متاهةُ إمرأة

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 7 / 26

1
شوارعٌ مُثلجة ومُوحلة، تغمرها إضاءةٌ خفيفة، يطل عليها أبنيةٌ ذات واجهاتٍ ملوّنة، يمر بالقرب منها عدة أقنية تصبّ من ثم بالبحر. تلك الشوارع، تتفرّعُ عنها دروبٌ في شتى الإتجاهات، لتغدو كما لو أنها متاهةٌ صمّمها عقلٌ ماكرٌ كي يلتجئ الغريبُ، الساعي لقضاء وطره، إلى أيّ وكرٍ تحت أرضيّ تنيرُ قناديلُهُ الصغيرة الملوّنة الأجسادَ شبه العارية لبائعات الهوى. عادةً، فإنّ الوكرَ يحتلّه زوجٌ من الفتيات، تتناوبان في الظهور بملابسهما الداخلية في مكانٍ مكشوفٍ لأعين المارّة، لكنهما من الأنفة ألا تصدران أية إشارة لجذبهم أو إغرائهم. قد ترفعُ الواحدة عينيها إلى أحدهم، فتبتسمُ له لو راقتها ملامحَهُ الجميلة ـ كما جرى قبلَ قليل، لما مرّ دارين من المكان.
قالت له آينور هانم، التي مسّتها الغيرةُ كتيارٍ كهربائيّ هيّنٍ: " لقد أعجبت تلك الحسناءُ بك، ألم تلحظ ذلك؟ ". في الأثناء، كانَ دارين يتأمّلُ بعين الفنان أحدَ الأبنية الأثرية، الذي لاحَ من بهرجة واجهته أنه تحوّلَ إلى وكرٍ للذّة، مُتعدد الأغراض. أومأ إلى ذلك المبنى، قائلاً لرفيقته وكأنه لم يسمع كلامها: " من المؤلم رؤية عمارة تنتمي لعصر النبالة، وقد عوملت بهذه الطريقة المنحطّة "
" أتيتُ به لرؤية الحسناوات الدنماركيات، شبه العاريات، وهوَ يشيحُ نظرَهُ عنهن لكي يتطلّع إلى الحجارة! "، دمدمت آينور هانم. أنصتَ هذه المرّة لملاحظتها، فبادرَ للتعليق: " أعجبُ من سوقكِ لي إلى هكذا مكان، وأنتِ الغيّورة الكاسرة؟ "
" لستُ غيّورة إلى هذا الحدّ، لو شئتَ الإطمئنان. ومن ناحية أخرى، ربما أستعملكَ كفأر التجارب! "
" إطمأني، بَدوركِ، من ناحيتي. فأنا لا أعتقدُ أنّ الجمالَ الدنماركي يضيفُ شيئاً جديداً للجمال الإسكندينافي، الذي تذخرُ السويد بأمثلةٍ صارخة منه "
" أأتينا للتسلية والمتعة أم لإصداع الرأس بالفكر والفلسفة؟ "
" لا مانعَ من دمج الأمرين معاً، كما كانَ الحالُ قديماً في أثينا وروما "
" إذاً لِمَ أظهرتَ أسفك، لتحويلهم ذلك البناء القديم إلى مكان لهو؟ "
" كانَ في وسعهم جعله متحفاً لتاريخ الإيروتيك، على سبيل المثال "
" أظنهم أخذوا، سلفاً، بفكرتك "، قالت ذلك ضاحكةً وهيَ تشير برأسها إلى مكانٍ معيّن. كانا قد صارا بمقابل تلك العمارة، أينَ انبثقَ من دورها الأرضيّ " بوتيك " ذو واجهة زجاجية عريضة، حفلت بأدواتٍ جنسية: أعضاءٌ تناسلية صناعية، للجنسين؛ زنانيرٌ يشدّ كلّ منها عضوين من الكاوتشوك المرن، أصغرهما للإيلاج في المؤخرة؛ سياطٌ وأقنعةٌ وسلاسلٌ حديدية، للجلد والتنكيل والتقييد؛ قواريرُ مراهم، لمختلف الإستعمالات الخ.
علّقت آينور هانم على تلك التفاصيل، بشيءٍ من التقزز: " إنها أدواتُ تعذيبٍ ساديّة، وليست أدواتٍ للمتعة الجنسية "
" على فكرة، هل قرأتِ شيئاً للمركيز دوساد؟ "
" لا، والشكرُ لله "
" لِمَ هذا التحفّظ، والرجلُ كاتبٌ مُهم عزت له السوريالية دوراً في تحديث الأدب؟ "
" لم أقرأ له، والسلام. وأنتَ؟ "
" قرأتُ له قصة واحدة، محورها جدالٌ بين رجلٍ مُلحد وكاهنٍ. كذلك، قرأتُ سيرة حياته. وعلى فكرة، تم إنتاجُ فيلمٍ هوليووديّ، ركّزَ على واقعة عشق دوساد لشقيقة زوجته "
" قرأتُ تحليلاً لدافعه الجنسيّ في أحد كتب فرويد، أو ربما كولن ويلسون، لا أذكرُ على وجه الدقّة. لقد أخضِعَ دوساد في أوان مراهقته لإمتحانٍ شاذ، حينما قامت خادمة بمضاجعته فيما زميلتها كانت تجلده بسوط "، قالت ذلك ثم أضافت وهيَ تنظرُ بعينيّ عشيقها: " إنني استعدتُ مرةً تلك القراءة، فيما كنتَ تحملني على الخضوع لتجربةٍ لا تقلّ شذوذاً "
" لا تخلطي الأمورَ بعضها ببعض، لمُجرّدَ أن تُقنعي نفسكِ بأنكِ تعاشري شخصاً سادياً "
" إعتبر إذاً أنك لم تسمع شيئاً، لأنني لا أرغبُ بتعكير صفو هذه الليلة الجميلة "، قالتها فيما تعتنقه بحنان. فكّرَ دارين، وهو يتخلّص بلطف من يديها، المكسوتين بقفّاز ثمين: " أساساً قد خططت لجلبي إلى هذا المكان المَشبوه، ثم تخبئ وجهها وراء قناع العاطفة النقيّة ". وكما لو أنه حزرَ نيّتها، فإنها ما عتمَ أن قدّمت هذا الإقتراح الغريب: " دَعَنا نرى ما يُخفي هذا البناءُ من فنون الجنس، بما أننا قدمنا بهدف التسلية "
" والمُتعة أيضاً "، أكملَ ساخراً. لكنها عادت لتُمسك بالرسن، فدفعت العشيقَ أمامها باتجاه مدخل العمارة. صعدا السلالمَ الحجرية، المَفروشة بسجّاد حائل اللون، وفي كلّ مرةٍ كانا يتوقفان قليلاً في أحد أدوار العمارة: كانَ الدورُ الأول يضمّ صالةً لعرض الأفلام الإباحية، وقد أثارت اشمئزازهما لمشاهد بعض روّادها، المُتّسمة بالشذوذ والتهتّك. أما الدور الثاني، فكانَ عبارةً عن مسرح لعروض خلاعية عارية ( ستربتيز )، فيما تناثرَ عددٌ كبير من الروّاد أمام العرض أو بين المناضد؛ وكان في خدمتهم بارٌ، إحتلّ إحدى زوايا الصالة.
في الدور الثالث، طلبت آينور هانم من عشيقها أن يأخذا كأساً. كان يشغلُ المكانَ حجرةٌ مستطيلة، إنارتها ساطعة، مفتوحةٌ على فناءٍ يُفضي إلى دورة المياه. الحجرة، كانت تحوي البار وفي مقدّمته الكونتوار على شكل قوس، يضمّ دزينةَ كراسٍ عالية. ثمة، وراء السدّة المُلبّسة بالبلور، وقفت ساقية تخدمُ الزبائنَ وكانَ بينهم إمرأة مع صديقها. الساقية، كانت فتاة شقراء ذاتَ حُسنٍ باهر وقوامٍ خلّاب، لا تكتسي سوى بسروالٍ داخليّ يكشفُ ما تقدّمَ وما تأخّرَ. عندما يطلبُ الزبونُ شراباً، فإنّ الساقية كانت تنحني لملء الكأس، وذلك لكي تُظهر فتحةَ ردفيها العارمين وقد شقّها خيطُ السروال ـ كما تفعلُ بأشعّة الشمس، سحابةٌ نحيلة.
في الأثناء، كانت الساقية تُجيب على أسئلة الزبائن؛ بما فيها الأكثر خصوصية وإبتعاداً عن الحشمة. سرعانَ ما لحظت زهدَ دارين، ولاحَ أنها أعجبت به سلفاً. لقد تجلّى مسلكه حينَ أمتنعَ عن لَمْسِ فَرْجها، عقبَ تصريحها للآخرين بهذا الفعل. وكانت قد خلعت السروالَ في آخر الأمر، مبررةً ذلك بالقول: " أقتربت نمرةُ الستربتيز، وعليّ أن أكتسي بملابس مُعيّنة للعرض ". لكن، كما تبيّنَ تواً، كانت فتاةً ذكية. إذ أدركت بأنّ ذلك الشاب الزاهد، المُحاطة قسماته المتناسقة بلحيةٍ في لون العسل، كانَ يتمعّنُ في ملامحها بعين فنان. لما صبّت له كأساً جديداً، سألته وهيَ ترطنُ بالسويدية: " أأنتَ رسّام؟ "
" إنه رسامٌ وكاتب! "، نبرت آينور هانم للردّ بلهجةٍ جافة بعض الشيء. ذوت ابتسامةُ الفتاة، فيما تتمتمُ: " آه، شيءٌ رائع ". للوهلة الأولى، بدا أنها خشيت من أنياب هذه اللبوة الغيورة، التي تحرسُ صاحبها بعينٍ يقظة. بعد قليل، ردّت على مكالمةٍ هاتفية، بكلمةٍ مُقتضبة: " أوكي ". ثم ما عتمَ أن خاطبت الزبائنَ: " حانت الآنَ نمرتي، وستأتي زميلتي إلى البار لتحلّ محلّي بشكلٍ مؤقت ". ثم إذا بها، على حين فجأة، تمسكُ بيد دارين: " أنتَ تعالَ معي، لتشهدَ العرضَ! ". مُشوّشاً بشدّة مع رأسٍ نال منه الكحولُ، ألقى نظرةً حائرة على صديقته. فطأطأت هذه رأسَها، علامةً على الموافقة. سرعانَ ما شقّ لنفسه طريقاً، وسط همهمات الزبائن، مُنجذباً إلى الجَسد العارم العُريّ ـ كأنه مغناطيسٌ. هكذا عبرَ المَدخلَ ومن ثمّ أنحدرَ في السلالم الحجرية، وصولاً إلى الدور الثاني. مثلما علمنا، كانَ دارين هنا قبلاً مع عشيقته وألقيا نظرةً فضولية عابرة على المكان قبل أن يصعدا إلى الدور الثالث.

2
وجدُ دارين نفسَهُ في قلبِ المكان، المُختنق بأنفاس التبغ والحشيش والعطور والعَرَق، وكانَ ما فتأ مُنوَّماً مغناطيسياً، طافياً فوق موجات الدخان الأزرق وأضواء الشهوة الحمراء والبنفسجية، وذلك قبل أن يغرق في زاويةٍ قاتمة وراء إحدى المناضد المستديرة، الدقيقة الحجم والمرتفعة. في الأثناء، خطرت بإزاء المناضد حورياتٌ شبه عاريات، يغرينَ الرجالَ بمرافقتهن إلى المَخادع، المنذورة للمُضاجعة. بالرغم من وجود الجمهور الصاخب، أحسّ دارين بالوحشة عقبَ افتراقه عن فتاة البار واختفائها خلف الكواليس. ثم ما عتمَ أن ظهرت هذه بملابس مكشوفة برّاقة، شبيهة بما ترتديه فتاة السيرك، لتؤدي عَرضاً مُبتذلاً على أنغام موسيقى طائشة، مشحونة بآهاتٍ شبقة وصرخاتٍ وحشيّة. راحت تدورُ حولَ عمودٍ معدنيّ، مُثبّتٍ بين الأرضية والسقف، لتمسك به من ثم فتحكّ به قِبْلها وكفلها، فيما قطع الملابس تتساقط ـ كأوراق الخريف ـ عن جسدٍ مصقولٍ ببراعةٍ ربّانية؛ وإن يكن رَخِصاً، مُباحاً.
" هل جرّتني إلى هذا المكان، لمُجرّد مُناكدة صديقتي الغيورة، أم لدافعٍ آخر؟ "، فكّرَ دارين وهوَ يشعرُ كأنه دخلَ مصيدةً. لكنه لم يستبعد أنها شأن زميلاتها الأخريات، تسعى إلى سحبه للمخدع كأيّ زبون. وكانَ قد صمّمَ على التملّص والعودة إلى البار، عندما وجدها تنبثقُ أمامه على حين غرّة ـ ما ولدت أفروديت، بكامل أنوثتها وعُريها، من صَدَفةٍ بحريّة.
قالت له الفتاة: " أنتَ هنا في هذا المكان، النائي؟ كنتُ أظنك تتابع العرضَ، هناك بمقدمة المسرح ". كانت بوداعة القطة، لما تمسّحت به. تلقاها واقفاً، مُحيطاً ردفيها بيديه وكما لو كان يُقدّر حجمَهما. طبعت قبلةً على فمه، ثم قالت: " لم أعرف اسمكَ، بعدُ؟ "
" اسمي دارين "
" كأنه اسمٌ روسيّ؟ "
" لا، إنه اسمٌ كرديّ "
" آه، لديّ صديقة كردية من تركيا "
" أنا كرديّ من سورية "
" وأنا مونيكا، كرديّة من الدنمارك! "، قالتها ضاحكةً. عادت لتقبّله، فانتقل من ثمّ بفمه إلى صدرها ـ كرضيعٍ جائع، يبحثُ في شراهةٍ عن ثدي الأم. همسَ ببعض القلق، وذلك بالرغم من أنّ الرغبة ولغت فيه مبلغاً جسيماً: " ألا يُحسن بنا العودة إلى البار؟ "
" أجل، ولكن عليك إنتظاري ثمة لحين أن تشير الساعة إلى انتصاف الليل "
" وبعد ذلك..؟ "
" لو شئتَ، سأذهبُ معك إلى الفندق "، أجابت ثم أضافت بسرعة: " كان بودي اصطحابك إلى شقتي، لولا أن صديقي هناك "
" أنسيتِ أنني مع صديقةٍ، أيضاً ؟ "، تساءلَ دارين بمزيدٍ من الخيبة. لقد فتنته بهذا الجسم المثاليّ، المُباح لعينيه. وكان يأملُ أن يُبْذلَ جسمُها لشهوته، بطريقةٍ ما، دونَ علم الأخرى. جواباً، أمسكت الفتاةُ بيده لتتجه معه إلى ناحية مدخل الصالة، المُنفتح على السلم الحجريّ. خاطبَ نفسَهُ في أثناء ذلك: " بما أنها قبّلتني وعرّفتني باسمها، فإنّها لا تعدّني زبوناً! ". بعدئذٍ استدركَ، وقد تمثّلت صورةُ الأخرى في ذهنه: " ولكن، ماذا لو أن آينور رجعت للفندق وحدها؟ ". شعورُ الغيرة، مَسَّهُ إلى حدّ ما حينَ رأى بعضَ الزبائن يلمسونَ مؤخرةَ الفتاة، ربما تعبيراً عن الإلفة والمعرفة، فيما هيَ تمرّ بمواقفهم في الطريق إلى الدور الثالث. شاءَ أن يستوقفها، بعدما عنّت فكرةٌ ملحّة لذهنه. سألها عندئذٍ في شيءٍ من التردد، عما لو كانَ صديقها قوّاداً. ردّت عابسةً: " إنه طالبٌ جامعيّ، يعملُ مساءً في مكتب أحد المحامين ". ثم أردفت: " لا تنسَ، أنني لستُ بائعة هوى! "
" آه، مفهوم. ولكنكِ بمرافقتي للفندق، ألا تخيّبين ثقةَ صديقك؟ "
" إننا على علاقةٍ حرّة، فلا يتدخل أحدُنا في شئون الآخر "
" أأنتِ كذلك، تدرسينَ القانون؟ "
" لا، أنا أدرسُ في معهد إعداد المعلمين "
" أنا أدرسُ في معهد الفنون، وربما أغدو بدَوري مُعلّماً "، قالها مُبتسماً وقد زايله شعورُ الحَرَج. لقد تعلّم درساً جديداً في هذا المكان " المَشبوه "، لم يُقدّر له الإلمام به في تلك الأماكن، المُعدّة " مُحترمة ": لا مهنة في الغرب، مُجلبة للمهانة، طالما أنها قانونية وتدرّ المالَ. الشرف والفضيلة، لا دخلَ لهما في حريّة الجسد وخياراته. الأخلاق، ليست مدعاة للإفتخار والتباهي، بل هيَ مسلكٌ طبيعيّ لا إدّعاء فيه ولا تكلّف ولا نفاق. هذا ينطبقُ أيضاً، بالطبع، على بائعات الهوى، اللواتي يدفعن الضرائبَ للدولة. وبالتالي، فليسَ من مكانٍ للقوّادين في حياتهن، سواءً العملية أو الخصوصية.
بعيداً عن كل ما حدثَ من أمورٍ دراماتيكية في خلال الدقائق الأخيرة، كانت آينور هانم ما زالت جالسةً في مكانها، تبدو منسجمةً في حديثٍ مع أحدهم. التفتت إلى دارين حينَ رأته قادماً مع الساقية، لتُخاطبه بدعابةٍ مُتكلّفة: " ها أنتَ هنا في آخر المطاف، وكنتُ مُتيقّنة بأنّ أجمل الدنماركيات لن تجعلك في غنىً عنّي "
" بالطبع، لأنك أنتِ أجملُ الجميلات! "، ردّ دارين ومن ثمّ تلقّى قبلتها على فمه. أثارَ جوابه ضحكها، ولكن لاحَ واضحاً أنّ وقعه في نفسها كانَ حَسَناً. مع ذلك، مالت عليه كي تستجوبه بصوتٍ منخفض: " عرضُ الستربتيز لا يستمرُ عادةً أكثر من خمس دقائق، فلِمَ تأخرتَ؟ "
" إنني حتى لم أرَ العرضَ "
" هل كنتَ، إذاً، تُضاجع فتاةَ الستربتيز؟ "، تساءلت ببساطةٍ مُقاطعةً كلامه. نفخَ في قنوط، وكأنه نسيَ نفسه: " نعم، ولكن في خيالي ". ثم أوضحَ، عابساً: " إنها، كما قالت، تعملُ هنا ليلاً ساقية بار وعارضة ستربتيز. وفي النهار، تُداوم بمعهد لإعداد المعلمين ". بقيت صديقته تنظرُ إليه مليّاً، وفي خلال ذلك انتبهَ إلى أنها ثملةٌ بعض الشيء. شاءَ تغيير الموضوع، إنطلاقاً من هذه الملاحظة: " إنكِ شربتِ كثيراً "
" لم أشرب سوى البيرة "
" سكرة البيرة أسوأ "
" دَعَنا من البيرة، وأصدقني القولَ لو كنتَ ضاجعتَ الساقية في دورة المياه؟ "
" إنها فكرةٌ رائعة، ولكن للأسف لم تخطر آنذاك لذهني! "
" هكذا إذاً، رافقتكَ عارية بالذهاب والإياب، ثم عادت طاهرة كالسيّدة مريم؟ "
" ما وجهُ الغرابة في ذلك؟ فالعُري، كما تعلمين، هوَ أساسُ عملها "
" إنك واهمٌ، لو ظننتَ أنني أغارُ عليك. كلّ ما هنالك، أنني أرغبُ بمعرفة الحقيقة "
" الحقيقة، أنها تُوَدّ مرافقتي إلى الفندق عندما تدقّ ساعةُ منتصف الليل "، أعترف لها أخيراً وكأنما أزاحَ حجراً كبيراً عن صدره. رنت إليه بنظرةٍ غائمة، هيَ الثملة قليلاً، ثم علّقت بالقول: " لن يُزعجني كثيراً أن تُضاجعها بعدما تكلمتَ معي بهذه الصراحة، والمهم أن أبقى بقربك في أثناء ذلك "
" نعم، لكي تتحققي من تجاربكِ على فأر المخبر "، قالها ساخراً. إلا أنه كانَ سعيداً، ولا غرو، وإن لم تفارقه الشكوكُ تماماً إزاءَ مزاجيّة عشيقته.

3
كانت مونيكا ما تنفكّ عاريةً غبّ إنتهاء نمرتها، ومن ثمّ عودتها مع دارين إلى البار. تناولت بعدئذٍ سروالها الداخليّ، المرميّ على الأرض، ولبسته فيما كانت زميلتها تُخلي لها المكانَ وتغادر الحجرةَ. في أثناء غياب مونيكا بعَرْض الستربتيز، تغيّرت بعضُ وجوه الزبائن. أحدُ هؤلاء، كانَ يجلسُ على يسار آينور هانم، وكانت ملامحه الشرقيّة حادّة ومنفّرة بعض الشيء. إنه هوَ مَن كانَ يتبادلُ معها الحديثَ للتو، ولعله أنصتَ أيضاً لجانبٍ من مجادلتها مع صديقها. ما لبثت أن قدّمت هذا الأخيرَ له: " دارين، رسّامٌ وكاتب من سورية ". ثم استطردت، بنبرة دعابة: " إنه كرديّ، لكنّه يتطفّلُ على اللغة العربية! "
" عبد العراقي، أعيشُ في مالمو وأعملُ مترجماً "، خاطبَ الرجلُ صديقَها بالسويدية. ثم أضافَ بالعربية، مُبتسماً: " كذلك أكتبُ الشعرَ والمقالة، لكنني لا أمتلكُ موهبةَ الرسم ". لسببٍ ما، جهله بنفسه، لم يرتح دارين لهذا الرجل الأربعينيّ الأسمر. أساساً، كانَ يمقتُ أولئكَ الكتّابَ، المُظهرين ثقةً زائدة بالذات. هذا مع أنه، عموماً، يعدّ العراقيين من أكثر شعوب المشرق ثقافةً وتحضّراً. أما ما يَظهر فيهم من جلافة وقسوة، فإنه يعتقدُ أنّ مردّه إلى تاريخهم الحافل بالنكبات والإضطرابات. من ناحية أخرى، لحظ دارين مُسبقاً أنّ عراقيي المنفى يكنّون الودّ للكرد، وذلكَ على خلفية العداء المُشترك لنظام بغداد، الطائفيّ والعنصريّ.
كيلا تبقى آينور هانم خارجَ الحديث، عادَ العراقيّ ليكلّم دارين بالسويدية: " عرفتُ من صديقتك أنك تسعى لنشر مجموعتك الشعرية الأولى، ولو شئتَ ففي وسعي مساعدتك في هذا الشأن. عندي صديقٌ كاتب، يعيشُ في غوتنبورغ، أسسَ حديثاً داراً للنشر "
" أرغبُ بنشر مجموعتي الشعرية في بيروت، لأنها كما تعلم أهم سوق للكتاب. وقد أرسلتُ المَخطوطة إلى صديقٍ، يقيم ثمة في العاصمة اللبنانية "، ردّ دارين ثم أستدرك: " وأشكرك على الإهتمام ". هزّ الرجلُ رأسَهُ، متمتماً بلهجته العراقية: " أهلاً وسهلاً ". عندئذٍ تدخلت آينور هانم، لتقول لصديقها: " بحَسَب علمي، أنهم يماطلون هناك في النشر منذ نحو عامين. والسيّد عبد قدّم لكَ فرصةً لنشر الكتاب هنا في السويد، ربما هيَ الأضمن "
" على أيّ حال، هذا هوَ رقمُ هاتف منزلي، لو أحببتَ التكلمَ معي حول الموضوع "، نبرَ الرجلُ لمخاطبة دارين فيما يناوله الكرتَ الخاص به. لكنّ آينور هانم، هيَ من تولّت أخذَ الكرتَ. فتأمّلته قليلاً، قبلَ أن تشكرَ صاحبَهُ. رشفَ هذا الأخيرُ ثمالةَ قدحه، ثم ما لبثَ أن أستقامَ واقفاً: " عليّ العودة إلى مالمو، لأنّ وقتَ آخر مركبٍ قد أزفَ ".
غبَّ ذهاب الرجل، انتبه العشيقانُ إلى أنهما بقيا وحيدين في البار. ساعةُ منتصف الليل، كانت ما فتأت بعيدة نوعاً ما. لقد كانَ دارين في أثناء ذلك الحديث كله، يرمقُ مونيكا بين فينةٍ وأخرى بنظرةٍ باسمة. فلما خلا البارُ، وجدها فرصةً كي يُحادثها، وذلك لحثّ عشيقته على المشاركة أيضاً: " هذه صديقتي، آينور "، قالها وليسَ بقليلٍ من الخجل. ثم تعهّدَ بسرعة تقديمَ الأخرى، بوجهه المُتضرّج وباقتضاب: " مونيكا "
" أتمنى لو تُمسي صديقتكَ، أيضاً "، قالت ذلك آينور هانم باستهتار. مونيكا، تلقت قولها بملامحٍ حائرةٍ نوعاً ما. ثم ما عتمَ أن علّقت، مُخاطبةً المعنيّة: " أنا لديّ صديقٌ، ولا أنوي أبداً التخلّي عنه ". هزّت الأخرى رأسَها بحركةٍ تُوحي بالتفهّم، فيما تداعبُ القدحَ الفارغ. تناولت الساقية القدحَ، وأنحنت كي تترعه بالبيرة. وكالمألوف، تجلّت عندئذٍ تفاصيلُ الردفين العاريين تقريباً. أومأت آينور هانم إلى المَشهد المُثير، قائلة لعشيقها بصوتٍ مُنخفض: " لِمَ لا تُضاجعها هنا، كون البار أضحى مُقفراً إلا منّا؟ "
" هذا بارٌ، وليسَ مَخدعاً "، نبرت مونيكا للردّ وكانت قد سمعت ذلك القول. أطلقت الأخرى ضحكةً خافتة، فيما كانت تستلمُ القدحَ المُترع: " لقد أخذتُ على صديقي قبل قليل، أنه لم يفكّر بمضاجعتكِ في دورة المياه عندما كنتما تحت لوحدكما "
" أنا لستُ من نوعيّة النساء، اللواتي يُضاجَعْنَ في الأماكن العامّة "
" دارين، لعلمكِ، يُغرم بنوعيّة المرأة غير التقليدية "
" أنا مُعجبةٌ به حقاً، لكنني لا أنوي الوقوعَ في غرامِهِ "
" ولهذا السبب، تحديداً، لا أشعرُ بالغيرة تجاهكِ "
" الغيرة، لا تقل خراقةً عن المضاجعة في دورة المياه "
" والحالُ كذلك، فأنتِ تسمحينَ لي بمضاجعة صديقكِ؟ "
" بالتأكيد، لو عرفتُ أنه معجبٌ بكِ "
" ولكن، آنّى له أن يعرفَ الآنَ بأنكِ معجبة بدارين؟ "
" سُأكلّمه هاتفياً قبيل مغادرتي العمل، لكي لا ينتظرني "
" قد أغيّرُ رأيي، فلا أسمحُ لدارين بمضاجعتكِ؟ "
" في هذه الحالة، سأذهبُ رأساً إلى بيتي مع ذكرى لطيفة عنكما "
" ها أنا ذا أغيّرُ رأيي من جديد، فأسمحُ بذلك "، قالتها ضاحكةً ثم أستدركت: " ولكن، على شرط أن نمرّ على صديقكِ، فنأخذه معنا بالسيارة إلى الفندق ". كانَ واضحاً، أنّ الشرابَ تمكّنَ منها. سألتها مونيكا، الخبيرة ولا شك بأحوال السكارى: " جئتما بالسيارة إلى كوبنهاغن؟ "
" نعم، لقد قدّتُ السيارة من مدينة أوبسالا "
" إنها مسافةٌ طويلة، ما يدلّ على مهارتك في السياقة "
" أنا حصلتُ على شهادة السيارة في تركيا، وكان عُمري لا يتجاوز الثامنة عشرة "، قالتها آينور هانم في شيءٍ من المُباهاة. بغيَةَ جرّ الحديث في هذا الإتجاه، وربما لجعله أكثر إلفة أيضاً ـ قالت الأخرى: " إذاً أنتِ من تركيا؟ "
" وماذا ظننتِ، أنتِ؟ "
" الحقيقة، إنكِ تشبهين الروسيات "
" أصلُ أسلاف والدي من بلغاريا، أي من نفس العرق السلافي "
" لِمَ تتحدثين مع صديقكِ بالسويدية؟ "
" إنه لا يعرفُ اللغةَ التركيّة، ولكنه سيتعلّمها حتماً بعدما يقترنُ بي! "، قالتها وهيَ تلتفتُ إلى دارين لتحدّقُ في عينيه. تضرّجَ وجهُ صديقها مُجدداً، بشعور الإنزعاج هذه المرة. خاطبَ داخله على الأثر، عقبَ وهلة تفكير: " السّكرُ، جعلَ لسانَها يفلتُ، كاشفاً خبيئة نفسها. إذاً، هذا يُفسّر كلّ ذلك التسامح إزاءَ إمكانية مضاجعتي لساقية البار. بل إنها حَمَلتني على القدوم إلى هذا الحيّ، كونها على نيّة مُبيّتة لعرض إحدى بنات الهوى عليّ. لقد قالت عني تواً، أنني مغرمٌ بالمرأة غير التقليدية. وإنها تريدُ أن تثبتَ لي، أنها تلك المرأة! ".

4
أخبراً، جاء دورُ دارين للتدخل في المجادلة، التي آلت في النهاية إلى نتيجةٍ مُخيّبة بنظرهِ. لكنه شاءَ الإدلاء برأيه، مستغلاً ثغرةً معيّنة في حديث صديقته، إنما دونَ أن يصدمها برفضه لمشروعَ إقترانهما: " أنتِ حمّلتِ موضوعَ المُضاجعة فوق ما يَحتمله، مع العلم أنّ له أهمية قليلة عندي لو كانَ تحتَ ذلك الشرط، الذي أنتِ وضعتيه "، توجّه بالكلام لآينور هانم. كانت هذه قد إلتفتت إليه لما بدأ يتكلم، وكما لو أنتبهت لوجودهِ فجأةً. لكن لاحَ أيضاً، كأنها لم تستوعبُ تماماً ما قاله. لما تناهى صمتها لبرهةٍ، قالت لها مونيكا: " وأنا أيضاً أرفضُ شرطكِ، لأنني واثقة سلفاً بأن صديقي سيمتنعُ عن مرافقتنا إلى الفندق "
" لنَقُل أنه ليسَ شرطاً، بل هوَ نزوةٌ مقابل نزوتكِ "، قالت لها آينور هانم. ثم توجّهت إلى صديقها، بنبرةٍ ساخرة: " تطلبُ أن تكونَ الديكَ الوحيد، أليسَ كذلك؟ ". لقد بدأت أيضاً كلماتها بالتعثّر، بسبب السّكر، ما جعلها على قدْرٍ أكبر من الإنفعال. كانَ دارين يتهيأ للرد، والموقفُ في ذروة تأزّمه، لما أعلنت ساعةُ الحائط منتصفَ الليلة بإيقاعٍ موسيقيّ رتيب. رفعت مونيكا رأسَها إلى تلك الجهة، وقالت: " لقد أذن وقتُ إنتهاء عملي، وسأمضي لإرتداء ملابسي "
" سنمضي ثلاثتنا إلى الفندق، هكذا أخبري صديقكِ "، خاطبتها آينور هانم دونَ أن تنظرَ إليها. ابتسمت مونيكا، وكانت في الأثناء تخلعُ سروالها الداخليّ. ثم ما لبثت أن لوّحت بالسروال، قبل أن تقذفه إلى وجه دارين. أمسك به وشمّه بعمق، فقالت له صديقته بنبرتها الآمرة: " أسمحُ لكَ أن تحتفظ به، كذكرى من هذه الليلة الجميلة "
" إذا أنتِ قررتِ أنها ليلةٌ جميلة، فستكون كذلك حتماً "، قالت لها مونيكا في مُحاباةٍ واضحة. لقد بدا أنها وقعت تحت تأثير هذه المرأة المُتسلّطة، أو على الأقل، أعجبت بشخصيتها الشبيهة بشخصيات النساء ذوات النفوذ. لقد لحظ دارين أيضاً، أنّ مونيكا كانت على شيءٍ من الفضول في خلال المُجادلة المُنقضية، بغيَة سَبر غور آينور هانم ـ كأنثى فريدة، تختلفُ عن أندادها من الإناث الشرقيات، اللواتي عرفتهن عن قرب أو قرأت عنهن بشكل عام.
عقبَ تكلّمها مع صديقها بالهاتف، مضت مونيكا معهما مُبتهجة وهيَ ملفوفةٌ بمعطفها الشتويّ الطويل، المصنوع من فراءٍ تقليديّ، مخفيّة رأسها بقبعة من الصوف. لو قُدّرَ لأحد زبائنها أن يراها في الشارع بهذه الهيئة الوقورة، لما عرفَ فيها ساقيةَ البار ( وفتاةَ الستربتيز بالطبع )، الخالعة العذار. لإضفاء المزيد من المودّة على علاقتها بآينور هانم، فإنها تعمّدت أن تَمشي بجانبها وتُمسك بساعدها. في المقابل، تعهّدت الأخرى مساعدتها، ثمة في الفندق، وعلى طريقتها الإرتجالية البسيطة: لقد دفعتها إلى السرير المُزدوج، بعدما نضّت عنها ثيابها كلها، وكما لو أنها الوصيفة الخاصّة. غادرت بعدئذٍ حجرةَ النوم، كي تستلقي على الأريكة في حجرة الأستقبال.
كانَ دارين ما زالَ في الحمّام، فلما خرجَ ألقى نظرةً سريعة على عشيقته، وبدا أنها كانت تهوّمُ. حالَ دخوله الحجرة الأخرى، سمعَ غطيطاً خافتاً؛ لكنه عميقٌ ـ كما لدى الأطفال. وإذا مونيكا، مُستغرقة في النوم لشدّة الإرهاق والوَسَن. كانت مُستلقيةً إلى جانب، ووجهها إلى الجدار، فيما أحد ردفيها أطلّ من تحت اللحاف، كثمرة تفاح صفراء ناضجة وشهيّة المنظر. دونما تفكير، أنحنى عليها وأولجه بسرعة. فما كانَ من مونيكا إلّا أن هتفت بصوتٍ عال من مجاهل حلمها، وعيناها ما أنفكّتا مُغمضتين: " آه، لقد وضعتَهُ في المكان الخطأ ". في اللحظة التالية، كانَ كلّ شيءٍ قد أنتهى. فتحت الفتاةُ رومشها الطويلة ببطء وإعياء، ثم تحسّست مؤخرتها. ألتفتت إلى شريك الفراش، عارضةً أصابعها المبتلّة أمام وجهه: " اللعنة! عليّ أن أغتسل وأن أحرمَ بالتالي من هناء النوم "
" ماذا دهاكِ؟ نحنُ بعدُ في منتصف الليل "، خاطبها دارين بنبرةٍ غاضبة. كانَ غاضباً من نفسه، وليسَ منها. لقد أستجابَ لغريزته الحيوانية، كمألوف العادة، دونما أدنى مراعاةٍ لمشاعر شريكته. والأدهى، أنها كانت مستغرقةً في غفوةٍ عميقة. في الأثناء، سُمِعَ صوتُ إنصفاق باب الحمّام. خرجت مونيكا من الحجرة، وما عتمَ أن عادت دونَ أنتغتسل: " صديقتكَ تتقيأ في الحمّام "، قالتها بنبرة تقزز. دقائق أخرى على الأثر، وفي غياب الأخرى في الحمّام، جاءت آينور هانم. قالت له بذات النبرة: " شخصٌ شاذ، لا أملَ في إصلاحه! ".
مرفرفةٌ بأجنحةِ الملائكة، ما عتمَ أن دهمتها نزوةٌ لا تقلّ شيطانية. لقد حملته على مغادرة حجرة النوم، بحجّة الإطمئنان على صديقتها. بعد ذلك، ولما يزيد عن الساعة، بقيَ دارين يسمعُ صوتيهما وكأنهما بأعلى درجات الشبق والتهتّك. أكثر من مرّة، ترك رقدته على الأريكة ليتجه إلى حجرة النوم. لكنه كانَ يتسمّرُ ثمّة أمام الباب، وذلك لخشيته من إغضاب عشيقته. في اليوم التالي، تجاهلَ الأمرَ برمّته، حفظاً لكرامته، وذلك حينَ إجتماعه معهما على مائدة الفطور في مطعم الفندق. خاطبته آينور هانم، فيما رمقت الأخرى بنظرةٍ ماكرة: " هل نمتَ جيّداً على الأريكة؟ "
" أجل "
" لقد خشينا أن تأخذَ برداً، كونك نمتَ عارياً "
" وأنتِ؟ هل استمتعتِ بالنوم مع مونيكا؟ "
" بشكلٍ رائع! ولو كانَ ثمة مُتسعٌ لكَ في السرير، لأكتملت سعادتنا "
" أنا كنتُ سعيداً على أية حال، بالرغم من إهانتك لي "
" عن أية إهانةٍ، أنتَ تتكلم؟ "
" الكلام عن الشذوذ، في وقتٍ كنتِ فيه عازمةً على مُطارحتها الغرامَ "، أجابها مومئاً برأسه إلى الأخرى. غابت ابتسامةُ عشيقته، وطفقت واجمةً. أمتنعت أيضاً عن الاستمرار بالأكل. نقلت مونيكا عينيها بينهما في بعض الحيرة، ثم قالت: " لا أجدُ سبباً لهذا الجدال، فإننا جميعاً قضينا ليلةً جميلة ". ثم أتجهت إلى دارين، بالقول: " كلامك عن الشذوذ، مزحة لا تُحتمل "
" لكنّه كانَ كلامها هيَ، قذفته أمس في وجهي عندما كنتِ أنتِ في الحمّام "، ردّ دارين. وإذا بآينور هانم تُطلق ضحكةً عالية، هستيرية بعض الشيء. ثم قالت لعشيقها، مُحمّرة الوجه: " ماذا كنتَ تريدني أن أتكلم، تعليقاً على منظر المناديل الورقية، المحشوكة في أستها، يقطرُ منها سائلكَ المُقزز؟ "
" وأنا كنتُ أشعرُ بالغثيان، لما كنتِ فيما مضى تنهلين من نفس السائل "، ندّت عنه دونَ تفكير. وإذا بها تدفعُ بيدها كأسَ العصير، الموجودَ أمامها على المائدة: " ستبقى ذلكَ الكرديّ الهمَجيّ، أيّها الحقير! "، صرخت غاضبةً. حلّ الصمتُ في المكان، وكأنما استحالَ روّاد المطعم إلى تماثيل من الملح بفعل عبث آلهة الأولمب. ثم ما عتمَ أن تصاعدت الهمهمةُ، فيما خطا أحدُ الندل باتجاه مائدة المُتخاصمَيْن. كانَ الشرابُ لا زالَ يندلقُ على بنطال جينز دارين، حينما نهضت مونيكا: " عليّ الذهاب إلى موعد هام "، قالتها بنبرةٍ مُرَوَّعة. نهضت الأخرى بدَورها، قائلةً بصوتٍ كامد: " لا بأس، يا عزيزتي، سأوصلكِ بالسيارة ". ثم خاطبت دارين من علو موقفها: " إذهبْ لتغيير بنطالكَ، وسننتظركَ في الكراج ".

5
نزلَ من السلم الحجريّ إلى بهو الفندق، وهناك أستوقفته لوحاتٌ زيتية كلاسيكية ذات أحجام كبيرة، كأنما علّقت للدلالة على أنّ المكانَ كان قصراً في زمنٍ آخر. راحَ يتأملُ اللوحات، فيما ذهنه شاردٌ تماماً. لحظَ أنّ ما جرى، يوم أمس، كانَ مرسوماً وفق خطّة مُسبقة من آينور هانم. إنها لم تستعمله كفأر تجارب ـ بحسَب تعبيرها ـ إلا كي تبرهن له على أنها المرأة الوحيدة، التي في وسعها تحمّل نزواته في الفراش. ولما خدمتها المصادفة، عرفت كيف تستغلّ الموقف لحبك الدسائس؛ هيَ الضليعةُ في ذلك، بالرغم من مزاعم إختلافها عن النساء الشرقيات. هذا القناعُ، سيظل على وجهها ما دامت مونيكا إلى جانبها. إنه يودّ أن يحرم عشيقته من هذه اللعبة، مُضحياً بسويعات متعةٍ إضافية مع تلك الدنماركية. نظرَ إلى خياله في زجاج اللوحة، مُخاطباً داخله: " إذاً، أنتَ كرديّ هَمَجيّ وهيَ تركيّة أوروبية؟ حسنٌ. سنرى كيفَ تديرُ هيَ اللعبةَ الثلاثية، وأحد أقطابها قد أنسحبَ مع سائله المُقزز! ".
مرّت ساعةٌ أخرى، وها هيَ تقتحمُ صالةَ الإستقبال، أينَ كانَ صديقها يتأرجحُ بين اليقظة والمنام. كانَ كذلك، بسبب إغفاءته المبتسرة بالأمس، علاوة على رأسه المُثقل بالأفكار منذ الصباح. قالت له، مُستعملةً نبرة ليّنة: " أنتَ نائمٌ هنا، حبيبي، وكنا قد أنتظرناك عبثاً؟ ". رفع رأسَهُ قليلاً، لكي يغيّر رقدته، لكنه لم يُجب بشيء. جلست على طرف الأريكة، لتداعب وسطه: " أعلمُ ما وراءَ غيظك مني، لإعتقادك أنني أبعدتك عن مونيكا. كذلك أنتَ مُخطئ، بصدد موضوع المطارحة الغرامية. كلّ ما حصلَ، أننا تهارشنا قليلاً قبل النوم كي نثير غيظك وغيرتك "
" غيرتي مِمَن؟ "، تساءل دارين ساخراً وهوَ يُنحّي يدها. ردّت في الحال، وقد اتّسعت عيناها: " بالطبع منّي، كونك توهّمتَ أنني أعاشرُ مونيكا في سريرنا "
" من المفترض أن أغار عليكِ، كونك أنتِ صديقتي. أليسَ صحيحاً؟ "
" لكنك حينَ أبصرتَ ردفيّ مونيكا لأول مرة، فإنّ عينيك عميتا عن كل ما عداهما "
" إنها هيَ من عرضت نفسها عليّ منذ البدء، وهذا بفضل تدبيركِ "
" تدبيري أنا؟ "
" ألستِ مَن أصرّ على التجوّل في ذلك الحيّ المشبوه، ومن ثم إرتياد مكان عمل مونيكا؟ "
" فعلتُ ذلك بدافع التسلية، وليسَ لأنّ جبريلَ أخبرني بوجود تلك الحورية هناك! "
" الكذب، صارَ لديك مثل شرب الماء "
" هه، يتحدث عن الكذب! ومن كانَ قد اتفق من ورائي على ساعة منتصف الليل؟ "
" لا تخلطي الأمورَ بعضها ببعض، كمألوف عادتكِ "
" الغيرة.. الغيرة، هيَ وراء غيظك مني "
" الرجل لا يغارُ من عشيقة إمرأته، بل يشعرُ بجرحٍ في كرامته. فكأنما تؤكّد لزوجها، أنها بحاجةٍ إلى تلك المرأة لأنه لا يُشبعها جنسياً ". تلقفت عشيقته إحدى مفرداته، كما يفعلُ النورسُ بالتقاطه سمكة ذاهلة عن نفسها. إذ هتفت بغبطة صادقة، تهزّه من كتفه: " لطالما تمنيتُ أن أسمعَ هذه الكلمة، التي تعني إعتبارك لي بمثابة زوجتك ". قال دارين، مُتأففاً من لهوجتها: " تكلمتُ بشكل عام، وهذا ينطبق على الحبيبة كما الزوجة "
" والآن قل لي، ما تعنيه مونيكا بالنسبة لك؟ "
" إنها مجرّدُ ردفين فاتنين، كما عبرتِ بنفسك؟ "
" سأذكرُ لها قولكَ، الليلة "
" لا أرغب بالبقاء ليلة أخرى في كوبنهاغن "، قالها مقاطعاً. أدهشها، ولا غرو، هيَ المُعتقدة أنه سيهرع ليلاً كي يكون أول زبائن مونيكا؛ هذا، مع الأمل بتكرار مطارحتها الغرام بعد انتهاء دوامها. ولكنه حينَ عاد وصمّمَ على الرحيل عن المدينة، ثارَ غضبها: " لقد حجزتُ مُسبقاً ليلتين في الفندق، علاوةً على أنني وعدتُ مونيكا بالحضور إلى البار "
" ثمنُ ليلة فندق، لن يُفقركِ على أيّ حال. وبشأن مونيكا، فإنها كانت نزوةً عابرة وعلينا أن ننساها كي تعود علاقتنا إلى سابق عهدها "
" بحق الرب، ماذا سيضيرُ علاقتنا أن نبقى ليلة أخرى في كوبنهاغن؟ لو كنتَ تهجسُ أنني سأستعملُ الفتاةَ ضدك، بداعي الكيد أو التسلية، فأطمئنك إلى أنها ليست من هذا النوع "، قالت ذلك ثم استمرت بالتدفق: " لو تدري ما تحمل لك من الود والشغف، فضلاً عن براءتها وطيبتها، لوددتَ أن تبقى أسبوعاً آخر وليسَ، حَسْب، يوماً آخر "
" حتى لو بقينا شهراً آخر، فإننا سنتركُ المدينة في آخر المطاف "
" صدقَ مَن قال، أنّ رأسَ الكرديّ كالحجر! "
" كون ابنتكِ كرديّة، ألا يجعلك ترعوي قليلاً عند ذكر قومها؟ "
" آه! أترغبُ دفعي إلى البكاء، بذكركَ لخجي؟ "، قالت ذلك وانهمرت دموعها بسخاء. حَدَبَ عليها على الأثر، مُطوّقاً خصرها مع قبلاتٍ حيثما طالَ فمه من جسدها. أراد قنصَ الفرصة السانحة، فهمسَ بصوتٍ رقيق: " هيا إلى السرير كي تنامي قليلاً، فأمامنا سفرٌ طويل حتى أوبسالا ". تحررت من يديه، لتنتتر واقفة: " لو شئتَ، بإمكانك السفر لوحدك إلى هلسنبورغ. وغداً مساءً، على اغلب تقدير، أوافيكَ إلى منزل ابنة عمي "، قالتها في إصرارٍ شبيه بعناده. فكّرَ في نفسه، ساخراً، مردداً المثلَ المعروف: " مَن عاشرَ القومَ أربعين يوماً، صارَ منهم وفيهم ! ".
في عامٍ سابق، تعرّفَ دارين على شاب من إحدى بلدات الشمال السوريّ، يكبره بعامين على الأقل، يقرضُ الشِعْرَ. وقد عُرفَ الشابُ بلقب، " خفيفو "، المُتداول بين أصدقائه. في ذلك العام، نشرَ الشابُ في ستوكهولم مجموعة شعرية هزيلة، بالإشتراك مع ابن عمّه، الذي يكتب بالكردية. وكانَ خفيفو قد أنتقلَ إلى مدينة غوتنبورغ قبل بضعة أشهر، عقبَ مجيء أسرته من الوطن. آنذاك، لم يكن دارين يعرفُ ذلك اللقب، الشائع عن الشاب. وإلا، فإنه بالتأكيد لما وَثَقَ به. ففي أوان تعارفهما، سلّمه نسخةً من ديوانه الشعريّ الأول، المَضروب على الآلة الكاتبة، وذلك كي يُراجعه؛ كونه خريجَ أدب عربي. منذئذٍ، تحفّظ خفيفو على الديوان، وكانَ كلّ مرةٍ يَعِدُ صاحبَهُ أن يرسله إليه بالبريد. في الأثناء، ألتقيا مُجدداً لمرتين في ستوكهولم؛ إحداهما في شقة صديقهما المُشترك، دوغان، والأخرى في مقهى بصُحبة الشاعر شيركو بيكس. ابن عمّه ذاك، وكانَ معروفاً في بلدته الأولى بلقب " الثعلب "، كانَ حاضراً في كلا اللقاءين.
بغيَة استرجاع ديوانه الشعريّ، فكّرَ دارين بالمرور على غوتنبورغ في الطريق إلى أوبسالا. وقد وافقت صديقته على الفكرة، التي كانت ستمنحها فرصةَ البقاء يومين آخرين في صُحبة مونيكا. حصلت منه آينور هانم على رقم هاتف المُضيف المُفترض، وكانَ دارين قد تحدّثَ إليه سلفاً بشأن زيارته المُرتقبة. بعدَ رحلةٍ في المركب، خالية من المتعة هذه المرة ( كونه وحيداً بالطبع )، وصلَ دارين إلى غوتنبورغ. لقد حلّ الظلامُ منذ بضع ساعاتٍ، كون النهار قصيراً جداً في هذا الوقت من السنة. إنّ خفيفو، الذي حضرَ إلى المرسى لإستقباله، كانَ معتدلَ القامة وحنطيّ البشرة؛ قسماته لطيفة وبشوشة؛ شَعره الفاتح اللون، كانَ يزحفُ عليه الصَلعُ حثيثاً. وكمألوف عادته، حملَ خفيفو حقيبةً جلدية صغيرة لحفظ الكتب. بحركةٍ إستعراضية، أخرجَ من حقيبته مجلةً أدبية، تُطبع في بيروت، وكانت قد نشرت قصيدةً لدارين: " حاول في المرة القادمة أن تُرسل قصائدكَ إلى مجلاتٍ جديرة بالشعر، مثل ‘ الكرمل ‘ و‘ مواقف ‘، وعن طريقي لو شئتَ "، قالها برصانة. فيما بعد، لما حلّ دارين في منزل الشاعر الرصين، تبيّنَ له أنّ نسخةَ ديوانه الشعريّ لم يُجرَ عليها أيّ تصحيح: " لغتكَ جيدة، ولكنّ الشعرَ العربيّ اليوم غدا أكثر حداثة ومُعاصَرة! "، لاحظَ خفيفو وهوَ يُعيد نسخةَ الديوان في شيءٍ من الحَرَج. على أنه، في المقابل، لم يتحرّجَ حينَ عمدَ لاحقاً إلى إنتحال مواضيع الديوان، لكي يتغذى به شعرُهُ البائسُ في مجموعةٍ تلو الأخرى.
دارين، لم يبقَ سوى يوماً واحداً في غوتنبورغ. مع أنّ خفيفو لم يُصبح شديدَ الوقاحة إلا في الزيارة التالية، وذلك على خلفيّة الحَسَد إثر صدور ديوان صديقه. ما عتمَ أن حضرت آينور هانم بسيارتها، لكي تقلّه من المكان المُتفق عليه أمام مدخل محطة القطار. وجدته مُتكدّرَ المزاج، فسألته ما لو ضايقه أحدٌ في خلال زيارته الخاطفة لهذه المدينة. هزّ رأسَهُ نفياً، ثم سألها بدَوره وهوَ يتنفّسُ عميقاً: " أنتِ أيضاً بقيتِ يوماً واحداً، حَسْب، في كوبنهاغن، عقبَ ذهابي؟ ". أطلقت ضحكةً فاترة، وتساءلت: " ماذا دهاك؟ ألستَ أنتَ من طلبَ مني أن أقطع زيارتي وأمضي فوراً إليكَ في غوتنبورغ؟ ". بقيَ صامتاً، ومن ثم حافظ على هذا المسلك في خلال معظم الطريق إلى أوبسالا. وكانت صديقته في الأثناء قد أثارته بعضَ الشيء، حينما لاحظت أنه لم يسألها مُطلقاً عن مونيكا. جواباً، قالَ بنبرةٍ قاطعة: " سوفَ تنسين هذا الإسمَ بشكلٍ نهائيّ، وكأننا لم نعرف صاحبتَهُ أبداً. هل فهمتِ؟ ".



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World