هل يستطيع الباحث في علم الاجتماع التجرد من معتقداته وقيمه والظروف المحيطة به عند الكتابة؟

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2023 / 5 / 12

تأتي هذه المقالة في إطار توضيح أهمية معرفة الإدراكات المتبادلة بين المعتقدات والقيم والظروف المحيطة بالباحث في علم الاجتماع، وكتابة البحوث وتفسير النتائج، وذلك بغية الفهم الأعمق لهذه العلاقات.
حيث طرح الصديق والزميل الدكتور محمد محسن أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأسمرية، بليبيا، سؤال جوهري وهو:
كيفية تجنب الباحث في علم الاجتماع تأثير معتقداته، وقيمه، وتأثير الظروف المحيطة به على ما يتم كتابته؟ وبالتالي عدم السماح لها بالتحيُّل على تفسير النتائج.
حيث يعد هذا الأمر مشكلة في علم الاجتماع أو العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل عام، لأنها تؤثر سلبًا على موضوعية، وحيادية، ومصداقية، وموثوقية البحوث والدراسات وتفسير النتائج، كما أنها تعد من الممارسات غير الجيدة يتوجب على الباحثين الابتعاد عنها.
إن السؤال الجوهري الذي يقفز إلى الذهن هنا هو:
هل يمكن التجرد من المعتقدات والقيم والظروف المحيطة عند الكتابة وتفسير النتائج ؟
أجزم بأنه من الوهم أن نعتقد بأن التخلص أو تجرد الباحث من معتقداته الشخصية، أو قيمه، أو تأثير الظروف المحيطة به بشكل مطلق لن يحدث أبدًا، وهذا الأمر يعد من المنطق، كما أنه ليس بالسهل، حيث إننا جميعًا نحمل معتقدات، وقيم، فضلا عن تأثرنا بالظروف المختلفة التي عشناها، وهي تؤثر على ممارساتنا وأفعالنا، وهي تشكل بالتالي جزءًا مهمًا من تشكيل شخصيتنا، وسلوكنا، والمفارقة المنهجية المهمة هنا، اللافتة للانتباه: هي أن تلك العوامل تعد مهمة، وضرورة في فهم السلوك البشري وتحليله، ولا يمكن تجاهلها في دراسات علم الاجتماع، فالباحث في علم الاجتماع يتعامل مع المعتقدات، والقيم، والظروف المحيطة بالفرد بشكل موضوعي ومنهجي، حيث يتم فحص تأثير هذه العوامل على سلوك الفرد وممارساته وتحليلها لتجنب حدوث فتوقا في موضوعية، وحيادية، وموثوقية الدراسات والبحوث في علم الاجتماع.
إذن فإن السؤال الذي يطفو على السطح الآن هو :
ما الطرق أو الوسائل لتقليل تأثير المعتقدات الشخصية أو القيم أو الظروف المحيطة على كتابة البحوث وتفسير نتائجها ؟
في الحقيقة لا ادعي بأنني امتلك إجابة لهذا السؤال المهم، وهنا ربما أكون مثل ذلك الهدهد الذي قال لسيدنا سليمان "أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِه خُبر، وجئتك من سبأ بنبأ يَقِينٍ"، حيث يبقى الهدهد هو الهدهد، وسليمان هو سليمان، حيث أنني أَحَطتُ ببعض الممارسات البحثية في هذا السياق، التي اكتسبتها من بعض الأساتذة داخل وخارج ليبيا، ولعل الأستاذ الدكتور عقيل بربار أبرزهم في هذا المجال، حيث أفادني هو وغيره عندما قاموا بتقييم عدد من أعمالي البحثية، وأردفوني بعدد من الملاحظات والتوصيات المهمة، وأود هنا أن اسردها بغية تعميم الفائدة لكل الباحثين، حيث سأكتفي في هذا السياق لاختصار بعض الطرق والوسائل التي يمكن اتباعها لتقليل تأثير المعتقدات الشخصية أو القيم أو الظروف المحيطة عند كتابة البحوث والدراسات بشكل كبير، وهي:
1. أهمية القراءة والتدبر في الدراسات السابقة التي تمت في نفس المجال، والموضوع الذي تريد الكتابة عنه، وتحديد المعتقدات والقيم التي قد تؤثر على تحليل البحث، فالقراءة كما يقال تمد العقل فقط بلوازم المعرفة، أما التفكير فيجعل الباحث قادرًا على فهم وتقدير مختلف الأمور.
2. يمكن إجراء مراجعة للبحث من قبل زملاء الباحث في المجال، والاستفادة من آرائهم وملاحظاتهم وتوصياتهم لتحسين البحث.
3. يمكن للباحث التشاور مع أكثر من شخص في المجال الموضوع، أو الربط بعلاقات بينية مع علوم أخرى، والتعاون معهم في البحث والتحليل، وذلك لتقليل التحيز وتحسين الجودة والموضوعية في الكتابة.
4. ينبغي استخدام المصطلحات والمفاهيم العلمية المناسبة والمتعارف عليها في علم الاجتماع، والتي تعبر عن المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في هذا المجال.
5. يجب تجنب استخدام الألفاظ العاطفية، أو التركيز على الآراء الشخصية أو التوجهات الإيديولوجية.
6. التركيز على الأدلة والحقائق المتعلقة بالموضوع المدروس، والتحليل والتفسير بشكل موضوعي ومنهجي، وتجنب الإسهاب في الآراء والتخمينات الشخصية أو العاطفية أو الأيديولوجية.
وعلى هذا النحو فعلى القارئ بعد أن أحاط بهذه الوسائل أن يدرك جيدًا أهمية ضمان عدم الوقوع في مفارقات كثيرة قد لا يراها عندما يقوم بكتابة بحثه، كما إن هذه الوسائل هي أقرب إلى الممارسات الجيدة التي يتوجب تطبيقها وممارستها، والأخذ بها بعين الاعتبار عند الكتابة، حتى نضمن وجود دراسات أو بحوث غير مشبعة بمعتقدات وقيم أصحابها، وبالتالي تتجلى أمامنا دراسات وبحوث تتسم بالموضوعية والحيادية والموثوقة، وحصافة التعليل، ومن ثم يمكن إنتاج دراسات وبحوث تكون قادرة على أن تنتج الاختلاف أو تتجاوزه، لتعكس الواقع بأكبر وأعمق قدر ممكن.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World