ملامح صحوة عربية

عبدالله عطية شناوة
abdllah.a.shnawa@gmail.com

2023 / 6 / 7

منذ الرابع والعشرين من شباط ــ فبراير 2022، وعلى نحو دراماتيكي، تتباين وتيرته، تحولت المواقف والسياسات والأنحيازات الدولية، في المنطقة العربية على الصعيدين الرسمي والشعبي.

قبل هذا التأريخ كان الحديث متواترا عن ناتو شرق أوسطي، يضم بلدان الخليج وبلدان عربية إخرى تحت قيادة إسرائيلية، لمواجهة ما كان يوصف حينها بخطر إيران وأذرعها على الأمن العربي، مما كان سيعني زج البلدان العربية في حرب ضد إيران لصالح إسرائيل والولايات المتحدة. وكانت مهرجانات التطبيع مع إسرائيل تنتشر في عواصم العرب من غرب أسيا إلى شمال أفريقيا.

كانت الثروات الطبيعية العربية تتدفق وفق أحتياجات الغرب الى أسواقه، بالضد من قوانين السوق في العرض والطلب، ولم يكن العرب هم من يحددون العرض بما يؤدي إلى أستقرار أسعار بضاعتهم، بل كان حجم العرض يحدد من خلال مكالمات تلفونية من عواصم القرار الغربية الى عواصم العرب، بشكل يؤدي أحيانا الى جعل سعر البضاعة العربية، لا يزيد إلا قليلا عن كلفة أنتاجها، وذلك لكي يكون سعرها في متناول المستهلك الغربي العادي، بما لا يجعله يعترض على التفاوتات الطبقية الهائلة بينه وبين النخب الأقتصادية والمالية الغربية وأمبراطورياتها المرعبة.

كانت العواصم العربية، بدفع من عواصم الغرب، تعمل ضد بعضها، وتهدر أموالها في نشاطات تخريبية مدمرة لا تستفيد منها سوى إسرائيل. كانت عواصم العرب مجبرة على التحول الى مستهلك لنفايات المنتجات الغربية، من اسلحة وذخيرة، لا تستخدم لتدعيم امن شعوبها، بل في تسليح زمر إرهابية تستخدم الدين والطائفة ستارا لأجرامها. حتى وصل الأمر الى قيام دولة خلافة إسلامية بين العراق والشام، تباع فيها السبايا من النساء. وكان لتلك الخلافة فروعا في أكثر من بقعة عربية وأفريقية.

لم يكن لأصحاب القرار في عواصم العرب، من بديل للخضوع لما يملى عليهم من عواصم الأمبراطوريات الكولونيالية القديمة. كانوا يرون في هيمنتها قدرا لا فكاك منه.

مع الرابع والعشرين من شباط ـ فبراير 2022، أكتشف أصحاب القرار العرب، أن الغرب الذي كان يبتزهم ويلغي إرادتهم، وإرادات شعوبهم ليس كلي القدرة، وأن ثمة أطرافا دولية يمكن الأعتماد عليها في تحقيق توازن ينهي وضع المأساة ــ المهزلة الذي كانوا يتخبطون فيه.

أنحسرت تدريجيا أناشيد التغني بالتطبيع مع محتلي الأراضي العربية، وخفت صوتها حتى لم نعد نسمعه إلا من شرائح بالغة الضعف والتأثير. وقبر حديث الناتو الشرق أوسطي، وبدلا من أعداد العدة للسير تحت راية أسرائيل في الحرب ضد إيران، جرى عقد مصالحة تأريخية معها.

وصار الحديث يدور عن أنتفاء الحاجة الى وجود أجنبي في المياه العربية لحمايتها من التهديدات، وعن قدرة العرب على حماية أمنها، وأمن الملاحة فيها بالتفاهم والتعاون مع من كان ينظر إليه كمهدد للأمن والأستقرار. ولم يستمع صانعوا القرار العرب، إلى أحتجاجات الغرب على المصالحات العربية ــ العربية، وعلى أنتظام الجامعة العربية كأداة للتقارب بين العرب، وليس حلبة للصراع فيما بينهم.

ووجد صانعوا القرار العرب ما يكفي من القوة لرفض الأتصالات التلفونية التي تطلب منهم ضخ ثروات بلدانهم الطبيعية الى الأسواق، بما يسحق من قيمتها، ومن عائداتها. وتجاوزوا ذلك الى امتلاك القدرة الى التحكم بالمعروض من منتجات بلدانهم بما لا يستجيب للطلب فقط، وأنما بما يستجيب لأستقرار أسعار تلك المنتجات لتأمين متطلبات التنمية الأقتصادية لشعوبهم وبلدانهم.

وأمتلك صانعوا القرار في العواصم العربية الفاعلة، الجرأة على التعامل مع منظمة بريكس التي تتطلع، الى الحد من الهيمنة الأمريكية والدولار الأمريكي الذي يستخدم كسلاح في النزاعات السياسية والأقتصادية، وأبدى بعضهم رغبة في الدخول بشراكات مع المنظمة، ومضى بعض آخر منهم ابعد من ذلك الى التقدم بطلب عضوية رسمية كاملة فيها.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World