عود على بدء

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2023 / 7 / 10

ركيولوجيا العدم
العودة المحزنة لبلاد اليونان
٥٦ - العودة إلى البداية
هيراقليطس رغم سمعته السيئة، بخصوص غموض نصوصه وصعوبة لغته، إلا أنه لم يكن يلجأ إلى التجريديدات اللغوية أو الرمزية الشعرية إلا في بعض الحالات، فعندما يذكر فكرة التغيّر فإنه يقصد التغيّر الحقيقي الذي يحدث في الأشياء والكائنات فعليا وليس رمزيا، أي التغير الذي يمكن ملاحظته ومعاينته وقياسه في أشياء الطبيعة، مثل مياه النهر ونمو النبات والشجر وتطور الإنسان ونموه تدريجيا من يوم لآخر. النار أيضا بالنسبة له ليست طاقة رمزية متعالية عن الواقع، بل هي النار الحقيقية المتقدة. وإن كان بطريقة ما يربط بين النار واللوغوس الذي يرى بأنه هو الكائن الحقيقي الوحيد الذي ترجع له كل الكائنات الأخرى. النار واللوغوس هما شيء واحد ويمثلان الطبيعة - الفوسيس - بشكل أكثر شمولا. ونحن نعرف أن أفلاطون هو الذي أرجع اللوغوس إلى اللغة أو الكلمة والسرد عموما، وهي الترجمة التي بقيت عالقة بهذا المفهوم الغامض ودخلت - عن طريق فيلون - الديانة المسيحية " في البدء كانت الكلمة " وكذلك الديانة الإسلامية عن طريق الفكر اليهودي-المسيحي المنتشر في بلاد العرب ذلك الوقت. والدراسات الحديثة أثبتت أن مفهوم اللوغوس له معان متعددة أكثر قدما، توحي بفكرة الجمع والتنظيم والنشر والحفظ والحماية. فاللوغوس هو جامع الكائنات والقوة المنظمة التي تسمح للوحدات المشتتة والمختلفة بالتجمع والإنصهار في "الكل". واللوغوس بهذا المعنى هو المبدأ الذي يسمح أيضا بالتغيّر، والذي بواسطته يتحول الشيء إلى ضده. وهذا لا يعني أن الشيء يحتوي على ضده على غرار ديالكتيك هيجل فيما بعد، فالشيء وضده يتواجدان معا أو بالتناوب مثل طريق جبلي، إذا نظرنا إليه من أعلى فهو طريق نازل أو هابط من أعلى إلى أسفل السهل، وإذا نظرنا إليه من أسفل فهو طريق صاعد من أسفل إلى أعلى. والطريق الهابط هو الطريق الذي يتحول فيه عنصر النار إلى الماء ثم التراب، والطريق المناقض هو الطريق الصاعد حيث يتحول التراب إلى ماء ثم يتحول هذا الماء إلى عنصر النار. وهذين الطريقين يقودان في نهاية الأمر إلى صورة عامة للكينونة ككل، حيث يبدأ العالم وينمو ويتطور ثم يموت ويختفي، ثم يأتي من جديد عالم آخر يبدأ من حيث أنتهى العالم الأول حيث يتطور وينمو بدوره حتى الفناء الكامل، وهكذا إلى مالا نهاية يسير الوجود في دورات وحلقات متشابهة ومتكررة. ويرى البعض أن هذه الفكرة هي مصدر المبدأ الغامض "العود الأبدي" الذي قال به نيتشة - كما يلمّح عبدالرحمن بدوي في ربيع الفكر اليوناني. ويعتبر هيراقليطس مجددا في مجال الفلسفة ومناديا باللوغوس، ومفكرا عقليا، والذي شن هجوما عنيفا وشرسا ضد الشعر والشعراء مثل هزيود وهوميروس، لأنهم ساهموا في نشر الخرافات الدينية والأساطير بين الناس، ويعتبر كمفكر التغيّر والحركة الدائمة وكمناقض موضوعي لبارمينيدس، ممثل المدرسة الإيلية القائلة بالثبات والوحدة. رغم أن بارمينيدس، الوحيد مع أنبادوقليس Empedocles من بين الفلاسفة اليونانيين جميعا، عرضا فلسفتهما وأفكارهما النظرية في قصائد شعرية وليس في نصوص نثرية تعتمد على التتابع والمنطق وتستند إلى الدلائل والقرائن. والجدير بالذكر، بأن هذه الرحلة الطويلة لزيارة الفكر اليوناني القديم، من أساطير وأديان وملاحم وفلسفة، إنما كان الهدف منها هو الوصول إلى بارمينيدس هذا وبالذات إلى النص الوحيد المتبقي من كتاباته، القصيدة المعروفة بإسم "في الطبيعة" والتعرف على خارطتها الداخلية وتضاريسها وما تحتويه من أفكار فلسفية جديدة، لأنها في نظرنا تعتبر بداية التفكير في مقولة الكينونة ومقولة العدم، كضرورة لتأسيس أي فلسفة تهتم بالكائن عموما وبالإنسان ككائن مفكر.

يتبع



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World