تفاصيل المجزرة

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2023 / 6 / 24

بما أننا لسنا بصدد سرد قصة أو رواية خيالية أو أدبية، وإنما يصدد وصف الأحداث والظروف التي أدت بالطبيب والباحث جان-كلود رومان أن يقتل زوجته وأطفاله ووالديه، وبما أنه ليس هناك أية وسيلة علمية لمعرفة الدوافع الحقيقية، لعدم قدرتنا على الدخول وإقتحام "قلعة" الآخر أو وعي الآخر، وسيلتنا الوحيدة المتبقية هو معاينة القصة كما رواها جان-كلود نفسه، ثم تحليلها حسب المعلومات التي تراكمت تدريجيا لدينا بعد التحقيق والمحاكمة إلخ.
بدأت الأحداث التي تهمنا يوم السبت، ٩ يناير١٩٩٣ صباحا، وهو بداية الويكند الأول بعد فترة إحتفالات رأس السنة، حيث بداية العام الجديد، حتى لا نقول بداية حياة جديدة. دخل جان-كلود حجرة زوجته في حدود الثامنة، فوجدها نائمة، ولم يرد إيقاظها، فأقفل الباب وراءه وذهب إلى المطبخ لتجهيز الإفطار. في العائلات البرجوازية الميسورة الحال، عادة ما ينام الزوجين، كل في حجرته الخاصة، ذلك أنه بعد عدة سنوات من الزواج يفضل كل منه فضائه الخاص لمزيد من الراحة والحرية، وهو ما يسمى Faire chambre à part. وقد أستيقظ جان-كلود مبكرا هذا الصباح نتيجة نوع من الأرق الذي منعه من النوم، ودخل المطبخ وفي ذهنه إعداد الإفطار لكل العائلة، كما هي العادة أيام الويكند. وقبل أن يبدأ في إعداد القهوة، جذب بصره تلك العصا الإسطوانية التي نستخدمها عادة في المطبخ لترقيق العجين المستخدم في صناعة الخبز أو الحلويات، ولضرب الأزواج حسب الكاريكاتيرات المصرية القديمة، والتي أخرجتها زوجته، ولاشك لإعداد وجبة نهاية الأسبوع ووضعتها على رخامة المطبخ، بجانب آلة إعداد القهوة الكهربائية. أخذ جان-كلود هذه الإسطوانة، وصعد إلى غرفة زوجته فلورنس التي مازالت نائمة، وبعدة ضربات عنيفة بالرقاقة الخشبية شج رأسها وأرداها قتيلة في عدة دقائق. ثم عاد إلى المطبخ ليغسل أداة الجريمة جيدا بالماء والصابون ويضعها في مكانها الذي وجدها فيه منذ عدة لحظات. ثم ذهب إلى الصالون حيث يتواجد الأطفال الذين استيقظا قبل قليل ويشاهدون برامج الأطفال الصباحية في التلفزيون والتي ليست لهم إمكانية مشاهدتها خارج أيام الويكند والعطلات الدراسية. بقي جان-كلود يدردش مع أطفاله لفترة ليست بالقصيرة، طالبا منهم الهدوء وعدم الصراخ حتى لا يوقظوا أمهم التي ما تزال نائمة، ووضع لهم شريطا للرسوم المتحركة لوالت دزني، الخنازير الثلاثة Trois petits cochons، وبقي معهم قرابة الساعة حسب قوله، جالسا على الكنبة بين الإثنين، ثم طلب من كارولين أن تصاحبه إلى حجرتها لقياس حرارتها، حيث أقنعها بأنها تعاني من إرتفاع خفيف في الحرارة حين وضع يده على جبهتها. ثم طلب منها أن تستلقي في سريرها، ثم -كلعبة- أن تغمض عينيها وتغطي وجهها بالوسادة وتنتظر أن يأتي بالترمومتر. وفي هذه الأثنا صعد إلى العلية Le grenier، وهو المكان الذي يقع عادة تحت السقف ويستخدم لتخزين الأشياء الغير مستخدمة في البيت، وأحضر البندقية التي كان قد خبأها في هذا المكان منذ فترة، وبدون تردد أطلق على جسد كارولين التي مازالت تغطي وجهها بالوسادة، خمسة رصاصات أردتها قتيلة. ثم نزل مرة أخرى إلى الصالون حيث الطفل أنطوان يلعب ويشاهد برنامج الأطفال، ويبدو أن صوت التلفزيون غطى على صوت إطلاق الرصاص، وكذلك مساحة البيت الكبير وسمك الحيطان المشيدة بالحجارة الجبلية منذ عدة مئات من السنين، يجعلها كاتمة للصوت وتجعل أجزاء البيت وحجراته المختلفة لا تنقل الصوت كما هو الحال في الشقق الحديثة ذات الجدران الرقيقة السمك والتي تمكن الناس من سماع ما يجري وراء الجدران لدى الجيران. وطلب من أنطوان أن يصعد إلى حجرته هو الآخر ويمارس نفس اللعبة، إغماض العينين ووضع الوسادة على وجهه، وكأنه لا يريد أو لا يحتمل مشاهده وجوه أطفاله قبل أن يرسلهم إلى العالم الآخر. وأطلق عليه رصاصة واحدة كانت كافية لقتل طفل في الخامسة من عمره، ولم يتناول إفطاره بعد.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World