شذرات من الفلسفة والادب-ليس بالضرورة ان يكون الواقع ما نراه فقد يكون ما نختزن له من صور (59)

عاهد جمعة الخطيب
ajalkhatib@just.edu.jo

2023 / 5 / 21

ليس بالضرورة ان يكون الواقع ما نراه فقد يكون ما نختزن له من صور
في بعض الأحيان يمكن أن يكون الواقع مختلفًا عن الصورة التي نحتفظ بها في ذهننا. يعتمد تصورنا للواقع على عوامل متعددة مثل خبرتنا السابقة، وتحليلنا الشخصي، ومعرفتنا المكتسبة. يمكن أن تلعب العواطف والمعتقدات الشخصية أيضًا دورًا في تشويه الصورة التي نحملها.
هناك مصطلح يُطلق على هذه الآثار المعرفية والانحيازيات المحتملة في تصور الواقع، وهو "الانحياز الإدراكي" (cognitive bias). , وفي الواقع، يمكن أن تؤثر هذه الانحيازيات على قدرتنا على تقييم واقع الأمور بشكل دقيق وموضوعي.
قد يكون الواقع معقدًا ومتعدد الأبعاد، ولا يمكن لأي شخص أن يعرف كل التفاصيل والحقائق. لذا، قد نقوم بتحليل وتفسير الأحداث والتجارب وفقًا للمعلومات المتاحة لنا ووفقًا للإطار الذهني الذي نملكه. قد يؤدي ذلك إلى انحيازيات وتشويش في تصور الواقع.
من المهم أن نكون مدركين لهذه الانحيازيات وأن نسعى للحصول على معلومات متعددة وموثوقة ومن مصادر متعددة للتأكد من أن تصورنا للواقع يكون قريبًا من الحقيقة الموجودة في العالم الخارجي. كما يمكننا أن نتعلم من وجهات نظر الآخرين ونتبنى مناهج بحثية علمية للتقارب إلى الحقيقة قدر الإمكان.
وهنالك فلاسفة عديدون قد استكشفوا هذا الموضوع وأثروا فيه. لنلقِ نظرة على بعض الآراء الفلسفية المتعلقة بطبيعة الواقع والتصورات التي نحملها:
فيلسوف الوجودية جان بول سارتر يؤكد أنه لا وجود للواقع الموضوعي في حد ذاته. وفقًا لسارتر، نحن نعيش في عالم خالٍ من المعنى الذي يعتمد على وجودنا الفردي وخبراتنا الشخصية. يعتقد سارتر أننا نختار كيفية تفسير وتصور الواقع، وهذا يمنحنا الحرية والمسؤولية في صنع القرارات واتخاذ المواقف.
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت يشير إلى البناء النشط للواقع من خلال عملية التصور. وفقًا لكانت، ليس لدينا وصول مباشر إلى الواقع بشكل محايد، وإنما نتعامل مع الظواهر وفقًا لتصوراتنا الخاصة. يؤثر تصورنا في كيفية تفسير وتجريد المعنى من الأحداث والظواهر.

فيلسوف الواقعية العلمية كارل بوبر يؤكد أنه لا يمكننا تحقيق معرفة مطلقة عن الواقع، ولكن يمكننا اقتراب من الحقيقة من خلال عملية التجريب والاختبار. يقترح بوبر مفهوم "الاقتراحات قابلة للفحص"، حيث يجب أن يكون لدينا قدرة على اختبار ونفي الافتراضات التي نقترحها بواسطة الأدلة القابلة للتحقق
تعتقد هذه الآراء الفلسفية المتنوعة أن الواقع ليس مجرد مجموعة من الحقائق المحايدة، بل يتعلق بتفسيرنا وتصوراتنا الفردية والجماعية لتلك الحقائق. يمكن للعوامل المختلفة مثل الخبرة والثقافة والمعتقدات الشخصية والاعتبارات العاطفية أن تؤثر على كيفية رؤيتنا للواقع.
على سبيل المثال، اعتباراتنا الثقافية والاجتماعية يمكن أن تؤثر على الطريقة التي ننظر بها إلى العالم ونفهمه. قد يكون لدينا أطر تفسيرية مسبقة مشتركة مع الآخرين في مجتمعنا، مما يؤثر على تصورنا المشترك للواقع.

بالإضافة إلى ذلك، تؤثر العواطف والانفعالات الشخصية على كيفية تصورنا للواقع. قد يتأثر تفسيرنا وتصوّرنا بالمشاعر التي نشعر بها والتجارب الشخصية التي مررنا بها. قد يؤدي ذلك إلى تشويش في النظرة العامة للواقع وإغفال جوانب مهمة أو إعطاء أهمية غير متوازنة لبعض الجوانب الأخرى.
باختصار، يمكن القول أن الواقع ليس مجرد مجموعة من الحقائق المحايدة، بل هو نتاج لتفسيراتنا وتصوراتنا الشخصية والجماعية. قد يكون هناك تشويش وانحيازيات في تصورنا للواقع، ولذلك ينبغي علينا أن نكون حذرين ومدركين لهذه العوامل وأن نسعى جاهدين للوصول إلى فهم أعمق وأكثر توازنًا للواقع من خلال التفكير النقدي والبحث والاستكشاف المستمر.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World