سيولُ ربيع الشمال: 31

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 6 / 22

31
جوليا، تركت جرحاً بليغاً في كرامة دارين؛ مع علمه، بالطبع، أنها ضحية الإدمان. كانَ الغضبُ ما ينفكّ يعتمل في داخله، فضلاً عن شعور الغيرة. على أثر هجرها له، ظلّ لبضعة أسابيع يحومُ حول المبنى، المحتوي على شقتها، كما يفعلُ الحاج في دورانه حول الكعبة. في الأثناء، كانَ العاشقُ المخذول، يحدّق في النور الأحمر لحجرة نومها؛ كأنما ليغتذي من خلاله، بالألم والقهر والهوان. كانَ من المؤمل أن يجدَ بعضَ العزاء، ثمة في صُحبة والديها. لكنه آثرَ أن يمتنعَ عن زيارة الفيلا، مدفوعاً بشعور أنه باتَ غريباً عن ساكنيها.
ثم رحلَ الشتاءُ الثقيل وأتى الربيعُ، مجدداً. لم يحسّ دارين بجمال ونقاء هواء الفصل الجديد، كما كانَ حاله في عامٍ مضى. من ناحية أخرى، إنشغلَ كغيره من مواطنيه، الكرد، بحرب تحرير الكويت؛ وكانوا يأملون أن تؤدي إلى سقوط النظام العراقي. لكن حصلَ خلاف ذلك، نتيجة حسابات دولية وإقليمية: فرحة تحرير محافظات العراق من الجنوب إلى الشمال، أعقبتها ويلات الإنتقام الأعمى. ومن ثم أدى ذلك إلى الهروب المليونيّ للكرد إلى حدود إيران وتركيا، لحين أن فرضت الأمم المتحدة الحماية على إقليمهم. لقد شارك دارين في المظاهرات والإعتصامات، المتداخلة مع تلك الأحداث.
ذاتَ يوم، وكانَ حاراً نوعاً ما، وجدَ نفسه يسيرُ على الممشى الترابي، المفضي إلى الفيلا. كانَ يبغي التوقف عند الجدول الدقيق، المتدفق مياهه بين الصخور والأشجار والنباتات والأزهار، والمشكّل في دورانه حول ذاته جزيرة صغيرة، عذراء تقريباً. إلا أنه ظل يمشي بطريقةٍ آلية باتجاه الفيلا، كأنما طيفُ جوليا يقوده من يده. وإذا به يفيقُ أمام تلك الدوحة من الأشجار، أينَ من المُفترض أن مسكنَ والديّ جوليا يقع ضمنها. فعلاً رأى فيلا ثمة، لكنها لم تكن ذات قرميد أبيض. أراد العودة أدراجه، لما أنخطفَ بصره إلى ناحية الترّاس. بلى، إنه ذات الموضع الأثير، الذي شهدَ مجادلاته ونقاشاته مع السيّد باولو والسيّدة أولريكا. بدَوره، لاحَ الترّاس كما لو كانَ مهجوراً. لكن، أية فكرة خرقاء عنّت للمالكين الجدد ( فكّرَ عندئذٍ في حيرة ) كي يُغيروا لونَ القرميد الأبيض الناصع، فيصبغوه بطلاء أسود كامد؟
على سبيل المصادفة، هذه المرة، كانَ دارين في أحد الأيام الربيعية تلك، يتنزّه في حديقة الملك. كانَ يسيرُ عند الضفة العالية للنهر، المشرفة على الممشى الخشبيّ؛ أينَ تُربط اليخوت الفاخرة ويَستلقي المتنزهون وجلهم من معتدلي الدخل أو الطلبة الجامعيين. كانَ الوقتُ قد أقتربَ من الغروب، والسُحُب تنذر بالمطر، فآثرَ أن يخرج من الحديقة. فيما كانَ يتجه إلى المدخل، لمحَ على الممشى فتاةً تُشبه جيني، وكانت تجلس مع شاب أجنبيّ. رفعت رأسها نحوه، لما شعرت أنّ أحداً يتأملها ملياً. وإذا هيَ ليست جيني. هذه الرؤيا، جعلته يفكّرُ بإرتياد ملهى " فلوستريت "، علّه يُصادف جيني حقاً. كانَ يسعى لمعرفة أخبار صديقتها، لأنهما تصالحتا في أوان قطع هذه الأخيرة علاقتها معه. بما أن الوقتَ كانَ مبكراً بعدُ على السهرة المأمولة، فإنه ارتأى أن يعود الى البيت لشرب قدح والتهندم بسترة مناسبة.
في حدود الساعة التاسعة ليلاً، كانَ يجتازُ مدخلَ الملهى، المُضاء بأنوار مُبهرة، بحيث بدت الأشجارُ حوله كأنها أشباح تتمايل بفعل الهواء، مُشبعة بالندى على أثر هطول المطر. ثمة عند السدة الخشبية، المعلّقة خلفها مشاجبُ الألبسة الثقيلة، تحرشت به فتاتان؛ إحداهما بدينة بعض الشيء: " أأنتَ جميلُ الروح بمثل جمال وجهك؟ "
" نعم، ولكنني لا أصلحُ للسحاقيات! "، أجابَ مبتسماً وبنبرة غير استفزازية. تبادلتا قلبَ الشفاه، وانكفأتا من ثم إلى داخل المبنى. كانت هيَ المرة الثانية أو الثالثة، يأتي فيها إلى هذا المكان مذ سفر نورو إلى الوطن. كذلك الأمر فيما يتعلق بملهى " ألكسيس "، الذي كان يتجنّبُ حتى المرور حَذاءه كما لو أنه مَحْجَر مرضى الإيدز. وكما توقّعَ سلفاً، فإنه سرعان ما أحسَ بالسأم على الرغم من الموسيقى والرقص وحوريات الفردوس. مع ذلك، شعرَ أكثر من مرة، بهاجسٍ أخرق ينبئه باحتمال مصادفة ملّاك الأراضي على إحدى الطاولات، يتكلم مع إحداهن بسويديته الهجين.
" لكن، هيَ ذي جيني أخيراً "، هتفَ بشيءٍ من السعادة. لولا أنها ظهرت أمامه عند البار، لكان قد سلا سببَ وجوده هنا. تعانقَ معها بمودة، ثم جلسَ بمقابلها على الكرسيّ العالي ومرفقه مسندٌ على سدّة الكونتوار، المكسو بالبلور. كانت لوحدها، وقالت أنها تنتظرُ صديقاتها. علّقَ دارين بالقول، بنبرة متكلّفة اللامبالاة: " أهيَ جوليا، ستكون إحداهن؟ "
" كيف؟ هل ستُبعث جوليا من قبرها وتأتي إلينا؟ "، قالتها بصوتٍ مُتأثّر. مكثَ مبهوتاً للحظات، بل ومصعوقاً، لا ينطق بنأمة. حينَ رأت حالته، مدّت يدها الرقيقة وشدّت على يده بحركة تعاطف: " أنا آسفة، كنتُ أظن أنك على علم بالأمر ". بالكاد، كانَ في وسعه الإستفهام بجملة مقتضبة: " متى كانَ ذلك؟ "
" بعد أشهر قليلة من إنتهاء علاقتكما "، قالت ذلك ثم أستطردت بسرعة لما رأت مسيلَ دموعه: " آه، كم أنا عاجزة عن التخفيف عنك بشكلٍ من الأشكال ". غبّ مضيّ دقيقة، لما أستعادَ نفسه، سردت عليه جيني بعضَ تفاصيل الحكاية المأسوية: " لقد ماتت بجرعة زائدة من الهيرويين، هكذا قالوا في المستشفى. كانت قبل ذلك تعيشُ في تعاسة، ووحيدة تقريباً. أنتَ تذكر ذلك الشاب، عباس؟ حسنٌ. لقد كانت تحبه، وشعرت بتبكيت الذات كونها تسببت في حكمٍ قضائيّ بسجنه عامين تمهيداً لطرده من السويد: كانت تغارُ عليه بشدة، وفي إحدى مشاجراتهما ضربها على رأسها بمطرقة حديدية. تنازلت عن الدعوى القضائية، لكنه نالَ الحكم مع ذلك ".
" تُحبّ عباس؟ يالها من فتاة سوقية! "، فكّرَ دارين باشمئزاز. على حين فجأة، شعرَ بالشهوة إزاء هذه الفتاة بحيث لم يعُد آبهاً بحديثها. الدهشة، المُتماهية مع الحيرة، تملكتها حينَ طلبَ منها أن تراقصه. تركا قدحيهما على سدّة البار، ومضيا إلى دائرة الرقص. عندما كانت في حضنه، استعاد تفاصيلَ جسدها المثير لما كانت تسير عارية في طريقها ليلاً إلى الحمّام. أما جوليا ذات الردف الإمبراطوري العظيم ( وكانَ الآنَ يتحللُ في القبر )؛ جوليا، التي كادت أن تدفعه للتوهان في مسارب الجنون، فإنه أبعدَ طيفها تماماً عن ذهنه. لكن جيني أعتذرت بلطف عن مرافقته لشقته بناءً على إقتراحه، وما لبثت أن تركته حينما حضرت صديقاتها. فكّرَ بحزن على أثر ذهابها: " مؤسفٌ أن تكون بهذا الحُسن، وهيَ سحاقية ".
موتُ جوليا، أزاحَ كابوساً ثقيلاً عن نفسه. لقد غدا أكثر خفّة. ومرّت الأيام، وحظيَ الربيعُ ـ كما العامين الفائتين ـ بلمساتٍ من ريحٍ دافئة؛ إستوائية أو متوسطية. آبت الطيورُ رويداً من الجنوب، فتعرّفت على أشجارٍ سبقَ وعاشرتها وابتنت فيها أعشاشها. بوصفه من ساكني حي غوتسوندا، وكانَ أساساً ضاحية ريفية، تلقى دارين بغبطة تلكَ الريح والطيور ـ كما تلقى بالأمس قبلة جيني الجميلة. وأسفَ على إضاعته الفرصة، فلم يعي بالأمس ضرورةَ الحصول على رقم هاتفها: " سأفعلُ ذلك، حتماً، في عطلة نهاية الأسبوع "، منّى نفسه بلقاءٍ مُتجدد في الملهى. أردفَ في فكره، مُستعيداً طريقة الفتاة في قصّ تفاصيل الأيام الأخيرة لصديقتها الراحلة، التي كانت عشيقتها في حقيقة الحال: " أشعرت هيَ أيضاً بالراحة، لموت جوليا؟ هل كانت جيني تقاسي الغيرة من عشاق صديقتها، وتتمنى لو تنتقم منها بطريقةٍ ما؟ ثم قدِمَ الموتُ، على أهون سبب، لكي يحلّ المشكلة ". ثم تابعَ، وكأنه يشفي غليله أيضاً: " بلى، كانَ من المُستحيل قهر جوليا إلا بالبودرة أو الموت. لم يكن عبثاً أنني كنتُ أشبهها بسميّتها، بمواطنتها الأثرية؛ جوليا دومنا: مُتسلطة، نرجسية، شبقة، مزاجية، عنيدة، شاذة، غريبة الأطوار، قاسية القلب.. بكلمة واحدة؛ كانت شريرة! ". إلا أنّ دارين في نقمة الذكرى، تناسى ولا ريب أنّ صديقته السابقة كانت، قبل كل شيء، ضحيّة تاجر المخدرات. والدليل الأوضح على ذلك، أنه كانَ السببَ المباشر لموتها.
" يا إلهي، كم كانَ عُمرها حتى تضحّي بنفسها من أجل مخلوقٍ رقيع ومنحط ونذل؟ "، عادَ إلى مونولوجه الداخليّ وقد أجتاحته شفقة مُفاجئة. عندئذٍ كانَ دارين قد أنحدرَ في الدرب الضيق، المتنامي حوله النباتات والمظلل بالأشجار، المؤدي إلى وادي " غيبّين ". لما أمسى في مُستهل الدرب الآخر، المُترب والأكثر اتساعاً، المُفضي إلى الفيلا، ضربَ يدَه على جبينه: " آه! إن ذلك اللونَ الأسود لقرميد الفيلا، لم يكن إذاً سوى لون الحِداد "، هتفَ في نفسه وقد تفاقم فيها شعورُ الشفقة. لكنها، هذه المرة، كانت شفقة تجاه والديّ جوليا، المسكينين، الذين فجعا بها وهيَ لم تتجاوز سنّ الواحدة والعشرين. على ذلك، فإنهما ما زالا يعيشان في الفيلا ولم يحلُ فيها ساكنون جدد؛ مثلما توهمَ في يومٍ سابق. إلا أنه، بطبعه الحَيي وغير الإجتماعيّ، لم يجد اليومَ أيضاً القدرة على مقابلة والديّ جوليا: " لا كلمات عزاء في العالم، في وسعها مواساتهما بمصاب فقدانها "، بررَ لنفسه وهوَ يؤوبُ من منتصف ذلك الدرب.
لكنه، إتفاقاً، ألتقى والدَ جوليا بعد وقتٍ قصير. كانَ دارين ذات ظهيرة يتفقدُ المزارعَ الأهلية ( الكولونيات ) في طرف ذلك الوادي، المُزدهرة في أوان الربيع. لفتَ نظره إحداها، وكانت مُترعة بالورود والأزهار على عكس جاراتها، المزروعة بالخضار. ثمة، كان رجلٌ ينحني على الأرض، مختفٍ وجهه داخل قبعة قش مُستديرة. لما رفعَ رأسَه، إذا هوَ السيّد باولو: " مرحبا "، بادرَه الرجلُ. ثم فتحَ لدارين بوابة السور الخشبيّ، كي يدخل إلى المزرعة المحدودة المساحة، القائم فيها كوخٌ خشبيّ بالكاد يتسع لمقام شخصين. لكنهما جلسا في الهواء الطلق، على كراسٍ مجدولة ومظهّرة بالقماش. لحظ دارين أخاديدَ جديدة في وجه الرجل، علاوة على مَلمَحِ حُزنٍ لا يَريم. قدّمَ إليه في كلماتٍ متعثرة التعازي بموت جوليا، قائلاً أنه سمعَ به بالأمس فقط. هزّ السيّد باولو رأسَهُ بحركة تفهّم، إلا أنه لم يعلّق بشيء. حلّ الصمتُ، وفي الأثناء كانت الطيورُ تخرقه طوال الوقت بتغريداتٍ لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد. تساءل دارين: " هل تجد الوقتَ للعناية، معاً، بهذه المزرعة وحديقة الفيلا؟ "
" الفيلا، ما زالت تقيمُ فيها طليقتي. أنا أسكنُ منذ فترة في شقةٍ صغيرة، قريبة من سنتر غوتسوندا "، فاجأه السيّد باولو بهذا الخبر. تلعثمَ دارين في التعليق على الأمر: " آه، نعم ". ثم أردفَ بشيءٍ من التهيّب: " مررتُ قبل فترة بالفيلا، فلم أعرفها "
" نعم، لقد قمتُ عقبَ موت جوليا بطلائها باللون الأسود. هذه عادة إيطالية، لم تعُد شائعة كثيراً هذه الأيام "، قاطعه المُضيف بهذا التوضيح. لم يجد دارين شيئاً يقوله، سوى التمتمة: " مفهوم. شيءٌ مؤسف ". ثم شاءَ الرجلُ الإيطاليّ تجاهلَ الحدث، المُحرج لهما كليهما، فعكفَ إلى موضوعه الأثير؛ السياسة. سأل الشابَ عن تقييمه لحرب الكويت وآثارها، وما لو كانَ يعتقدُ أنها أفادت شعوبَ المنطقة بما فيهم الكرد. هكذا أمضيا ساعة في النقاش، وفي الأثناء حصل دارين على قدحٍ من كوكتيل الفودكا. حينَ كانَ في طريق العودة إلى البيت، فكّرَ دارين بحزن لمآل والد جوليا: " على الأرجح، فإن سببَ الطلاق هوَ إدمانُ الرجل. لعل الإدمان كانَ قد أضحى يُثير حفيظة السيّدة أولريكا، لأنه يذكّرها بسبب موت ابنتها؛ ولو أن هذه كانت مُبتلية بإدمان المخدرات ".



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World