مجموعة السبعة بين صيحات الحرب والشكوى من التبعية الاقتصادية

رشيد غويلب
rachidlu@t-online.de

2023 / 5 / 24

انتهت في 21 أيار الحالي قمة مجموعة السبعة في هيروشيما اليابانية. وحتى قبل انعقادها كررت القوى الاقتصادية الغربية شكواها من التبعية، أي ضعفها. وتقول دول المجموعة إنها جعلت نفسها قابلة للابتزاز من قبل بلدان مثل الصين وروسيا. لذلك تعمل الآن على تعزيز استقلالها تحت عناوين مثل "الاستدامة" أو "إزالة المخاطر" أو "مرونة سلاسل التوريد"، ويأتي ذلك في سياق الاستعداد لحرب أخرى.

منذ عقود كانت العولمة تعد نموذج الغرب الناجح واليوم ترى مجموعة السبع أن التكامل العالمي لعلاقاتها التجارية يمثل نقطة ضعف، ولهذا قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في نهاية اذار الفائت: يجب أن يصبح الاتحاد الأوروبي "أكثر استقلالًا اقتصاديًا عن الصين". وفقًا لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين، "تحاول الصين أن تجعل نفسها أكثر استقلالًا عن العالم والعالم أكثر اعتمادًا على عليها".

التعبية بشكل ملموس هي حاجة دول المجموعة للصين اقتصاديا، لكي تحافظ على نمو اقتصاداتها. في العام الفائت، استخرجت الصين قرابة 60 في المائة من العناصر النادرة في العالم، والتي تُستخدم في إنتاج المعدات الإلكترونية. توفر مصافي التكرير في الصين 60 في المائة من الليثيوم و80 في المائة من الكوبالت، وكلاهما يستخدم في تصنيع البطاريات. وتهيمن أيضًا على المنتجات الأولية المنفردة في صناعة الأدوية. ولهذا يحذر يورغن ماتيس من معهد الاقتصاد الألماني المرتبط برجال الأعمال: "اعتمادنا على جانب الاستيراد يمثل خطرًا جيوسياسيًا".

الى جانب ذلك، تعد الصين مهمة بالنسبة للغرب كسوق للتصدير، وكمورد للسلع الاستهلاكية الرخيصة وكموقع استثماري. وتتمتع السوق الصينية بذات أهمية السوق المحلية للشركات الأربعين الكبيرة المسجلة في مؤشر الأسهم الألمانية (داكس). ومن بين المتاجر الجديدة التي افتتحتها شركة "لوغو" الدنماركية المصنعة للألعاب في جميع أنحاء العالم في عام 2022، كان 60 في المائة منها في الصين.

وفق حساب بنك مورغان ستانلي الأمريكي، اقتصاديا، تتجه أوروبا نحو الصين، أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية: وتحقق الشركات الأوروبية المسجلة في البورصة قرابة 8 في المائة من مبيعاتها هناك، وفي الولايات المتحدة تبلغ النسية أربعة في المائة فقط،. كلاهما يصدر 7 -8 بالمائة من إجمالي صادراتهما إلى الصين. وتضيف مجلة " إيكونوميست" البريطانية، ان صادرات الشركات الغربية إلى الصين ومبيعاتها فيها، تشكل في حالة الولايات المتحدة، 4,2 في المائة من الناتج الاقتصادي، وفي حالة فرنسا وبريطانيا العظمى 4 – 5 في المائة. وتتقدم ألمانيا الجميع، حيث تصل المبيعات في الصين إلى قرابة 10 المائة من الناتج الاقتصادي.

إن درجة التبعية في الغرب لا تقترب من مثيلتها في معظم بلدان جنوب العالمي، التي صنف مؤتمر التجارة العالمي، أكثر من 100 منها على أنها "تعتمد على المواد الخام " وتعتمد صادراتها جزئياً على منتج واحد وتقلبات أسعاره. ومع ذلك، فإن مجموعة الدول السبع الكبرى تعد الآن علاقاتها التجارية المربحة مع الصين تهديدا. لقد كان السوق العالمي مفتوحًا لجميع الدول والشركات التي يمكنها دفع الأسعار المطلوبة وتحقيق العوائد المتوقعة. في هذه الاثناء، يتم تقييد هذه الحرية بشكل متزايد وتستخدم التجارة العالمية كسلاح في الصراع الجيوسياسي بين القوى المهيمنة (الغرب والصين وروسيا). وفي هذا السياق ردت بكين على قيود أستراليا على الاستثمارات الصينية بوقف واردات السلع الأسترالية. وعندما سمحت ليتوانيا لتايوان بفتح مكتب يمثلها في العاصمة في نهاية عام 2021، احتجت بكين ومنعت دخول الصادرات الليتوانية الى أراضيها.

يمكن ان تستخدم القوة الاقتصادية للصين سلاحا يلحق الضرر بدول مجموعة السبع، عبر عقوبات اقتصادية. ولكن، من غير المرجح أن تبدأ بكين حربًا اقتصادية ضد أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، لأن الثمن سيكون باهظا، فالصين تعتمد بشكل كبير على الغرب. عامل الضغط الاخر على دول المجموعة، هو اعتماد البلدان الأخرى على الصين، لا سيما في جنوب العالم، الامر الذي يؤثر في توازنات الصراعات الجيوسياسية عالميا أيضا. والمثل اليوم هو موقف الكثير من البلدان الأخرى الرافض للعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، ما يعيق تحقيق الغرب لأهدافه الجيوسياسية.

وبهذا المعنى، فإن الصين هي "المنافس المنهجي" للغرب، في طار صراع الهيمنة، والسعي لتحقيق الغلبة فيه على الطرف المنافس.

تحاول دول مجموعة السبع الحصول على استقلالية أكثر عن الصين، والبحث عن مصادر أخرى للمواد الخام، ويفرضون قيود على التعامل التجاري لشركاتهم مع الصين. لا تهدف قيود الاستثمار فقط إلى تعزيز استقلالية دول المجموعة، يل تستخدم لإجبار الصين على الاعتماد على نفسها لإضعافها،: وإلحاق الضرر بها على المدى الطويل.

بالإضافة إلى ذلك، يقدم الغرب دعمًا لدول أخرى في جميع أنحاء العالم لمواجهة الصين: تم التخطيط لمزيد من "شراكات المواد الخام" و "منصة ضد التدابير الاقتصادية القسرية"، والتي تريد مجموعة الدول الصناعية السبع بواسطتها تنسيق ردود أفعالها تجاه أي مقاطعة للتجارة أو الاستثمار من جانب الصين. بعد سنوات من تراجع أهمية مجموعة السبع كتب مركز الأبحاث الأمريكي جي زيرو: "حان الوقت لتجديد قيمة وأهمية وتأثير مجموعة السبع".

يريد الغرب بإجراءاته حل التناقض المتمثل في التهديد الذي يمثله صعود الصين الاقتصادي من جهة، والاستفادة منه من جهة أخرى. وبدلا من القطيعة يتبع الغرب استراتيجية الحد من مخاطر الصين. ان توازي الرغبة في الاستقلال عن الصين، مع استخدام مواردها الاقتصادية غيرممكن، إلا إذا استطاع الغرب من وضع الصين تحت السيطرة. وبالتالي فإن الحد من المخاطر وتعزيز سلاسل التوريد يمثل برنامجًا هجوميا.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا كان يقال ان التبعية الاقتصادية المتبادلة ضمانة للسلام، واليوم أصبحت خطر محدق، وخصوصا لبلدان الغرب التي لا تستطيع الاستغناء عن الحرب في صراعها من اجل الحفاظ على مواقع هيمنتها.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World