السلام العالمي لكانط و الرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي - (7-14 )

راندا شوقى الحمامصى
randa9992001@gmail.com

2023 / 7 / 8

4: بناء السلام Peace-Building
دعونا الآن نوجه إهتمامنا إلى بناء السلام الإيجابي. فبناء السلام بأوسع تعبير ينطوي على تهيئة الظروف السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية والروحية التي تجعل من الممكن تحقيق سلاماً دائماً. ويستند مفهوم بناء السلام على الإستنتاج الذى مفاده بأن "الأساليب التقليدية الدبلوماسية أثبتت عدم فعاليتها في منع وحل ... العدائية." وهذا لا يعني أن الدبلوماسية لا لزوم لها، ولكن لوحدها دون الأساس لسلام دائم، فالدبلوماسية ليست كافية لمنع الحروب من الإندلاع. و في حين يمكن للدبلوماسيين صنع السلام، فإنهم غير قادرين على الحفاظ عليه دون تهيئة الظروف التي تجعل من السلام خياراً أكثر فائدة من الحرب. و يَفترض بناء السلام أنه ما إذا وجدت الظروف المناسبة داخل الدول وفيما بينها، فهناك فرصة ضئيلة إن وجدت لحدوث الحرب لأنه سيكون هناك دائما عوامل سياسية و إجتماعية و ثقافية و روحية و اقتصادية وحتى عسكرية ضد الحرب أكثر من العوامل التى معها.
مقالة "السلام الدائم" لكانط لديها فى الحقيقة إقتراح واحد فقط فيما يخص بناء السلام و هو أن جميع الدول يجب أن تكون نيابية و جمهورية. (ماذا يعني ذلك بدقة سنفحصه بعد لحظة). و هذا الإقتراح يجعل من "السلام الدائم" واحداً من الأمثلة الأولى لما يعرف الآن باسم "نظرية السلام الديمقراطي democratic peace theory" و التي تنص على أن مواطني الدول الديمقراطية لا يذهبون إلى الحرب، على الأقل ليس ضد الدول الديمقراطية الأخرى. و حسب هذا الرأي، "فإن إنتشار النظم السياسية الوطنية المشروعة ستؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الصراع الدولي." فالسلام "في الأساس هو مسألة تأسيس النظم الوطنية المشروعة في جميع أنحاء العالم." و أن كانط يوافق على ذلك ولهذا السبب يصر على أنه "يجب أن يكون الدستور المدني لكل أمة جمهورياً". (كانط عام 1983، 112). لأن الدول الجمهورية الدستورية لا تميل كثيراً للذهاب إلى الحرب لأن صدمات الحرب لا تتحملها فقط الجيوش المهنية ولكن أيضا السكان عموما. فالغالبية العظمى من الناس عادة ما تكون مناوئة لمثل هذه المِحن، و لو أن، بطبيعة الحال، قد تكون الحرب الدفاعية إستثناءاً. وبالتالي، وفقا لكانط ، فإذا كانت جميع الدول جمهوريات كما يصف، فمن ثم سيتم القضاء على الحرب. لكن، مصادقة كانط على "نظرية السلام الديمقراطي" بأنها مؤهلة لأنه يعتقد أن تكون الدولة جمهورية في حد ذاتها لا يكفي لضمان السلام. و هذا هو السبب في أنه يقترح "عصبة السلام league of peace". فالجمهورياتية هى جزء من الحل ولكنها ليست كل الحل. و فى هذا فهو على إتفاق مع الآثار (الكتابات) البهائية المقدسة.
تجدر الإشارة إلى أنه يجب علينا أن نكون حذرين بألا نفسر جمهورية كانط بأنها متطابقة مع الديمقراطية. فالإقتراع العام، وهو شرط لا غنى عنه من أجل الديمقراطية الحديثة، لا يتم ذكره حتى في نظرية "السلام الدائم"؛ فى الواقع، فإن كانط "ليس نصيراً للحكومة الديمقراطية" في شكلها الحديث. فإنه يربط الديمقراطية كما نفهمها مع "الإستبداد" (المرجع نفسه 114) لأن حكم الأغلبية "إستبداد الأغلبية" يهدد الحرية الفردية. و كما رأينا من قبل، فإن جمهورياتية كانط لا تتطلب سوى الحكومات الممثلة التي فيها السلطتان التنفيذية والتشريعية منفصلتان. و ليس من الضروري أن التمثيل يأتي من الممثلين المنتخبين شعبيا.
و الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تتفق مع كانط أن الحكومة التمثيلية /النيابية، كما في التحليل الأخير، هى الشكل الشرعي الوحيد للحكم. ومع ذلك، فإن الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تختلف بشكل ملحوظ عن كانط في تحديد ما يشكّل حكومة شرعية. خلافا لكانط، فإنها تظهر تفضيل الديمقراطية الشعبية على مستوى القاعدة. و يبيّن حضرة بهاءالله أنه على الرغم من أن نظام الحكم الجمهوري يفيد جميع شعوب العالم، فهو يفضل النظام الملكي الدستوري الذي يجمع بين الحكومة النيابية الديمقراطية مع النظام الملكي: "إِنَّ الْجُمْهُورِيَّةَ وَإِنْ كَانَ نَفْعُهَا رَاجِعَاً إِلَى عُمُومِ أَهْلِ الْعَالَمِ وَلَكِنَّ شَوْكَةَ السَّلْطَنَةِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ لاَ نُحِبُّ أَنْ يُحْرَمَ مِنْهَا مُدُنُ الْعَالَمِ فَإِنْ جَمَعَ أَهْلُ التَّدْبِيرِ بَيْنَ الاثْنَيْنِ فَأَجْرُهُمْ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ." (بهاءالله، البشارة: 15)
و يكتب فيقول أيضاً:
" وَيَبْدُو أَنَّ مَا تَتَمَسَّكُ بِهِ الأُمَّةُ الإِنْجِلِيزِيَّةُ فِي لُنْدُنْ مُسْتَحْسَنٌ إِذْ إِنَّهَا مُزَيَّنَةٌ بِكِلاَ النُّورَيْنِ: الْمَلَكِيَّةِ وَاسْتِشَارَةِ الأُمَّةِ." (بهاءالله، لوح الدنيا)
إن النظام البرلماني البريطاني هو، بطبيعة الحال، شكل من أشكال الحكومة التمثيلية/النيابية الديمقراطية التي يتم إنتخاب ممثليها عن طريق التصويت الشعبي. و في نفس الوقت، بريطانيا هى نظام ملكي دستوري، أي لها حكومة ديمقراطية منتخبة شعبيا مع العاهل /الملك الذي هو رئيس الدولة ولكنه لا يحكم. و تبقى السلطة التنفيذية الفعلية فى يد رئيس وزراء و الذى كرئيس للحكومة يحكم باسم العاهل الذي هو الرئيس الإسمي للدولة وله وظائف شرفية الى حد كبير.
و حضرة عبد البهاء يدعم بوضوح الديموقراطية، أي أشكال الحكومة التشاورية الحرة:
"أنظروا كم هو فرق شاسع بين الديمقراطية الحديثة والأشكال القديمة من الإستبداد. ففي ظل حكومة إستبدادية [أتوقراطية] فإن آراء الناس ليست حرة، و أن التنمية يتم إعاقتها، بينما في الديمقراطية، لأن الفكر والتعبير غير مقيدين، يُشاهد أكبر قدر من التقدم. و بالمثل فهذا صحيح كذلك في عالم الدين. فعندما تسود حرية الضمير، و حرية الفكر و حق التعبير - و ذلك بأن نقول، عندما يحصل كل إنسان وفقا لمثالياته الخاصة على حق التعبير عن معتقداته - فإن التنمية والنمو أمران لا مفر منهما." {ترجمة تقريبية} (PUP 197)
حضرة عبد البهاء يصّور "الديمقراطية الحديثة" بشكل إيجابي و يربطها مع "أكبر قدر من التقدم". لأن "الأشكال القديمة للاستبداد"، سواء كانت علمانية أو دينية، تعيق التقدم والتنمية من خلال خنق الفكر الحر والتعبير. و يشدد حضرة عبد البهاء على أهمية الحرية في أماكن أخرى أيضا. و أنه يجعل الحرية الشمعة الثالثة فى شمعات الوحدة السبعة seven candles of unity ، و في مقدمته للشمعات السبعة فإن الحرية الفردية هى الشرط الأساسي الذي يجعل السلام والوحدة ممكنين. (SWAB 31) و على سبيل المثال، فإنه يذكر حرية السفر و التواصل، و التزامل فى روابط دون عائق، و تبادل وجهات النظر والمعتقدات. لأن هذه الحريات و هذا الترابط يشجع "إمكانية تحقق الوحدة بين البشرية جمعاء في هذا اليوم." PUP 197)) وهنا أيضا، نلاحظ كيف أن الحرية والديمقراطية والتقدم مرتبطة ببعضها عن كثب في نظرة البهائية للعالم. فالجامعة البهائية العالمية Bahá’í International Community تضع نقطة مماثلة، مبيّنة أن الديمقراطية هي من بين الخصائص الرئيسية التي تضمن التقدم البشري. فى الواقع، فالديمقراطية الشعبية على مستوى القاعدة هي جزء لا يتجزأ من الهيكل الداخلي للدين البهائي كما يُرى مثلا في الضيافة التسع عشرية التي "تجمع بين العبادة الدينية مع الحكم الشعبي على مستوى القاعدة و التنمية الإجتماعية." وهكذا، فإن الضيافة التسع عشرية هى ساحة للديمقراطية في ذات جذور المجتمع تماماً" و بهذا المعنى، فإنها كذلك للنظام الإجتماعي البهائي.
ومع ذلك، ففي التفكير في موضوع الديمقراطية من المهم أن نأخذ في الإعتبار بيان حضرة شوقي أفندي بأن:
"لا أي شكل من أشكال الحكومة الديمقراطية، ولا نظام إستبدادى أو دكتاتوري، سواء ملكياً أو جمهورياً، ولا مشروع وسيط لنظام أرستقراطي بحت، ولا حتى أي نوع من الأنواع المعترف بها من الثيوقراطية (الحكومة الدينية) ... فلا واحدة من هذه يمكن مماثلتها أو أن يقال أنها تتطابق مع النظام الإداري الذي قد طرّزته يد الإبداع لمهندسه الكامل.
"هذا النظام الإداري المولود حديثاً يدمج فى داخل بنيته بعض العناصر والتي يمكن العثور عليها في كل من الأشكال الثلاثة المعترف بها للحكومة العلمانية، دون أن يكون في أي معنى من المعانى مجرد صورة طبق الأصل من أي واحدة منها، ودون إدخال أي من الميزات البغيضة التي تمتلكها بطبيعتها داخل أجهزته. و أنها تنسجم و تتواءم بحيث لا توجد حكومة صُنعت بأيدي البشر قد بلغت ذلك حتى الآن، و الحقائق المفيدة التي مما لا شك فيه يحتويها كل واحد من هذه الأنظمة دون إفساد لسلامة تلك الحقائق المعطاة من الله التي تأسس عليها جوهرياً. (WOB 152)
إن النظام الإداري البهائي المستقبلى سوف يعمل على إدماج الجوانب الإيجابية لمختلف أشكال الحكومة دون "إدخال داخل أجهزته أي من الميزات البغيضة التي تمتلكها بطبيعتها." (المرجع نفسه) وبالفعل، يبين حضرة شوقي أفندي صراحة على أن "النظام الإداري لأمر حضرة بهاءالله يجب و ليس من الحكمة أن يُنظر إليه بأنه ديمقراطي بحت في طبيعته"(المرجع نفسه) لأن "الديمقراطيات تعتمد أساسا على الحصول على تفويض من الشعب". (المرجع نفسه) فكلمات حضرة شوقي أفندي تشير بقوة إلى أن الديمقراطية، في حين أنها لا تقدر بثمن في تقدم التنمية البشرية، فإنها ليست محطة النهاية فيما يخص التطور الإجتماعي والسياسي للبشرية.
و الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تربط أيضا بين التقدم والسلام. فيقول حضرة عبد البهاء:
"إن الله قد إختاركم لغاية تحرى حقيقة و نشر السلم الدولي/العالمى، وقد إختاركم الله لتقدم و تنمية البشرية" {ت ت} (PUP 434).
ويقول في مكان آخر،
"أصبح التعصب و المشايعة العقائدية للمعتقدات القديمة المصدر الرئيسى والأساسي للعداء بين الناس، وعقبة في طريق التقدم البشري، وسبب الحروب والنزاعات، والمدمّرة للسلام والهدوء والرفاهية في العالم." {ت ت} (PUP 439)
السبب فى الربط بين التقدم والسلام واضح: فما لم يتقدم الناس اليوم الى ما بعد "النظام القديم" (PB ix) و ما له من المعتقدات المقيدة، والمواقف، و النظرة للعالم وطرق التفكير والفعل، فإننا سوف نكون عالقين فى وحل خصوماته السياسية والدينية و الثقافية والاقتصادية. فإذا لم نتمكن من تجاوز "النظام القديم" سنكون محاصرين داخله والحروب تندلع باستمرار كما كنا في القرن العشرين. و هذا، بدوره، يقوّض كل التطورات البشرية الإيجابية الأخرى أو التقدم.
ما سبق من حجة تجعل من الواضح أن مقالة "السلام الدائم Perpetual Peace" لكانط و الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تتقاربان عند نهج من الداخل الى الخارج "الداخل- الخارج inside-out" بالنسبة للعلاقات الدولية بقدر ما كل منها تربط الداخلي و الدستور السياسي للدولة بعلاقاتها الخارجية. فكل منها ترى بأن إنشاء حكومة تمثيلية /نيابية و جمهورية يفضي إلى السلام، على الرغم من أن الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تختلف عن كانط بقدر ما تتطلبه الحكومة التمثيلية الديمقراطية. و أيضا تتفقان على أن الحكومة التمثيلية، في حين أنها أمر لازم، فإنها ليست كافية لضمان السلام وهذا هو السبب الذى جعل كانط يقترح "عصبة السلام league of peace" و تقترح الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة شكلاً لمحكمة عالمية.
ولكن، خلافا لكانط ، فالآثار (الكتابية) البهائية المقدسة وضعت الخطوط العريضة لمختلف التدابير الحيوية لبناء السلام و اللازمة لضمان السلام في مرحلة السلام الأصغر و تؤتي ثمارها في السلام الأعظم. و في رأينا أن التعاليم الأكثر أساسية للقضاء على الصراع هو الإعتراف بضرورة وحدة الجنس البشري. فبدون الإلتزام العميق بهذه الفكرة، أي وجود إلتزام قوي جداً لدرجة أنه سوف يهيمن متجاوزاً الحواجز الثقافية والقومية والإثنية والطبقية و الاقتصادية والدينية والسياسية، فليس هناك أمل واقعي لإقامة سلام دائم. و يجب علينا أن نتعلم لجعل الولاء للإنسانية هو الولاء الرئيسى - على الرغم من أنه ليس الولاء فقط - و أن ندرك أن أفضل وسيلة لخدمة أمتنا الخاصة أو مجموعتنا الفرعية هي فى خدمة جيدة للبشرية ككل. و طالما فشلنا في تحويل ولاءنا الأساسي ليكون ولاءاً للبشرية فسوف نستمر نكون منقسمين فى كل المناحى و الذى إن عاجلا أو آجلا سينتهى إلى عدائيات ممزقة. و لماذا أن السبب واضح: لأن ولاءاً رئيسياً للبشرية يحد من تأثير الإهتمامات الأضيق من القومية أو الإثنية أو الدينية أو غيرها على نظرتنا للعالم و صنع القرار. أو ، بوضعها فى مصطلح براغماتي (عملى)، إنه حتى يصبح الخير للكل معارض لصالح البعض (القِلة) هو الهدف الأساسي من العمل العالمي، فإننا لا يمكننا أن نتوقع بعقلانية تحقيق والحفاظ على السلام. فأي شيء أقل من ذلك يوسع حتما الهوة بين البعض و الآخرين و إعادة خلق الحالات التي تقوّض السلام و تسهّل الحرب. و علاوة على ذلك، حتى أن يماثل البشر أنفسهم باطنياً مع جميع البشر الآخرين، أي حتى هويتنا كبشر تنسخ كل الهويات الأخرى، فنحن لا يمكننا خلق حالة ذهنية و روحانية و التي هي على إستعداد لتقديم التضحيات الضرورية من أجل السلام العالمي. و باستخدام تعبيراً رياضياً، يجب أن يكون الجميع على إستعداد "لإتخاذ الفرد للفريق". ودعماً لهذه الحالة النفسية و الروحية، فالآثار (الكتابية) البهائية المقدسة كثيراً من الأحيان تذكر بأهمية التضحية. (PUP 130). كما يقول حضرة بهاءالله: "لا بدّ من زوال هذه المشاحنات والبغضاء وهذا السّفك للدّماء وهذا الاختلاف، حتّى يكون جميع النّاس جنسًا واحدًا وأسرةً واحدةً... فلا يفتخر الإنسان أنّه يحبّ وطنه، بل يفتخر بأنّه يحبّ جنسه ..." (دراسات بهائيه، بهاءالله والعصر الجديد). فمثل هذا التحول و التغيير في سلم ولاءاتنا هو شرط لا غنى عنه مطلقا من أجل القضاء على الحرب.
و لدعم حجة بأن تحقيق وحدة الجنس البشري أمر أساسي للسلام، توفر الآثار (الكتابية) البهائية المقدسة إثنين من الطرق التي فيها أن البشرية هي في الأساس واحدة. و أول هذه العناصر هو الحيازة العامة "للنفس الناطقة" (SAQ 208)
"أمّا الرّوح الإنسانيّ الّتي يمتاز بها الإنسان عن الحيوان فهي تلك النّفس النّاطقة، وهذان الاسمان أي الرّوح الإنسانيّ والنّفس النّاطقة هما عنوان شيء واحد، وهذه الرّوح الّتي تعرف في اصطلاح الفلاسفة بالنّفس النّاطقة محيطة بسائر الكائنات، وتكشف حقائق الأشياء بقدر الاستطاعة البشريّة،..." (عبدالبهاء، من مفاوضات عبدالبهاء: 52)
و قد يكون هذا مفهوماً من منظور علماني و روحاني. فمن منظور الأنثروبولوجيا الفلسفية العلمانية، يؤكد هذا البيان أن العقلانية هي السمة المميزة لجميع البشر. و بغض النظر عن الثقافة و الزمن التاريخى أو الظروف، فإن جميع البشر يملكون قوة التفكير العقلانية التي تسمح لهم بإكتشاف الحقيقة بشأن الواقع و التفكير التجريدى النظرى. (المفاوضات: 44). وحتى لمحة خاطفة على إنجاز الإنسان تُظهر أن البشر يملكون عقلانية إلى حد غالبٍ بحيث أننا، في الواقع، مختلفون فى النوع عن الحيوانات. وبعبارة أخرى، هناك طبيعة بشرية مميزة بشكل فريد و أننا جميعا نشترك فيها - و هذه الطبيعة البشرية هي واحدة من أحجار الأساس للوحدة الإنسانية. بطبيعة الحال، هذه الطبيعة البشرية الفريدة مع عدد لا يحصى من إمكانياتها يمكن التعبير عنها بطرق مختلفة في أوقات و ظروف مختلفة. ولكن في التحليل الأخير، فهى دائما تعبير إنسانى يمكن التعرف عليه بوضوح. و أن وحدة الجنس البشري هى أيضا يمكن ملاحظتها على المستوى الجسدى؛ فالبشر يشتركون في علم وظائف أعضاء متطابق جوهريا بحيث أن الأطباء الذين تدربوا في جزء واحد من العالم يمكنهم ممارسة الطب في بلد آخر. و هناك بعض الإختلافات الفسيولوجية ولكن هذه هي عرضية غير جوهرية بالنسبة للهوية الأساسية أو العامة.
وعلاوة على ذلك، فمن الممكن إتخاذ منظور روحي على مفهوم النفس الناطقة /العقلانية. فالنفس الناطقة هى الأساس لحياتنا الروحية نظرا لأنها تحررنا من الأسر الحيوانى بواسطة الحواس و تسمح لنا بالتعقل ليس فقط فى الظواهر المادية و الطبيعية، ولكن أيضا فى الكائنات غير المادية مثل الله، و الآلهة والقوى المطلقة، و كذلك الوحي و الظهور الإلهى، و النفس، والمظاهر الإلهية، و الروحانية بشكل عام. وبالتالي، فإن شمولية الدين والجهود المبذولة لفهم وتفسير الحقيقة و الواقع غير المادي توفر أدلة إضافية لعالمية الطبيعة البشرية و النفس الناطقة.
فالآثار (الكتابية) البهائية المقدسة تقدم أيضا سبباً روحانياً بحتاً لقبول وحدانية الإنسانية: نحن جميعاً خلائق أو أبناء الله. يقول حضرة عبد البهاء: " انظروا الى الجنس البشري كله كأعضاء في عائلة واحدة، وجميعهم أبناء الله، وعليه، عند قيامكم بذلك، سوف لا ترون فرقاً بينهم." {ت ت} (PT 170) وفي مكان آخر يقول:
"كل فرد من الأسرة البشرية هو ورقة أو فرع على شجرة الآدمية؛ و أن جميع البشر محميون تحت رحمة حماية وعناية الله، و أن الجميع أبناء الله، ثمر على شجرة محبته الواحدة. و أن الله رحيم و شفوق على قدم المساواة بجميع الأوراق والفروع والثمر لهذه الشجرة. وبالتالي، فليس هناك شجرة شيطانية مهما تكن-فالشيطان هو كينونه نتاج عقول البشر ونزعات بشرية غريزية نحو الخطأ."{ترجمة تقريبية} (PUP 230)
ومرة أخرى،
"لذا يجب على جميع النفوس أن تصبح مثل نفس واحدة، وجميع القلوب كقلب واحد. و على الجميع أن يتحرروا من الهويات المتعددة التي وُلدت من العاطفة و الشهوة، و فى وحدانية محبتهم لله فإنهم يجدون طريقة جديدة للحياة." {ت ت} (SWAB 76)



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World