عقيدة إسرائيل العسكرية: قتال لا يتوقف (2 من 2)

نهاد ابو غوش
abughoshn@yahoo.com

2023 / 5 / 26

يمكن النظر للمعارك بين الحروب كتكتيك وقائي لمنع تنامي قوة الخصوم وللحيلولة دون تشكيلهم بعد ذلك خطرا مضاعفا، ولو اقتصر الأمر على ذلك لاعتبر أن استدامة المعارك والحروب بالنسبة لإسرائيل هي ضروة دفاعية في ضوء الادعاءات بأنها محاطة بالأعداء الذين يتطلعون للقضاء عليها من كل جانب. ولكن، في عالم مليء بالحروب، يتبين ان تصنيع الأسلحة وتجارتها وتقديم الخدمات الأمنية المرتبطة بها هي قطاعات مربحة جدا، بل باتت صناعة السلاح المقترن بالتكنولوجيا الحديثة هي القطاع الرائد في الاقتصاد الإسرائيلي بحجم مبيعات يصل إلى أكثر من 12 مليار دولار سنويا. وتوجد في إسرائيل نحو ألف شركة متخصصة في إنتاج الأسلحة وتسويقها وبيعها، وباتت هذه الشركات تستقطب ضباط الجيش وخبرائه المُسرّحين، ومن بين هذه الشركات أربع تتبوأ مكانة لها ضمن اكبر مئة شركة تصنيع أسلحة في العالم، وهي إلبيت (المركز 29)، والصناعات الجوية (32) ورفائيل (45) وتاعس (99)، وقد تقدم قطاع صناعة الأسلحة الإسرائيلي المندمج والمتكامل مع شركات السلاح الأميركية مثل لوكهيد مارتن، وبوينغ ونورثروب غرومان، لتحقق إسرائيل قفزات نوعية في نادي تجار الأسلحة وتصبح من المنافسين بقوة على دخول نادي الخمسة الكبار إلى جانب الولايات المتحدة والصين.
وتتميز المنتجات العسكرية الإسرائيلية بأنها مُجرّبة في الميدان، في الحروب والمعارك التي بينها، وفي جولات القتال، والعمليات المحدودة، لا في المختبرات والمناورات وتجارب المحاكاة الافتراضية فقط، وباتت هذه المعارك هي الميدان الحقيقي لتجربة آخر ما توصلت إليه صناعات القتل والفتك بالبشر، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن تجربة القبة الحديدية بدأ الإعداد لها بعد حرب تموز 2006، وتطورت في سياق الحروب والعمليات المتكررة على قطاع غزة. كما شهدت هذه المعارك تطوير وتجربة أنماط جديدة من أسلحة الدفاع الجوي مثل "معطف الريح"، وقد شهدت الجولة الأخيرة من القتال تجربة نظام الدفاع الجوي الجديد المعروف بمقلاع داود والذي ما زالت تكلفة استخدامه عالية جدا.
تمثل الصناعات العسكرية الإسرائيلية المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة رافعة للاقتصاد الإسرائيلي، لكنها توفر أيضا مدخلا لتعزيز النفوذ الإقليمي والدولي لإسرائيل، ويكفي أن نطالع قوائم زبائن السلاح الإسرائيلي ( يوجد على الأقل 130 زبونا دوليا بما يشمل دولا وتنظيماتٍ وميليشيات متقاتلة حتى في الدولة الواحدة نفسها مثل الواقعة التي افتضحت في جنوب السودان). وبفحص أبرز مستوردي السلاح الإسرائيلي نتفاجأ بدول كانت محسوبة تاريخيا من أنصار العرب والفلسطينيين مثل الهند وفيتنام واذربيجان وإيطاليا، ومؤخرا جرى الكشف عن صفقة تزيد قيمتها عن مليار دولار بين هولندا وإسرائيل، ما يدفع هذه الدولة "المسالمة" إلى مقدمة زبائن إسرائيل العسكريين.
وتشهد جولات القتال التي تخوضها إسرائيل ضد الفلسطينيين بشكل عام، وضد قطاع غزة بخاصة، سلسلة من عمليات التطوير لأسلحة تقليدية وشبه تقليدية، من ذلك ما نقله موقع "والا" العبري عن قيام خبراء الصناعات العسكرية الإسرائيلية بتطوير استخدام قنبلة ذكية تحصل عليها إسرائيل من الولايات المتحدة، فقد ذكر الموقع العبري بتاريخ 18/5/2023 أن إسرائيل تحصل على القنبلة SDB ووزنها 125 كغم من الولايات المتحدة، لكن خبراء سلاح الجيش الإسرائيلي هم الذين يعرفون كيفية إدخالها من نافذة في المبنى! في إشارة إلى عدة عمليات اغتيال طالت مسؤولين من حركة الجهاد الإسلامي في الحملة الأخيرة.
تتغير الظروف ويتبدل الخصوم من دول قومية عربية إلى خطر التظيمات الاسلامية والخطر النووي الإيراني وكل ذلك إلى جانب العدو الثابت وهو الشعب الفلسطيني بتشكيلاته المختلفة، وتبقى العقيدة العسكرية الإسرائيلية راسخة لكونها باتت مصدرا لقوة هذه الدولة ونفوذها، وعنوان هذه العقيدة هو الحاجة إلى قتال دائم ومستمر: حروب ومعارك بين الحروب وجولات قتال لا تنتهي. ولكن في المقابل ثمة أشياء كثيرة تتغير ببطء، فوتيرة هذه المعارك بين الحروب باتت أقصر من قبل، ولم يعد بالإمكان الاقتصار على ضربات سريعة وخاطفة، أو حصر القتال في أراضي العدو، ولا تحقيق نتائج حاسمة في أي جولة وبخاصة حين تكون هذه المعارك والحروب ضد شعب ينشد الحرية وليست ضد أنظمة وجيوش.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World