التربية الإسلامية

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2023 / 6 / 15

الجريمة والعقال
٥ - العلم ضد التربية
إن أغلب برامج التربية في المؤسسات التعليمية بمختلف أنواعها وتوجهاتها الإيديولوجية، تنفذ على ضوء فلسفة "التوجيه" و"التقويم" و"الإرشاد" و"التطويع" و"التهذيب" وذلك لغرض تكوين إنسان مستقيم وصالح يناسب المقاييس الإجتماعية التي تقوم بتنفيذ هذه البرامج والمناهج دون الأخذ في الإعتبار حرية المتلقي ولا قدرته على تنمية منظومة من القيم التي أنتجها من تجربته الشخصية ورغباته الخاصه، وبدون الأخذ في الإعتبار كل العوامل المتعددة بيئية ونفسية وإجتماعية ومادية والتي تتشابك وتتفاعل لتكون في النهاية القيم والمبادئ "الأخلاقية" التي على ضوئها يتحدد السلوك المناسب لكل شخص. ولقد أشرنا في الحلقة السابقة أن سياسة "العصا لمن عصى" تعتبر عاملا من عوامل إنتشار ثقافة العنف والخوف، غير أن هذا ليس إلا نصف الحقيقة، النصف الآخر من الحقيقة أن الوسيلة المستعملة في التربية سواء كانت العنف أو اللين، سواء كانت بالضرب أو بالكلام المعسول تظل متساوية النتائج طالما الهدف المنشود ما زال واحدا، وهو فبركة السلوك "المثالي" المطلوب. يقول جان بول سارتر في الكينونة والعدم " إن التربية القاسية تعامل الطفل كأداة، لأنها تحاول إخضاعه بالقوة لقيم لم يتقبلها، لكن التربية الليبرالية التي تستعمل طرائق أخرى، تختار أيضا بطريقة قبلية مبادئها وقيمها التي ستعامل الطفل في ضوئها. إن معاملة الطفل على قاعدة الإقناع واللطف لا تستدعي إرغاما أقل: هكذا، فإن إحترام حرية الآخر هي كلمة فارغة: إذا كان بإمكاننا أن نعتزم احترام هذه الحرية، فكل موقف نتخذه تجاه الآخر، هو إنتهاك لهذه الحرية التي نزعم احترامها" ٤٦٠ص إن هذا الموقف المتطرف والشديد الإنحياز إلى فلسفة الحرية ضرورة تمليها ظروف الإنسان الوجودية وكونه محكوم عليه بالحرية وفي نفس الوقت محكوم عليه بالوجود في العالم في مواجهة الآخر، وانبثاقنا في العالم هو بذاته حد لحرية الآخر كما هو حد لحريتنا، ولذلك تستحيل حرية الفرد بدون حرية الآخرين " ولا شيء يستطيع، حتى الإنتحار، أن يغير هذا الموقف الأصلي، فمهما تكن أفعالنا، نحن نقوم بها في عالم يوجد فيه الغير مسبقا، وأوجد فيه كفائض، زائد عن اللزوم بالنسبة إلى الغير". فهل معنى ذلك استحالة التواصل مع الآخر؟ أو استحالة أن تقوم المؤسسات التعليمية بدور في المجتمع؟ ربما الحل يكمن في استبدال مفهوم "التربية" بمفهوم آخر أكثر محايدة ويخلو من القبليات الأخلاقية مثل مفهوم "التعلم" أو "التكون العقلي" أو شيء من هذا القبيل، حيث يكون دور المؤسسات التعليمية هو توفير "العلم" بمعناه الواسع وإعطاء المفاتيح اللازمة للطالب لتكوين نظرة نقدية فعالة تجاه العالم والمجتمع خالية من القيم والمعايير الأخلاقية البائدة وتستند أساسا على العقل والمنطق وإعتبار الآخر في وجوده ككائن حر وعاقل بدوره. فأغلب المناهج التربوية باختلاف طرقها ونظرياتها البائدة والمعاصرة فشلت في استئصال العنف من المجتمع، وذلك لأن هذه النظريات لم تأخذ الإنسان كحرية فاعلة وديناميكية وإنما "كشيء" أو كعجينة يمكن تشكيلها وقولبتها كما نشاء. وأورد للقارئ هنا بعض الأمثلة مما يمكن تسميته بالتربية الإسلامية:
١ - "الطفل أمانة عند والِديه، وقلبه عبارة عن جوهرة ساذَجة قابلة لكل نقْش"
٢ - " فالتربية الإسلامية تستنِد إلى الكتاب والسنة والتي يتم غرْسها في نفوس الناشئة؛ بحيث يكون سلوكهم مطابِقًا لها. ومن ثَم فإن التربية في الإسلام لا تعني حشو مخ الناشئة بمختلف العلوم؛ من أجل الحصول على شهادة، بل أن يتكيَّف الطفل بحقائق العلم الإلهي، لتصير ملَكة الخير طبيعته التي تصدُر عنها أفعال الخير مستندًا إلى الإيمان بالله - عز وجل - وبذلك يتحقَّق مقصود التربية في الإسلام".
٣ - "والتعليم في الإسلام يجعل للمرأة تميزاً في المناهج، يتلاءم مع فطرتها وأنوثتها ووظيفتها، يقول الله تعالى: ]وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى[ [آل عمران:]. فإعداد الفتاة ليس كإعداد الفتى، المرأة لم تعد لتصارع الرجل في المصنع والمتجر ولتكون كادحة ناصبة. إعدادها بما يناسب طبيعتها وينسجم مع وظيفتها المنتظرة. إعدادها لتكون زوجة تجعل بيت الزوجية جنة وارفة الظلال، تتفيأ ظلالها أسرة سعيدة، وأماً تغدق حنانها على أطفالها وتحسن تربية أولادها، وأي خدمة للأمة والوطن أجل وأعظم من صنع الرجال وتربية الأجيال"
إن هذا النوع من "التربية" هو الذي ساهم في ظهور الديكتاتوريات العائلية والقبلية وفي انتشار العنف بكل أنواعه وفي تليف العقل وجفافه وفي انتشار الفقر الفكري المدقع، وليس هناك باب ولا نافذة للخروج من المأزق التاريخي وتجاوز الكارثة إلا بـ"العلم"، وليس بـ"التربية"، لأن التربية تعني وجود نموذج مسبق، وتعني خلق نسخ من هذا النموذج، وتعني اجترار الماضي، وتعني إلغاء إمكانية وجود مستقبل مغاير.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World