هل تصلح النظريات والمفاهيم الغربية كمدخل لفهم وتحليل وتفسير طبيعة المجتمع العربي؟

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2023 / 5 / 29

في الحقيقة عند التدبر في استخدام النظريات والمفاهيم الغربية كمدخل لفهم وتحليل وتفسير طبيعة المجتمع العربي، فإن ذلك التدبر والتأمل قد يدفعنا إلى طرح عدد من التساؤلات المهمة والمتنوعة، لعل أهمها:
• لماذا لم يتم تطوير نظرية ابن خلدون فيما يتعلق بالبداوة والحضر والتي تجاوز عمرها ستمائة عام؟
• لماذا لم يستطيع أساتذة علم الاجتماع بالجامعات العربية أن يأتوا بالجديد لتخطي التقليد إلى التجديد؟
• لماذا لا نفكّر في أن نبدع نظريات خاصة بنا، تفسر واقعنا الاجتماعي بدل اجترار النظريات الغربية؟
• ألم تكن الحضارة العربية – الإسلامية متألقة ومثار إعجاب الغربيين أنفسهم الذين لم يسعهم إلا الاعتراف بها؟
• هل لا تزال طبيعة المجتمع العربي عبارة عن صراع ما بين البداوة والحضر، مثلما طرحها ابن خلدون، وكررها بعض المفكرين المعاصرين من أمثال: علي الوردي؟
• أين مكون العقيدة من فهم طبيعة المجتمع العربي؟ خاصة ونحن نعلم جيدا بأن مكون العقيدة له دوراً مهما في فهم وتفسير وتحليل طبيعة المجتمع العربي ؟
في الحقيقة قبل الولوج إلى مناقشة التساؤلات المطروحة، يجب أن نصارح القارئ منذ البداية بأننا ننطلق في صدد البحث عن الإجابات إلى عدد من الركائز الهامة، وهي :
1. دور الباحث في علم الاجتماع كمثقف قادر على أن يخلق الوعي ويحفزه عبر قدرته على أن يربط بين الهموم الفردية، والقضايا العامة.
2. التأكيد بان طرح هذه التساؤلات لا يقصد منها التقليل من شأن النظريات الغربية، أو الاتجاه بعدم الاستفادة منها، في فهم وتحليل وتفسير الواقع المجتمعي العربي.
3. ربما تكون النظريات الغربية جزء من التراكمات المعرفية والنظرية لبناء مفاهيم ونظريات عربية، بغية المساعدة على فهم وتحليل الواقع المجتمعي العربي.
4. يتوجب أن نعلم أيضا بان النظريات الغربية تم بناءها وتطويرها في سياق ثقافي واجتماعي مختلف عن الواقع الاجتماعي في المجتمع العربي، وبالتالي فإن بعض هذه المفاهيم والنظريات قد لا تتناسب مع طبيعة وخصوصية المجتمع العربي، من حيث الثقافة، واللغة، والدين، بالتالي يتوجب توخي الحذر في تطبيقها في السياق المجتمع العربي.
وعموما عند التدبر والتمحيص في التساؤلات السابقة يمكن القول بأن التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية والتكنولوجية التي شهدها المجتمع العربي خاصة في مرحلة ما بعد 2011م، بحاجة إلى إعادة قراءة بغية؛ فهمها وتحليلها وتفسيرها في ظل سياقاتها وخصوصياتها، فالأمر لم يعد كما كان سابقا، مجرد تصنيف بسيط قائم على صراع ما بين البداوة والحضر، فهذا التصنيف لم يعد ينطبق بنفس القوة والاتساع كما كان منذ ستمائة عاما، فالتحولات التي شهدها المجتمع العربي أدت إلى إحداث تغييرات كبيرة في طبيعته وسلوكياته ونزاعاته، ومن المهم أن نفهم تلك التحولات والتغييرات ونحللها ونفسرها بشكل أكثر عمق، كما لا يمكن الإلمام بهذه التحولات والتغييرات خارج دائرة مكون العقيدة؛ كونه يؤثر على القيم والمعتقدات والتصورات والتمثلات الثقافية للفرد والمجتمع، فكل ذلك سيساهم على فهم أعمق لطبيعة المجتمع العربي، وهذا الأمر يدفعنا بالضرورة إلى أهمية بناء أو تطوير مفاهيم ونظريات عربية أكثر تماسكا، وبالتالي أكثر فهما للواقع المجتمعي العربي .
ولا شك أن القارئ قد لاحظ بعد قراءته التحليل السابق بأن الأمر بحاجة إلى وجود بيئة علمية وثقافية تشجع أساتذة علم الاجتماع في الجامعات العربية على الابتكار والتجديد، بعيدا عن حالات التسليم والانقياد التي تتسم بها البيئة البحثية بالمنطقة العربية، سواء من حيث اختيار الموضوعات أومحاولات التأطير، فضلا عن أهمية الحصول على الدعم المادي والمعنوي للأبحاث العلمية والإبداعات والتجديدات الفكرية، وصولا إلى تطوير أو بناء مفاهيم ونظريات عربية، تساعدنا على فهم وتحليل وتفسير الظواهر الاجتماعية التي تخص المجتمع العربي بشكل أفضل وأعمق، ومن المهم أن يكون هذا التطوير أو البناء قائم على الأسس العلمية والنقدية والمنهجية الصحيحة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World