نكبة 1948م قراءة نقدية

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2023 / 5 / 16

بادئ ذي بدء ينبغي أن نعلم بأن الغزو الصهيوني – الاستعماري المبرمج لفلسطين شكل منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى السعي الحثيث نحو إقامة ما اسمته الحركة الصهيونية " بالوطن القومي لليهود" وهذا ما عبر عنه تيودور هرتزل في كتابه " دولة اليهود الصادر عام 1896م، حين قال "بأن اليهود الذين يريدون دولتهم سيحصلون عليها ".
وجاءت أحداث 1948م التي اسفرت عن عملية احتلال لجزء من فلسطين، وإقامة الكيان الصهيوني عليه بتاريخ 15 مايو 1948م، وانسحاب الإدارة البريطانية منها، لتشكل منعطفًا خطيرًا على صعيد المسألة الفلسطينية، فمهدت الطريق أمام بروز المسألة الفلسطينية؛ كقضية هامة على المستويين العربي والدولي، حيث ركزت إسرائيل في مواجهة المسألة الفلسطينية منذ البداية بمسألتين رئيسيتين هما : تشجيع الهجرة إلى فلسطين، وربطها بمسألة الاستيطان الاستعماري من جهة أخرى، وكان جوهر تلك المسألة يتمثل في شعار الصهيوني المعروف " لنعطِ البلد التي هي بدون شعب لشعب بدون بلد"، لقد أصبحت نكبة فلسطين في 15 مايو 1948، هي الحدث التاريخي الأهم في المنطقة العربية والعالم، حيث تم إعلان قيام الدولة الإسرائيلة في فلسطين ونزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم ومدنهم.
لقد أدى هذا الحدث إلى تشكيل القضية الفلسطينية التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا، والتي يعاني فيها الملايين من الفلسطينيين في الداخل وفي الخارج من الحرمان والإضطهاد والنزوح والاحتلال.
وتعد نكبة فلسطين أحد أكبر الأحداث الحزينة والمؤلمة في تاريخ العربي الحديث، وهي تذكرنا بأهمية الحفاظ على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، حيث تم تسمية حدث قيام الدولة العبرية في فلسطين في 15 مايو 1948 بـ "النكبة" باللغة العربية، والتي تعني "الكارثة" أو "الكبوة" أو "الهزيمة"، وذلك للدلالة على الأحداث الكارثية التي تلت ذلك الحدث والتي شملت نزوح المئات من الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم ومدنهم، وتشكيل أزمة لاجئي فلسطين التي ما زالت قائمة حتى اليوم، ولعل أبرز ما قيل عن النكبة هو :
• إن النكبة كانت نتيجة للصراع العربي الإسرائيلي والمعارك التي دارت بين الجانبين، وتم تهجير الفلسطينيين نتيجة للتصعيد العسكري والنزاع السياسي.
• يعتبر الفلسطينيون أن النكبة كانت نتيجة للتصاميم الصهيونية والإسرائيلية الهادفة إلى تهجير الفلسطينيين والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
• يؤكد بعض الخبراء أن النكبة كانت لها تأثيرات عميقة على السياسة والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وأن الأزمات التي شهدها المنطقة منذ ذلك الحين تعود جزئياً إلى تبعات النكبة.
• تعتبر النكبة أيضاً نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط، حيث تم تشكيل دولة إسرائيل وتغيير ملامح المنطقة بشكل كبير.
• يرى البعض أن النكبة تمثل فقداناً كبيراً للموروث الثقافي والتاريخي الفلسطيني، وأنها تعبر عن معاناة الشعب الفلسطيني ومطالبه بالعدالة والحرية.
• يعتبر البعض أن النكبة لم تنته بعد، وأن الفلسطينيين لا يزالون يعانون من الاحتلال والتمييز والحصار، وأن الحل الوحيد يكمن في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على أراضيهم المحتلة.
ربما يكون القارئ قد أدرك من التحليل السابق؛ معنى النكبة، ومبررات بروز المسألة الفلسطينية كقضية هامة على المستويين العربي والدولي بعد 1948م
إن أبرز ما يلاحظ على النكبة 1948م ارتباطها بعدد من الأرقام أهمها :
• نزح أكثر من 700,000 فلسطيني: نزح أكثر من 700,000 فلسطيني من منازلهم وأراضيهم خلال الحرب، وتم تشكيل ما يعرف الآن باللاجئين الفلسطينيين، وهم يشكلون حتى اليوم أحد أكبر القضايا الإنسانية في العالم.
• تفريغ السكان : تعرضت القرى والمدن الفلسطينية للتدمير الشامل، وتم تفريغها من سكانها.
• تدمير العديد من المنشآت الثقافية والتاريخية: تعرضت العديد من المنشآت الثقافية والتاريخية الفلسطينية للتدمير خلال الحرب، بما في ذلك المساجد والكنائس والمدارس والمستشفيات والمتاحف.
• السيطرة الإسرائيلية على نحو 78% من الأراضي الفلسطينية: بعد الحرب، استولت إسرائيل على نحو 78% من الأراضي الفلسطينية، وتم استيطانها بواسطة المستوطنين اليهود، وهو ما يزال يشكل اليوم جزءًا من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
إن هذه الأرقام التي تم رصدها عن حرب 1948م، تدفعنا إلى طرح سؤال جوهري وهو : هل هناك المعلومات عن النكبة 1948م لم يتم تسليط الضوء عليها بشكل كافٍ؟
في الحقيقة يمكن رصد عدد من المعلومات ما تزال في حاجة إلى مزيد من البحث والكشف أهمها :
1- أعداد القتلى والمصابين: لا يوجد تقرير دقيق عن عدد القتلى والمصابين في حرب 1948، ويختلف تقديرات الأعداد تبعًا للجهة التي تصدرها.
2- الجرائم الحربية: تم ارتكاب العديد من الجرائم الحربية خلال حرب 1948، ولم يتم التحقيق في كثير من هذه الجرائم أو محاسبة المسؤولين عنها.
4- الحوادث الاستثنائية: كانت هناك بعض الحوادث الاستثنائية والغريبة التي وقعت خلال حرب 1948، مثل قيام جنود إسرائيليين بتجريف قبور المسلمين وإزالة الأضرحة الإسلامية في القدس، ولم يتم التحقيق في هذه الحوادث بشكل كافٍ.
وقد يكون مفيدا أن نشير هنا ونحن نتحدث عن البيانات والمعلومات المتعلقة بالنكبة إلى رصد عدد من المفارقات السوسيولوجية اللافتة الانتباه عن نكبة 1948م، أهمها :
1. المفارقة الديموغرافية: سببت النكبة 1948، إلى نزوح وهجرة الغالبية من الشعب الفلسطيني إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول المجاورة .
2. المفارقة الاجتماعية: كان النزوح الجماعي للفلسطينيين في حرب 1948 يشمل جميع شرائح المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك الفلاحين والعمال والمثقفين والأطباء والمهندسين والتجار وغيرهم.
3. المفارقة الثقافية: كانت الثقافة والتراث الفلسطيني جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المنطقة والحياة اليومية للفلسطينيين، ولكن تم تدمير العديد من المدن والقرى والمناطق التي كانت تمثل محورًا للثقافة الفلسطينية خلال الحرب، مما أدى إلى فقدان هذا التراث والثقافة.
4. المفارقة الدينية: أدت الحرب أدت إلى تدمير العديد من المواقع الدينية والأثرية في فلسطين، وتخريب العلاقات بين الطوائف الدينية.
وختاما فإنه من يحسن التأمل ويدقق النظرفي التاريخ الفلسطيني يستطيع أن يدرك بسهولة بأنه وبالرغم من مرور خمسة وسبعون سنة على النكبة 1948م، إلا أنه لا تمر مرحلة من مراحل تاريخ فلسطين، إلا ونجد دائما أحداثاً أو مواقفَ مهيبة تجسد قوة وجَسارَة الشعب الفلسطيني في محاولاته الوصول إلى استرجاع حقوقه الوطنية، إن النظرة العميقة لذلك التاريخ ستشكثف لنا حكايات فلسطينية لا يستكنهها إلا المتأملون، لقد تعلمنا من تاريخ هذا الشعب بأنه لم يجد الخوف إلى نفسه سبيلا، فكانت على سبيل المثال ثورة يافا عام 1921م، وثورة البراق عام 1929م، والثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936م، والانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، والانتفاضة الثانية عام 2000م،والانتفاضة الثالثة، أو انتفاضة القدس عام 2015-2016م وهبة باب الأسباط عام 2017م، وعرين الأسود 2022م.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World