قالت لنا القدس/ شارع الزهراء8

محمود شقير
shukair@hotmail.com

2023 / 7 / 22

تروي التبدّلات التي وقعت في شارع الزهراء خلال السنوات الخمسين الماضية، شيئاً من التاريخ المعاصر لمدينة القدس، وتشير على نحو ما إلى مظاهر التقدّم أو التراجع التي شهدتها المدينة خلال تلك السنوات.
ولعلّ الثابت الوحيد في هذا الشارع، مرور سيل لا ينقطع من بنات المدرسة المأمونيّة فيه، خلال السنوات الخمسين الماضية وما قبلها. ومع هذا المرور الذي لا ينقطع، كان من حقّنا وما زال، طرح السؤال عن مستوى الوعي الذي وصلته المدينة، وهي تشهد أفواجاً تلو أفواج من بناتها المتخرّجات في المدارس، ومن أبنائها المتخرّجين فيها باستمرار.
ولن نعدو الحقيقة، حينما نقول إنّ هذا الشارع كان وما زال مؤشّراً على ثقافة المدينة، على تقدّمها حيناً وانحسارها حيناً آخر. وهو مع شارع صلاح الدين وشارع السلطان سليمان وساحات المسجد الأقصى، مؤشر على مظاهر المدّ أو الجزر في النشاط الوطني والسياسي. حينما كانت المدرسة الابراهيمية الثانوية للبنين قائمة على مسافة قريبة من شارع الزهراء، قبل انتقالها إلى عقبة الصوّانة قريباً من حيّ الطور التابع للقدس، فإنّ طلبة المدرسة الخارجين في التظاهرات الوطنية، لم يكن ممكناً لهم المرور إلى شارع صلاح الدين إلا عبر هذا الشارع كأحد احتمالين للمرور. وبنات المأمونية الخارجات في التظاهرات الوطنية، لم يكن ممكناً لهنّ في السابق كما في الوقت الراهن، المرور إلى شارع صلاح الدين إلا عبر هذا الشارع كأحد احتمالين للمرور (تقع المأمونية في شارع ابن خلدون المفضي إلى شارع عليّ بن أبي طالب من جهة الغرب وإلى شارع الزهراء من جهة الشرق).
والشارع الذي كان مسرحاً مع غيره من شوارع المدينة، للنشاط الوطني ضدّ الأحلاف الاستعمارية في الخمسينيات من القرن العشرين، واصل احتضانه للتظاهرات الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، بعد هزيمة حزيران 1967 ، علاوة على ما مثّله من فرص للترويح عن النفس ولقضاء وقت ممتع فيه، حيث كانت سينما القدس التي افتتحت في سنوات الخمسينيات، من أهمّ المواقع الثقافية والترفيهية التي يقصدها أهل المدينة. كانت مع زميلتيها الحمراء والنزهة، تستقبل كثرة من روّاد السينما المقبلين عليها من غير انقطاع، حيث يُعرض فيلم أو فيلمان بتذكرة واحدة، ثلاث مرّات في اليوم: في الساعة الثالثة والنصف عصراً، وفي السابعة والنصف مساء، وفي العاشرة والنصف ليلاً. وأمّا في كلّ من يومي الجمعة والأحد، فقد كان هنالك عرض إضافي في العاشرة والنصف صباحاً (اليوم، لا شيء من هذا على الإطلاق!).
وكان في الشارع نادٍ ليليّ اسمه "الكاف دوروا" يستمرّ احتضانه لزبائنه إلى ساعات الفجر الأولى، وكذلك "الكافي يروب" الذي أخبرني صاحبه أنّ الممثّلة المصرية فاتن حمامة والممثّل عمر الشريف كانا في محلّه ذات مرّة أوائل الستينيات من القرن العشرين. وكان شارع الزهراء يظلّ ساهراً إلى ما بعد منتصف الليل بساعات، وفيه مطاعم وفنادق ومقاهٍ تستقبل وفرة من الزبائن في كلّ الأوقات.
والشارع كان مَعْلَماً من معالم الحياة الثقافية في القدس. في شارع الزهراء، كانت توجد مكاتب صحيفة "المنار" اليومية، ومعها في المدينة ثلاث صحف يومية أخرى هي الجهاد، الدفاع، وفلسطين. والمنار قامت بمبادرة غير مسبوقة، فأصدرت أوائل العام 1961 مجلّة ثقافية نصف شهرية ثم شهرية، اسمها "الأفق الجديد"، ترأس تحريرها الأديب أمين شنار، الذي دأب كلّ يوم على قطع شارع الزهراء بخطوات سريعة، وهو ذاهب إلى عمله في الصحيفة وفي المجلّة عصراً، أو وهو خارج من عمله في ساعات ما بعد المساء.
وقد استقطبت المجلّة عدداً غير قليل من الكتاب الشباب من فلسطين والأردن وبعض الأقطار العربية، وكنت واحداً من هؤلاء الكتّاب. وأصبح من المألوف تماماً أن نمشي في شوارع المدينة ونحن نتأبّط كتباً اشتريناها من مكتبة "سحّار" الواقعة في شارع الزهراء، أو من مكتبة "المحتسب" والمكتبة "العالمية" في شارع صلاح الدين، أو من كشك عمير دعنا مقابل باب العامود.
وكان من المألوف أن ترى عدداً من كتّاب المجلة، وقد اتخذوا من مقهى "القدس" أو من محل "الجندول" للمرطّبات أو من صالة الفندق الوطني في شارع الزهراء، أماكن لجلوسهم ولإدارة مناقشات في قضايا الأدب والفن، وكذلك في السياسة في بعض الأحيان. وشهدت صالة الفندق الوطني كذلك، نشاطاً سياسياً لافتاً للانتباه، حينما اتخذ منها بعض قادة الرأي العام في المدينة، مكاناً لجلوسهم ولإدارة نقاشات سياسية حول أوضاع القدس في ظلّ الاحتلال.
ولم يكن شارع الزهراء شرياناً حيوياً بالنسبة للقدس وحدها، وإنما بالنسبة لي كذلك، فقد دخلت هذا الشارع في أوّل نشأتي الأدبية، وأنا أتأبّط أوّل قصة قصيرة ذهبت بها إلى مجلة "الأفق الجديد" التي نشرت القصّة، فأصابني فرح وسرور، وأصبحت منذ ذلك التاريخ مواظباً على الكتابة، وعلى التمشّي في هذا الشارع كلّما وجدت فرصة سانحة لذلك.
والآن، يكفي أن نعود إلى استعراض الأماكن التي مرّ ذكرها، لكي ندرك التبدّلات التي وقعت في شارع الزهراء (بعد العدوان الثلاثي على مصر، أصبح اسم الشارع: بورسعيد، ثم عاد له الاسم القديم بعد عدوان 1967): فلم تعد فيه مكاتب لصحيفة "المنار" ولا لمجلة "الأفق الجديد" منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي. وتوقّفت سينما القدس منذ الانتفاضة الأولى (1987) عن تقديم عروضها السينمائية. توقّفت مكتبة "سحّار" عن بيع الكتب بسبب عدم الإقبال على شرائها، واكتفت ببيع القرطاسيّة والصحف. أغلق "الجندول" أبوابه، وتحوّل مقهى "القدس" إلى حانوت للسلع. ولم يعد "الكاف دوروا" موجوداً، وتحوّل "الكافي يوروب" إلى مقهى ومطعم. توقّف فندق "الريحينت" عن استقبال الزبائن لأنه لم يعد ثمة زبائن، وتحوّل إلى غرف سكنية للطلاب الجامعيين. توقّف الفندق الوطني عن العمل، وفي الآونة الأخيرة استأنفت صالته نشاطها على هيئة مقهى ومطعم، واستمرّ فندق الزهراء يستقبل بعض الزبائن، رغم انحسار السياحة في القدس.
مَعْلَم ثقافي سياحيّ واحد بقي في شارع الزهراء، هو محلّ البغدادي للمنحوتات الخشبية، ورغم أنّه يجتاز وضعاً صعباً بسبب الكساد، إلا أنّ صاحبه مصرّ على إبقائه محلاً للمنحوتات، في حين تبدّلت محالّ كثيرة أخرى، وأصبحت موزّعة على ما له علاقة بالطعام والشراب والكساء والدواء.
باختصار، بعد سنوات من الاحتلال الإسرائيلي للقدس، وبعد طغيان المزاج المحافظ على أهل المدينة، يغيب البعد الثقافيّ عن شارع الزهراء، ويحضر البعد البيولوجيّ المرتبط مباشرة بتوفير ما هو ضروريّ للحياة اليوميّة وللبقاء. يحضر كذلك، في شكل له دلالته السياسية، فرعان في شارع الزهراء لبنك هبوعليم الإسرائيلي.
ومع ذلك، أعود إلى التأكيد بأنّ الثابت الوحيد في شارع الزهراء، هو أفواج البنات الذاهبات في الصباح إلى مدرستهن، العائدات في ساعات الظهيرة منها، في ديمومة لم تنقطع منذ سنوات، وفي ذلك بعض عزاء، وفيه فسحة من أمل وتطلّع إلى مستقبل ما.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World