قالت لنا القدس/ عن الحياة الثقافية في المدينة9

محمود شقير
shukair@hotmail.com

2023 / 7 / 24

تنتعش الحياة الثقافيّة في القدس في بعض المناسبات الموسميّة، وتمدّ خيوطاً بينها وبين الناس. وتصبح سوق القطّانين القريبة من المسجد الأقصى، إحدى أهمّ المواقع التي تنشط فيها بعض المؤسسات الثقافية والفرق الفنية وفرق الإنشاد الديني، لتقديم سهرات مجانيّة أمام أعداد كبيرة من رجال المدينة ونسائها، في مسعى متعدّد الأغراض: الترفيه عن الناس، وتوثيق عرى التواصل بينهم، والتأكيد على عروبة القدس وعلى طابعها العربي الإسلامي بامتداده المسيحي الفلسطيني المهدّد بالتلاشي والذوبان في خضمّ عمليّات التبديد والتهويد.
وفي السوق نفسها، في مكاتبها التي تتخذ من خان تنكز مقرّاً لها، تنشط جامعة القدس في تنظيم رحلات للمعنيّين بتاريخ القدس وبحاضرها ومستقبلها للتعرّف إلى بعض الأماكن التاريخية والأثرية في المدينة، كما تنشط في تنظيم الندوات حول تاريخ المدينة وهيكلها العمراني وحول الحياة اليومية فيها منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الآن.
وتقوم مؤسّسات ثقافية مقدسية عدّة بتنظيم برامج في مقراتها، تشتمل على التسلية إلى جانب بعض الفقرات الفنية من تمثيل وغناء، في حين تقوم فرق فنية تابعة لمؤسّسات أخرى بزيارات ميدانية للمدارس، لتقديم مسرحيات تحقّق المتعة بالإضافة إلى بثّ رسائل تربوية تناسب وعي الأطفال. كذلك ينشط بعض فنانّي المدينة في إقامة معارض فنيّة للوحاتهم تحظى بحضور نخبة من الجمهور. وتُعرض أفلام سينمائية لا يشاهدها إلا عدد محدود من الناس، بعد أن أصبح الذهاب إلى السينما بانتظام، عادة غير مألوفة بالنسبة للمقدسيّين الذين كانت السينما تشكّل مصدراً رئيساً من مصادر ثقافتهم في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
وأما بالنسبة للكتاب فهو الأسوأ حظّاً في تعامل الناس معه، حيث تتدنّى نسبة القرّاء إلى أقصى حدّ ممكن، ولا تتوافر في مكتبات القدس القليلة سوى كتب غير حديثة الصدور، بسبب صعوبة استيراد الكتب عبر الحدود. كذلك لا توجد مكتبة عامّة في المدينة، سوى تلك المكتبة الفقيرة التي تشرف عليها بلدية الاحتلال، ولا تزوّدها إلا بكتب مضت سنوات طويلة على صدورها.
حينما ننظر إلى الأنشطة الثقافية التي تقيمها المؤسّسات الثقافية في القدس من وجهة نظر إحصائية، فقد نخرج بانطباع مؤدّاه أنّ الحياة الثقافية في المدينة تسير سيراً حسناً ولا تشوبها أيّة شائبة، وأنّ الدنيا بخير رغم وجود الاحتلال. فثمة ما يزيد عن عشرين مؤسسة ثقافية في المدينة، وكلّ من هذه المؤسسات لها برامجها المنتظمة أو شبه المنتظمة، التي تشتمل على ندوات أسبوعية وعروض مسرحية ومهرجانات، كما هو الحال في المسرح الوطني الفلسطيني: ندوة اليوم السابع، والعروض المسرحية للكبار وللصغار وكذلك عرض الأفلام. أو على تنظيم نشاطات موسيقية (فرقة صابرين) أو على استضافة فرق موسيقية وفرق للغناء محلية وعربية وأجنبية، واستضافة مغنّين عرب وأجانب، وكذلك استضافة كتاب وأدباء عرب وأجانب من خارج البلاد (مؤسسة يبوس) أو القيام بنشاط موسيقي وغنائي ميداني في أسواق المدينة (مركز القدس للموسيقى) أو تقديم عروض مسرحية للأطفال في المدارس (فرقة سنابل) وغير ذلك من الأنشطة التي تقوم بها مؤسّسات ثقافية وفنية أخرى.
ومن دون شك، فإنّ القائمين على هذه الأنشطة الثقافية المتنوّعة، يواجهون ظروفاً قاسية يفرضها الاحتلال الإسرائيلي عليهم وعلى مدينتهم. فالغالبية العظمى من هذه المؤسّسات تعمل في ظلّ صعوبات مالية، تجعلها غير قادرة على تجديد بناها التحتية، ويتهدّدها باستمرار خطر الإغلاق بسبب حاجتها إلى موارد كافية أو بسبب القيود التي تفرضها عليها سلطات الاحتلال، ومن بينها الضرائب الباهظة متعدّدة الأنواع.
الأخطر من كلّ ذلك، أنّ هذه الأنشطة تقام في المدينة على مدار العام، في ظلّ غياب ملحوظ للجمهور الذي من المفروض أن تقام هذه الأنشطة من أجل متعته ومن أجل إغناء الجانب الروحي في كيانه، وشحن إرادته بقيم الصمود والتفاؤل والتماسك والتعاضد في زمن صعب لئيم.
الجمهور غائب تقريباً إلا في بعض الأحيان، عندما تجري إقامة بعض الأنشطة النوعيّة اللافتة للانتباه. ثمة عزلة عن الناس تعيشها الأنشطة الثقافية في القدس. عزلة يسهم فيها الناس أنفسهم في أغلب الأحيان، ولم يعد ثمة من متابعين لهذه الأنشطة سوى نخبة قليلة من المثقّفين ومن ذوي الاهتمامات الثقافية. وقد تفاقمت هذه العزلة حينما راحت سلطات الاحتلال تحكم قبضتها على القدس، وتحيطها بالحواجز من كلّ جهة وبجدار الفصل، لتحاصرها ولتفصل بينها وبين محيطها الحيوي الذي كان يمدّها بكلّ أسباب الحياة والتدفّق والحضور والامتلاء.
عزلة تتعمّق كثيراً هذه الأيام، وتنشر تأثيرها السلبي ليس على الثقافة وحدها، وإنما على بقيّة مناحي الحياة في المدينة المحاصرة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World