي مؤشر من ان الدين العام الأمريكي سيتوقف عند حد ما , اصبح هنالك العديد من علامات الاستفهام على مستقبل الاقتصاد الأمريكي و على مكانة الدولار في النظام النقدي العالمي .
ما يحصل الان للاقتصاد الأمريكي هو تأجيل موعد حدوث انهياره الكبير و ذلك حين تعجز الحكومة الفدرالية في إيجاد من يقدم لها المزيد من القروض فستتخلف عن سداد مستحقات الدين العام الذي بذمتها , عندها سيرى العالم سلسلة طويلة من إفلاس لبنوك و مؤسسات مالية عديدة ليس في امريكا فقط بل في عموم العالم .
الكثير من الدول بدأت تدرس بجدية حماية اقتصادها من النظام النقدي السائد حاليا فاتجهت نحو تشكيل تكتلات اقتصادية كبيرة بمعزل عن نادي مجموعة السبع الكبار ، فنشأت منظمة شنغهاي للتعاون و مجموعة بريكس و تكتلات ناشئة أخرى ، اساس هذه التكتلات الاقتصادية و اهدافها هي المصالح و المنافع المشتركة للدول الأعضاء فيها و لإيجاد نظام نقدي يعتمد على التبادل التجاري بين دولهم بعملاتهم الوطنية , ليكون هذا النظام موازي للنظام النقدي السائد حاليا , ليشكلا معا نظام نقدي عالمي جديد يحقق العدالة في التبادل التجاري بين كافة الدول و لا يسمح بنهب ثروات و عمل شعوب لمنحها دون وجه حق لشعوب اخرى.
خمسة دول , روسيا و الصين و الهند و البرازيل و جنوب افريقيا , هي اولى الدول التي دعت لبناء نظام نقدي جديد ليس فيه دول مستفيدة منه على حساب دول اخرى متضررة , لقد لاقت دعوة هذه الدول الخمسة ترحيب و دعم من دول عديدة حيث صارت هذه الدعوة هدف للكثير من الشعوب , في المقابل , مجموعة الدول الصناعية السبعة ترى في الدعوة لبناء نظام نقدي عالمي جديد خطرا على رفاهية شعوبها , لكنْ من المؤكد أن عجلة التغيير سوف لن تتوقف و سينتهي عصر الاستعمار الجديد مع نهاية نظامه النقدي .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World