شذرات من الفلسفة والادب-ثورة بيضاء: نحو تحقيق التطور وكسر الحواجز الفردية في بناء الشخصية العربية(69)

عاهد جمعة الخطيب
ajalkhatib@just.edu.jo

2023 / 5 / 31

ثورة بيضاء: نحو تحقيق التطور وكسر الحواجز الفردية في بناء الشخصية العربية
مازال بناء الشخصية العربية يتمحور حول ال (أنا) وليس حول (نحن) ولا بد من ثورة بيضاء للانتقال من ال (أنا) الى (نحن) حتى تتكسر الحواجز الفردية والانانية ويحدث التطور
العبارة التي تم طرحها تناقش الاختلافات الفكرية والفلسفية والنفسية والاجتماعية في بناء الشخصية العربية. هي تركز على الفكرة التي تقول إن بناء الشخصية العربية مازال يتمحور حول الفردية والتأكيد على الذات (الأنا)، وأن هناك حاجة إلى ثورة بيضاء تعزز التحول من التركيز على الفردية إلى التركيز على المجتمع (النحن)، بهدف كسر الحواجز الفردية والانانية وتحقيق التطور.
من الناحية الفكرية والفلسفية، يمكن أن ننظر إلى هذه العبارة من خلال المفاهيم المرتبطة بالفردية والجماعة. يعتبر الفردية جزءًا أساسيًا من الهوية الشخصية، وهي تركز على حقوق واحتياجات الفرد وتحقيق تطلعاته ورغباته الشخصية. ومن الجانب الآخر، يرتبط المفهوم الاجتماعي ل (نحن) بالانتماء إلى مجموعة أو مجتمع، ويهدف إلى التعاون والتكامل وتحقيق المصلحة الجماعية.
من الناحية النفسية، يمكن النظر إلى هذه العبارة من خلال التوازن بين الاحتياجات الشخصية والاحتياجات الاجتماعية. البناء الشخصي السليم يتطلب تطوير الذات وتحقيق الطموحات الشخصية، ولكن في نفس الوقت يتطلب القدرة على التواصل والتفاعل الإيجابي مع الآخرين وتعزيز العلاقات الاجتماعية.
من الناحية الاجتماعية، يعكس الاهتمام الزائد بالفردية وال (أنا) تأثيرات سلبية على المجتمع بشكل عام. قد يؤدي التركيز الزائد على الاحتياجات الفردية إلى ظهور الانانية والتكبُّل والتفرقة بين الأفراد. قد يتسبب هذا التوجه في بناء حواجز فردية تعيق التعاون والتضامن الاجتماعي، مما يؤثر سلبًا على التطور والتقدم في المجتمع العربي.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ما يسمى "ثورة بيضاء"، وهي تحول جذري من التركيز على الفردية إلى التركيز على المجتمع والعمل الجماعي ال (نحن). يتطلب هذا التحول تغييرًا في القيم والمعتقدات الشخصية والاجتماعية، وتعزيز روح العطاء والتعاون والانتماء المشترك. يهدف هذا التحول إلى كسر حواجز الانفصال والتمييز والترويج للتفاهم والتعاون بين الأفراد والمجتمعات.
على صعيد الفلسفة، يمكن أن نرتبط بمفهوم التوازن بين الفرد والمجتمع. فالتطوير الشخصي السليم يتطلب تحقيق التوازن بين الحقوق الفردية والمسؤولية الاجتماعية. يعتبر الاعتراف بقيمة المجتمع ودور الفرد في خدمته جزءًا أساسيًا من بناء الشخصية العربية.
في النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن تحقيق هذا التحول الثقافي والاجتماعي يحتاج إلى جهود مشتركة من الأفراد والمؤسسات والقيادات في المجتمع العربي. يتطلب ذلك تعزيز الوعي والتثقيف حول أهمية التواصل والتعاون الاجتماعي، وتبني القيم الجماعية والمسؤولية المشتركة. عندما يتحقق هذا التحول، يمكن للمجتمع العربي أن يحقق التطور والتقدم الذي يسعى إلى تحقيقه. يتطلب ذلك تغييرًا في الأفكار والمفاهيم السائدة وتعزيز قيم التعاون والتضامن والتعاطف في المجتمع. يمكن تحقيق ذلك من خلال التركيز على تعزيز التعليم والتثقيف الذي يعزز الوعي الاجتماعي والثقافي ويعزز القدرة على التفكير النقدي والتعاون.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمجتمع العربي أن يستفيد من الخبرات والتجارب الناجحة في العالم الذي يركز على العمل الجماعي والتنمية المستدامة. يمكن استكشاف أنماط الحياة والقيم الاجتماعية للمجتمعات التي حققت تطورًا مستدامًا وتعاونًا قويًا بين أفرادها.
بالتالي، يُعَدُ التحول من التركيز على الفردية إلى التركيز على المجتمع والعمل الجماعي تحديًا مهمًا لبناء الشخصية العربية وتحقيق التطور. يتطلب ذلك إصلاحات في النظام التعليمي والقيم الاجتماعية وتعزيز الوعي والتثقيف. بموازاة ذلك، يجب تشجيع القادة والمثقفين والشباب على دعم وتعزيز روح التعاون والتضامن في المجتمع والعمل على تحقيق التغيير المطلوب نحو مجتمع يتمحور حول الـ "نحن".
بالإضافة إلى الجوانب التي تم ذكرها، يمكننا أيضًا مناقشة أهمية الثورة البيضاء من منظور نفسي واجتماعي. من الناحية النفسية، يمكن أن يكون التركيز الزائد على الذات والفردية مرتبطًا بالانعزال والشعور بالوحدة وعدم الارتباط العاطفي بالآخرين. بينما يمكن أن يسهم التحول إلى التركيز على المجتمع والعمل الجماعي في تعزيز الانتماء الاجتماعي وبناء علاقات صحية ومتوازنة مع الآخرين.
من الناحية الاجتماعية، يمكن أن يؤدي التركيز المفرط على الفردية إلى تشجيع الثقافة الانتهازية والتنافسية، مما يؤدي إلى القلق والتوتر والتشتت في المجتمع. على النقيض من ذلك، يمكن أن يعزز التحول إلى التركيز على المجتمع والعمل الجماعي التعاون والتعاضد وتعزيز العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
بصورة عامة، يمكن اعتبار الثورة البيضاء مفتاحًا لتحقيق التطور في المجتمع العربي، حيث يتحقق التنمية الشاملة عندما يعمل الأفراد معًا كفريق واحد مترابط، ويهتمون بصالح الجماعة بشكل عام. إنها دعوة للتفكير النقدي وإعادة النظر في القيم والمعتقدات السائدة لبناء المجتمع العربي المزدهر والمتقدم.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World