هل الجامعات الليبية بحاجة إلى التصنيفات العالمية ؟

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2023 / 5 / 10

بادئ ذي بدء قد يكون مفيدًا أن أشير إلى أنني تعلمت بأن القول إن لم يزد على عقل المرء فإنه من الفُضُول، بالتالي فهذه المقالة تأتي في سياق أهداف الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم بشأن توعية المجتمع بأهمية الجودة وضمانها في التعليم، وتأثيرها على مستقبل الأجيال القادمة، فضلا عن لفت انتباه المسؤولين نحو القضايا المهمة في هذا المجال، حتى لو ادعى البعض أنه يعرف بالضبط ذلك.
إن كل ما قيل وما يمكن أن يقال عن التصنيفات العالمية للجامعات قابل لا محالة للحوار والنقاش، ولكن أود قبل ذلك أن أطرح عدد من التساؤلات المشروعة، وهي :
• ما الأهداف التي تسعى إليها التصنيفات العالمية ؟
• هل التصنيفات تعد من ضمن أولويات الجامعات الليبية ؟
• ما هي أولويات الجامعات الليبية: الجودة وضمانها، أم التصنيفات العالمية؟
إذن هذه هي التساؤلات الكبرى التي سنحاول الإجابة عنها في الصفحات القادمة، حيث لا يمكن القول بأن التصنيفات العالمية غير مهمة، أو غير ذات جدوى، كما أنه لا يمكننا الإلمام بفلسفة التصنيفات خارج دائرة الأهداف المناطة بها، وهذا الأمر يدفعنا إلى البحث عن إجابة للتساؤل الأول وهو : ما أهداف التصنيفات العالمية؟
في الحقيقة يمكن حصر أهم أهداف التصنيفات العالمية في النقاط الآتية:
1. توفير معلومات مفصلة عن مؤسسات التعليم العالي، وبرامجها، إلى المؤسسات المانحة والمستثمرين، فضلا عن جذب مصادر الدعم والتمويل .
2. تقديم معايير ومؤشرات متنوعة وموحدة، بغية القيام بعمليات التحسين والتطوير لمؤسسات التعليم العالي.
3. تمكين الطلبة والأكاديميين وأصحاب العمل والمجتمع المحلي والدولي من اختيار مؤسسات التعليم العالي والبرامج المتميزة.
4. تعزيز التنافسية بين مؤسسات التعليم العالي وتحفيزها على تحسين والتطوير.
5. تحسين سمعة مؤسسات التعليم العالي وزيادة الاعتراف بها على المستوى الدولي، وزيادة القدرة على جذب الطلاب والأكاديميين .
أرجو من القارئ أن يتدبر جيدًا في هذه الأهداف، حيث تتكشف لنا بأنها ليست لها علاقة مباشرة بقضايا الجودة وضمانها في التعليم مثل : وضع أو بناء أو فاعلية الخطط الإستراتجية، أو تحسين البنية التحتية، أوتطوير المناهج، أوتحسين وتطوير عمليتي التعليم والتعلم، فهذه القضايا تدخل ضمن أهداف الجودة وضمانها في التعليم، ويتم تحقيق هذه الأهداف من خلال تطبيق معايير الجودة وضمانها في التعليم.
ولكن يمكن القول بأن التصنيفات العالمية ربما تساعد أو تدفع نحو تحقيق تلك الأهداف، بشكل غير مباشر فمثلا : يمكن أن تعمل التصنيفات على تحفيز مؤسسات التعليم العالي على تحسين البنية التحتية، أو تطوير عمليتي التعليم والتعلم بحيث يجعلها قادرة على تحقيق تصنيفات متقدمة، كما يمكن للتصنيفات أن تساعد على جذب المزيد من الدعم والتمويل لتحقيق الجودة وضمانها في التعليم.
ومعني هذا ببساطة شديدة بأنه توجد أهداف محددة وخاصة لكل من التصنيفات العالمية، والجودة وضمانها في التعليم
والسؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة للجامعات الليبية : أيهما الأكثر جدوى التصنيفات أم الجودة وضمانها في التعليم؟
قبل الإجابة على هذا التساؤل دعونا نستعرض آخر تقرير صادر عن الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم 2021م، والذي رصد وقائع الجودة وضمانها في الجامعات الليبية، حيث حدد التقرير المذكور عدد من الإكراهات تواجه الجامعات في تطبيق الجودة وضمانها، لعل أهمها :
 لا تزال جل الجامعات الليبية تفتقر إلى وجود مجالس أمناء تشرف على وضع الخطط والسياسات لتلك الجامعات.
 لا تزال مسألة تأصيل وتطبيق الجودة وضمانها في الجامعات الليبية قائمة على شخص رئيس الجامعة، فضلا عن شخص مدير مكتب الجودة وتقييم الأداء بالجامعة، فمؤشرات صعود وهبوط الجامعات في تأصيل وتطبيق الجودة لا تزال قائمة على هذين الشخصين.
 لا تزال الجودة وضمانها تواجه مقاومة التغيير من قبل أعضاء هيئة التدريس بالجامعات.
 لا تزال بنود ميزانية الجامعات تفتقر لوجود بند خاصة لبرامج وأنشطة الجودة وضمانها بالجامعات.
 لا تزال جل الجامعات تفتقر لوجود مراكز لتدريب وتأهيل ورفع كفايات ومهارات أعضاء هيئة التدريس، والإداريين بكل جامعة، وتوفير الكوادر البشرية المتخصصة.
 الافتقار إلى وجود معايير واضحة ومحدّدة عند اختيار مسؤولي الجودة والعاملين بها بالجامعات، والكليات والأقسام.
 أصبحت الجودة وضمانها في بعض الجامعات مجرد وثائق ومستندات يتم تجمعيها في ملفات محددة بغية إحالتها إلى المركز الوطني لضمان الجودة، دون وجود أي فعالية لتلك الوثائق والمستندات على الوقائع والممارسات الفعلية، وهذا يعني ببساطة وجود فجوات بين نتائج الدراسات الذاتية المحالة إلى المركز الوطني لضمان الجودة والوقائع الفعلية.
 أصبحت برامج الجودة والاعتماد مجرّد وثيقة تحصل عليها الجامعة أو البرنامج الأكاديمي دون أن يكون لها أيّ قيمة مُضافة في جانبها الأكاديمي، أو الثقافي، أو المجتمعي.
 الافتقار إلى وجود إطار وطني للمؤهّلات العلمية، يتم من خلاله تحديد أو بناء مخرجات التعلّم المستهدفة .
على القارئ بعد أن أحاط بهذه التحديات أن يدرك بسهولة بأن وقائع تطبيق الجودة وضمانها في الجامعات الليبية لا يزال دون المستوى المطلوب، بالتالي فإن التفكير في التصنيفات والمراكز العالمية للجامعات الليبية يصبح غير مجدٍّ وقد يكون مضيعة للوقت والجهد والمال.
وهنا نسارع إلى القول بأنه من المفترض ألا تشكل مسألة التصنيفات العالمية أولويات لجل الجامعات الليبية، إنما يتوجب على الجامعات الليبية، ووزارة التعليم العالي التركيز وبشكل حثيث على دعم ومساندة برامج وأنشطة الجودة وضمانها في التعليم، بدلاً من التركيز بشكل كبير على الحصول على التصنيفات العالمية، مثلما لاحظنا خلال الأشهر الماضية.
وهذا يعني التركيز على تطوير وتحسين البنية التحتية، وتطوير البرامج التعليمية، وتدريب أعضاء هيئة التدريس...إلخ، وهذا يعد التحدي الكبير.
وحتى لا يجد الخوف والقلق إلى أنفسنا سبيلا فإن السؤال الجوهري الذي يقفز إلى الذهن هنا هو:
ما هي أولويات الجامعات الليبية خلال المرحلة القادمة؟
يمكن رصد عدد من الأولويات التي يتوجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في جل الجامعات الليبية، وهي :
1. يجب أن تكون الجودة وضمانها في التعليم هي الأولوية الرئيسة للجامعات الليبية.
2. توفير الدعم والتمويل اللازمين لبرامج وأنشطة الجودة وضمانها في الجامعات، بغية إتاحة الوصول إلى التعليم العالي.
3. توفير الدعم اللازم للطلبة المتعثرين.
4. تشجيع ريادة الأعمال والابتكار والبحث العلمي .
5. تحسين البنية التحتية للجامعات الليبية، وتوفير المزيد من المرافق والمعدات والتقنيات الحديثة.
6. تشجيع الجامعات الليبية على بناء شراكات دولية، وتبادل الخبرات والممارسات مع الجامعات العالمية الرائدة، وفضلا عن تشجيع تبادل الطلبة مع الجامعات المعترف بها.
7. تحسين إدارة الجامعات ومراجعة وتطوير التشريعات واللوائح الإدارية والمالية والتقنية.
إذن على أي حال وسواء قبل البعض أو لم يقبل بوجهة النظر هذه فإنه من المؤكد بالنسبة لي بأن هذه الأولويات يجب أن تكون هي الأولوية الرئيسة للجامعات الليبية، التي تعاني من تدني في تطبيق برامج الجودة وضمانها، فضلا عن كون الجودة وضمانها مرتبطة إلى حد كبير بتحرك وفعالية الإنسان داخل الجامعات، وهنا يتبادر إلى الدهن مقولة مالك بن نبي يقول فيها " إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ"
مع كل ما سبق يمكن القول بأننا نخلص إلى أنه عندما تتحسن جودة التعليم في الجامعات الليبية، فإن ذلك يمكن أن يسهم في زيادة تصنيف الجامعات الليبية، بالتالي فإن التفكير في موضوع التصنيفات والمراكز العالمية للجامعات الليبية يمكن أن يصبح أكثر فائدة ومنطقية، حيث يسهم ذلك في تحسين السمعة والصورة الدولية للجامعات الليبية، وزيادة شهرتها وتعزيز تنافسيتها على المستوى العالمي، حتى لا نكون معزولين عن العالم الخارجي.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World