ذوبان 2019:الفيلم الأخير الذي حققه كيم كي دك في حياته الدنيا

بلال سمير الصدّر
belalalsader@yahoo.com

2023 / 5 / 11

دن،فتاة شابة في مقتبل العمر،تعاني من تلك المعاملة المألوفة من قبل أهلها ومن قبل أخيها تحديدا،التي تحاول الحفاظ عليها من قبل المجتمع بقسوة ملحوظة من حيث التقشف في اللباس وشيء من حبس وكبت لحريتها،وهذا شيء سيدفعها الى التماثل مع شخصية عاهرة،أو دعونا نستخدم عنوان الفيلم،الذوبان في شخصية أخرى،وهذه الحبكة تذكرني،وإن كان ولا بد، بفيلم كيسلوفسكي الشهير الحياة المزدوجة لفرونيكا.
وعلى ان موضوعا الفيلم مختلفان،وان تشابهت الحبكة،فإن كان كيسلوفسكي يحلق في تلك السماء الميتافيزيقة التي تتركنا مندهشين من جمال صياغته السينمائية حتى لو اوصلنا الى نهاية مسدودة لوضع تصور عام ومفهوم ومقبول للحبكة العامة للفيلم،ولكن كيم كي دك يعطي حبكته أبعادا نفسية أكثر منها ميتافيزيقية،ولو تحقق الوصف الأخير ولو على مضض،إلا ان البعد النفسي للفيلم هو الحيز الأقوى والأفضل لمناقشة فيلم ذوبان من حيث منظورنا الخاص...
وكلا الفيلمين سيضعانا في النهاية في طريق مسدود لوضع الشخصية الأنثوية المزدوجة محل الواقع المقبول،على أننا-وبعيدا عن فيلم كيسلوفسكي آنف الذكر-نرى ان دن وتماثلاتها مع شخصية عاهرة الى درجة التطابق من حيث الشبه،نعتقد ان المحور برمته هو العقدة التي لاتنتهي من حول معضلة الدكتور جيكل والسيد هايد والتي حققها ذات مرة ماركو فيري مع العملاق مارسيلو ماستروياني...
وان كان كيم كي دك قدم دلائل ملموسة على الوجود الحقيقي للشخصية الأخرى والتي نعتقد بأنها شخصية انبعاثية،فدك مارس هذا الخلط قبل ذلك،وليس من واجبه كمبدع أو فنان أن يقدم تفسيراته المألوفة حول شخصية ابتدعها من خياله ....دك هو من قام بكتابة الفيلم أيضا
التلاقي بين دن الفقيرة المنغلقة على نفسها نتيجة ضغوطاتها العائلية،وبين دن الأخرى العاهرة في الظاهر،ليس هو تكرار من اجل التكرار نفسه،بل هو ذريعة لخلق حبكة من نوع معين قد تكون مكررة هي الأخرى....التقاء دن مع العاهرة التي في داخلها هو رمز ليس للكبت الجنسي فحسب،بل هو رمز للتمرد على كل الواقع وتحقيق المكاسب المادية ايضا،بحيث تقرر هذه العاهرة-أو دعونا نقول المحظية لرجل غني جدا-
تبادل الأدوار وبهذا تحقق دن نوعا من التمرد على حياتها يوصلها الى نتيجة مقبولة ملحوظة مقابل ان تقضي وقتا مع عشيقها الشاب الغني.
ما هي المراة بالنسبة لكيم كي دك...ما الذي تعنيه المرأة بالنسبة اليه...؟!
المرأة كانت ذات حيز واسع في سينما كيم كي دك بالمجمل،ولكن سينما كيم كي دك هي سينما موضوع أكثر منها سينما عن شخصية مركزية أو بطل مركزي،فهي ليست سينما ذات سمة شخصية،فالموضوع أو الحبكة دائما ما يغلب البطل في سينما دك البازولينية والتي فيها شيء أيضا من مسرح آرتو...
تسير الحبكة في هذا الطريق لفترة طويلة بين دن المتقشفة التي تحل محل العاهرة،وتأتي هذه الأخيرة في اللحظة الأخيرة لتنقذها من لحظة الممارسة الفعلية وتحقق لها شيئا من مطالبها المادية مثل كمبيوتر حديث سيساعدها في معالجة صورها الفنية التي ترسمها بيدها.
إذا كانت نهايات كيم كي دك لها علاقة كبيرة بالتساؤلات الالهية والتي بدأت-كما عرفنا-من خلال فيلمه Arirang 2011الوثائقي عن نفسه
ومن محاولة انتحار أحد ممثلاته في فيلم الزمن-Time
دعونا نكتب هذا الحوار الذي قاله الشاب الغني لدن الأصلية وهي تلعب دور العاهرة:
عندما أراد ليوناردو دافنشي رسم لوحة العشاء الأخير،لفترة طويلة لم يستطع ان يجد التجسيد الشخصي ليرسم من خلاله:اليسوع ويهوذا،ولكن بعد فترة وجد شخصا من كادر الكنيسة ورسم يسوع.
ولكنه ظل يبحث لسنوات عديدة أخرى عن تجسيد شخصي لشخصية يهوذا،وبعد فترة من الوقت وجد شخصا مشردا في الشارع يرتدي ملابس قذرة مخمورا متشردا،وكأنه يبدو الشخص المثالي لهذا النموذج:يهوذا
ولكن،كما اتضح فيما بعد،كان الشخص نفسه...؟!
يردد الرجل هذا الكلام ويسرد هذه القصة مع متابعة لمساته الجنسية لدن
يبدو تحريف قصة معضلة الدكتور جيكل والسيد هايد مناسبا لهذه السردية ومناسبا لكل عصر،لأن معضلة الدكتور جيكل والسيد هايد هي حكاية عن الانسان أولا وأخيرا،ودن تبدو رغباتها متداخلة جدا مع الواقع،فالرغبات أو المخاوف التي تتحدث عنها دن تحدث مباشرة،فهي ان خافت على عاهرتها أن تصبح حامل نجدها بأنها هي أصبحت حامل،وعندما تخاف ان تفقد عائلتها،نرى العاهرة تسير تمردا فظا تمزق فيه الصورة التي تجمع العائلة مع بعضها وهذا يجعلنا نقول-وللأسف نظرا للتكرار-أن العاهرة التي حاول كيم كي دك أن يخرجها في الواقع كشخصية مستقلة ليست إلا دن نفسها.
ولكن الأهم هو خوف دن-من دون ذوبان هذه المرة-من اللحظة الأخيرة،من الجماع نفسه،وهذا لن يجعلنا نقول شيئا غريبا أو غير مألوفا،لأن دن تعاني من تكثيفية غير محدودة من نظريات فرويد عن الخجل والكبت الاجتماعي،واللقطة الأخيرة في الفيلم تجعلنا نقول أن دن بدأت الحياة الفعلية عندما انفضت بكارتها...؟!
الفيلم يبدو جيدا في الكثير من معطياته وحتى في سرديته الهادئة الأكثر تأملية،البعيدة عن قسوة كيم كي دك المألوفة،على أنه لازال في الفيلم شيئا يقول بقوة....أن هذا الفيلم هو لكيم كي دك



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World