النظرية الاجتماعية والنظارة الطبية : محاولة لفهم وتوظيف النظريات الاجتماعية بشكلٍ أفضل، وأكثر واقعية

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2023 / 6 / 2

في الحقيقة لا أدّعي الفهم الشامل للنظريات الاجتماعية، إنما هي مجرد خربشات اجتماعية أحاول من خلالها رصد بعض الوقائع والمشاهدات التي رافقت تدريس مقرّر النظريات الاجتماعية، فضلاً عن كونها محاولة لتوجيه الاهتمام حول كيفية تسهيل وتيسير فهم وتوظيف النظريات الاجتماعية بشكلٍ أفضل، وأكثر واقعية .

وحيث أن النظريات الاجتماعية لا تزال تثير الفزع والغموض والرهبة والمجهول لدى بعض طلبة الدراسات العليا، بالإضافة إلى اعتقاد بعض أساتذة علم الاجتماع بأنه لا يحق تدريس مقرّر النظريات الاجتماعية إلا من قبل بعض الأساتذة الذين يتمتعون بمتطلبات خاصة، أهمها الخبرة التدريسية .
لا زلت أتذكر واقعة حدثت عند توزيع المقرّرات الدراسية بين أعضاء هيئة التدريس، حين أبدى أحد الأساتذة الجدد آنذاك رغبته بتدريس مقرّر النظريات الاجتماعية، فما كان من أحد الأساتذة الأوائل والأكثر سنوات تدريسًا في القسم، إلا أن يتعجّب ويستغرّب من هذه الرغبة، وطرح على ذلك الأستاذ سؤالاً، وهو : كيف تجرؤ على تدريس هذا المقرّر؟ حيث بيّن له بأن تدريس هذا المقرّر ليس بالأمر السهل أو الهيّن .

هذه الواقعة تعكس منزلة النظريات الاجتماعية في بعض أقسام علم الاجتماع، كما توضّح مدى التحدي الذي يُواجه تدريس النظريات الاجتماعية في بعض الأحيان، فضلاً عن التحدّيات التي تُواجه الأساتذة في توصيل هذه النظريات للطلبة بشكلٍ سهلٍ، وفعّال ومؤثر، وهذا الأمر ربما مردّه الطبيعة الفلسفية والنظرية لهذا المقرّر، والذي يتطلب فهمًا عميقًا للمفاهيم والنظريات الاجتماعية المتنوعة، فالدارس للنظريات الاجتماعية يشعر أحيانًا كأنه أمام كلمات متقاطعة تحتاج إلى جهد، وتراكم معرفي ومفاهيمي؛ للوصول إلى فهم أعمق وشامل لها، كما أن البعض الآخر يجد صعوبة في عملية توظيف النظريات الاجتماعية، ومعنى هذا ببساطة شديدة كيفية الوصول إلى النظرية الصحيحة والمناسبة التي نستطيع من خلالها فهم وتفسير الواقع الاجتماعي، بالتالي أصبح البعض يراها أمرًا معقّدًا وصعبًا .

إذن في ظل هذه الوقائع التي رانت على تدريس النظريات الاجتماعية، وما اقترن بها من حالات الخوف والقلق في بعض أقسام علم الاجتماع كان من الطبيعي أن تظهر مشاكل استيعاب وفهم لدى بعض الطلبة، فضلاً عن الاخفاق في توظيفها بالشكل المناسب والصحيح، وهذا الأمر أصبح واضحًا وجليًا في بعض رسائل الماجستير، أو أطاريح الدكتوراه .

وحريٌ بنا هنا التأكيد على أن بعض حالات الاخفاق في فهم وتوظيف النظريات الاجتماعية قد يكون مرتبطًا بعوامل أخرى مثل: طرائق تدريس النظريات، والموضوعات وتسلسلها، وكذلك مستوى الطلبة، وقدرتهم على الفهم والتحليل والتفكير النقدي .

عمومًا فإن السؤال الجوهري الذي يقفز إلى الذهن هنا هو : لماذا النظريات الاجتماعية في علم الاجتماع ؟
عندما نبحث عن الأسباب التي تجعل الباحثين يلجؤون إلى النظريات الاجتماعية في البحث الاجتماعي؛ سنجد عدد من المبررات أهمها :
• فهم الظواهر الاجتماعية التي تحدث في المجتمعات وتحليلها وتفسيرها .
• التنبؤ بالتغيرات الاجتماعية .
• المساعدة في تطوير السياسات الاجتماعية والتدخلات الاجتماعية التي تهدف إلى تحسين الظروف الاجتماعية السلبية، مثل الفقر والجريمة والتمييز، وتحسين جودة الحياة في المجتمعات .
• تشكّل أدوات هامة للتفكير النقدي في علم الاجتماع .
• المساعدة على فهم أفضل للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمجموعات والمؤسّسات .
ربما يكون القارئ قد أدرك من المبررات السابقة أهمية وجود النظريات الاجتماعية في علم الاجتماع، كونها ليست ترف فلسفي، أو فكري، إنما هي إطار علمي يساعدنا على رؤية وفهم واستيعاب وتحليل وتفسير الواقع الاجتماعي بشكل أفضل وأعمق، وتساعدنا بالتالي على إزالة الطبقات السطحية والتشويش الموجود على الظواهر الاجتماعية، بُغية توضيح المعاني الأساسية والطبيعة الحقيقية لتلك الظواهر، فعندما نقول بأن علم الاجتماع هو كيف نرى الواقع الاجتماعي بشكلٍ أفضل وأعمق كما يراه غيرنا، وليس كما نراه نحن، فهذه الرؤية بحاجة إلى أدوات مهمة لبلورتها من أجل فهمها وتفسيرها كما هي دون تشويش أو تلميع؛ أيّ دون أن ننقص من حجمها أو نبالغ فيه .
بالتالي تشكّل النظريات الاجتماعية الأدوات المهمة والصحيحة التي تساعدنا على الفهم والتحليل العميق للظواهر الاجتماعية، فهي تساعد الباحثين في عمليات التحليل والتفسير والتنبؤ، وتحديد المتغيرات المهمة التي تؤثر في الظواهر الاجتماعية، فضلاً عن كونها ترصد التساؤلات المهمة والصحيحة، وتبين العلاقات السببية بين الظواهر الاجتماعية المختلفة .
في ضوء هذه الخلفية فإن الهدف الذي نسعى إليه في هذه المقالة هو محاولة تيسير وتبسيط فهم وتوظيف النظريات الاجتماعية بشكلٍ أفضل وأعمق، كما ذكرنا آنفًا، من خلال مثال واقعي لتسهيل فهم أدوار النظريات الاجتماعية .
النظارة الطبية والنظرية الاجتماعية :

أحاول هنا أن أوضّح مفهوم النظارة الطبية لتبدو الصورة واضحة لنا حول التشابه بين وظائف النظارة الطبية والنظرية الاجتماعية، حيث تعتبر النظارات الطبية هي الأداة المهمة التي تساعدنا على الرؤية بشكلٍ أفضل، في حال وجود مشاكل بالنظر، فضلاً عن كونها توفّر العناية الكاملة للعين؛ كذلك تستخدم النظارة الطبية لتصحيح العيوب الانكسارية في العدسة الشفافة للعين، وتحمي العين من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، والأتربة والجسيمات الصغيرة، وتساعد في تقليل الإجهاد العيني الناجم عن العمل لفترات طويلة أمام الحاسوب، أو شاشة التلفزيون، أو القراءة لفترات طويلة، وبالتالي تحافظ على صحة العين، وتقلل مخاطر الإصابة بالأمراض العينية .

كذلك لا يمكن القول بأن هناك نظارات طبية واحدة تصلح وتناسب الجميع، إنما هناك أشكال وأحجام مختلفة، ومتعددة حسب كل حالة، كذلك ومن المهم القيام بمراجعة الطبيب المختص بشكلٍ منتظم، لإجراء الفحص اللازم لتحديد نوع النظارات الطبية المناسبة لاحتياجات الفرد، لضمان توفر العناية الكاملة للعين، وتحقيق أفضل نتائج في تحسين الرؤية والحد من أيّ أعراض مؤذية للعين .

ولعلنا نروم من وراء كل ذلك أن نفهم كيف يمكن توظيف المفهوم السابق وهو " النظارة الطبية " لوصف دور النظرية في علم الاجتماع، فعلى النحو الذي يوضحه المصطلح السابق للنظارة الطبية، فإن النظرية الاجتماعية تعمل أيضًا كوسيلة لتحسين رؤيتنا للمشكلات الاجتماعية وتفسيرها بشكلٍ أعمق ٍوبصورةٍ أدق .
- النظريات الاجتماعية لتحسين رؤية المشكلات الاجتماعية :
يمكن للنظرية في علم الاجتماع أن تساعدنا على رؤية وفهم تفاصيل المشكلات الاجتماعية بشكلٍ أفضل وأعمق، وبالتالي يمكننا تحليل هذه المشكلات وتفسيرها، وتطوير حلول مناسبة لها، كما لا يمكن القول بوجود نظرية اجتماعية شاملة نستطيع من خلالها رؤية كل الوقائع الاجتماعية، وهذا يعني أهمية تعدد النظريات بغية الانتقال من نظرية إلى أخرى حسب ما تقتضيه ضرورات الوقائع الاجتماعية .

ولكن، على عكس النظارة الطبية التي توفّر لنا رؤية فورية ومحددة للحالة الطبية للمريض، فإن استخدام النظرية في علم الاجتماع يتطلب وقتًا وجهدًا لفهم المشكلات الاجتماعية وتحليلها بشكلٍ صحيح. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظرية تتغير مع تغيّر الظروف والتحولات في المجتمع، لذلك ينبغي توخّي الحذر وعدم الاعتماد بشكل كامل على النظرية دون التفكير بشكل نقدي وتحليلي في المشكلات الاجتماعية .

ومع هذا فإن من يحسن التأمل، ويدقق النظر يستطيع أن يدرك بسهولة أهم أوجه التشابه بين وظائف النظارة الطبية والنظرية الاجتماعية وهي :

• إن استخدام النظرية في علم الاجتماع يمكن أن يساعدنا على رؤية جوانب المشكلات الاجتماعية التي قد لا يكون من السهل رؤيتها بدون استخدام النظرية، وبالتالي يمكن للنظرية أن تساعدنا على فهم السياق الأوسع للمشكلات الاجتماعية، وتمكننا من تحليل العوامل المختلفة التي تؤثر على تلك المشكلات .
• وضوح الرؤية يساعد على تحسين القدرة على التفكير النقدي والتحليلي، والتي تُعد أدوات أساسية في فهم الظواهر الاجتماعية بشكل أكثر عمق ودقة .
• إن استخدام النظرية في علم الاجتماع يتطلب بالضرورة مراعاة بعض العوامل الثقافية والتاريخية والسياسية من مجتمع إلى آخر، فالنظريات الاجتماعية قد تختلف في مدى تطبيقها وفعاليتها من مجتمع إلى آخر، وقد تكون بعض النظريات أكثر ملاءمة لتفسير المشكلات الاجتماعية في بعض المجتمعات مقارنةً بمجتمعات أخرى .
• قد يحتاج الباحث إلى تعديل استخدام النظرية، أو اختيار نظرية مختلفة تعتمد على السياق الاجتماعي الذي يدرسه .
• وإذا أضفنا إلى كل ما سبق حقيقة أخرى وهي أن النظرية بحاجة إلى مراجعة وتقويم، بشكلٍ دوري ودائم .
كما أن كل ذلك ربما يفسّر لنا وجود بعض المفارقات السوسيولوجية في النظريات الاجتماعية عند توظيفها في دراسة الظواهر الاجتماعية أهمها :
• وجود تفاوت بين الباحثين في رؤية وفهم وتحليل وتفسير نفس الظاهرة، أو المشكلة الاجتماعية، كذلك قد تبرز حالات من التشابه في رؤية وفهم وتحليل وتفسير نفس الظاهرة أو المشكلة الاجتماعية .
• اعتماد بعض فرضيات النظريات الاجتماعية في بعض الأحيان على تصورات فرضية قد لا تتطابق أحيانا مع الواقع الاجتماعي المُعاش، مما يؤدي إلى تناقضات ومفارقات في تفسير الظواهر الاجتماعية .
• تركز بعض النظريات الاجتماعية على العوامل الاجتماعية المؤثرة في سلوك الأفراد، وتتجاهل في بعض الأحيان دور العوامل الفردية مثل الخصائص الشخصية في تحديد السلوك الاجتماعي .
• اعتماد بعض النظريات الاجتماعية على الأفكار والنظريات التي وُضعت في الماضي، وتجاهل العوامل الجديدة التي قد تؤثر في الظواهر الاجتماعية، وهذا يعني الحاجة إلى تحديث تلك النظريات وتجديدها بُغية ملاءمتها للواقع الاجتماعي المُعاش .

على القارئ بعد أن أحاط بهذا التحليل أن يدرك أن استخدام النظرية في علم الاجتماع يُمثل أداة قوية لرؤية وفهم المشكلات الاجتماعية بشكلٍ أفضل، والقدرة على تحليلها بطريقة منهجية ونقدية وموضوعية، فعندما نستخدم النظرية بشكل صحيح ونقدي، يمكننا تطوير المعالجات الفعّالة للمشكلات الاجتماعية، ووضع حلول مبتكرة وفاعلة للحد من تلك المشكلات، وتحسين الواقع المجتمعي بشكل عام .
وخلاصة القول فإن النظريات الاجتماعية تؤدي وظيفة النظارة الطبية في الوصول إلى فهم أدق وأعمق، ورؤيةٍ واضحة، وتحليلٍ نقدي، وتفسيرٍ منطقيّ للمشكلات الاجتماعية من خلال تحليل العوامل الاجتماعية المختلفة التي تؤثر على تلك المشكلات متجاوزة السطحية إلى الأعماق.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World