قراءة نقدية عن : المؤتمر العلمي الثاني للجمعية الليبية لعلم الاجتماع بعنوان - المجتمع والدولة والأزمة الليبية-

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2023 / 5 / 8

عُقد خلال الفترة من 6 إلى 7 مايو 2023م المؤتمر العلمي الثاني للجمعية الليبية لعلم الاجتماع، تحت عنوان "المجتمع والدولة والأزمة الليبية"، حيث شارك في هذه الفعالية عدد من الأساتذة الليبيين في علم الاجتماع من مختلف الجامعات الليبية، ووصل عدد المشاركات البحثية إلى (22) ورقة علمية، حيث تركزت محاور المؤتمر العلمي على عدد من المحاور الاجتماعية والسياسية للأزمة الليبية، وتضمنت ما يلي:
• الأزمة الحالية في ليبيا وحالة التوازن المجتمعي: يركز هذا المحور على الوضع الحالي في ليبيا وكيفية تأثيره على التوازن المجتمعي، مع التركيز على العوامل الاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى الأزمة.
• المجتمع الليبي نظرة من الداخل: يهدف هذا المحور إلى فهم المجتمع الليبي من الداخل ودراسة العوامل الاجتماعية التي تؤثر عليه، وكيف يمكن تحسين التواصل بين الحكومة والمجتمع.
• ثقافة المجتمع كجزء أساسي من الصراع وحل النزاعات: يركز هذا المحور على دراسة الثقافة الليبية ودورها في الصراعات وحل النزاعات، مع التركيز على العوامل الاجتماعية والثقافية التي يمكن استخدامها للحد من الصراعات وحل النزاعات.
• السلطة وإعادة بناء التنظيم السياسي: يهدف هذا المحور إلى فهم كيفية بناء التنظيم السياسي في ليبيا ودور السلطة في ذلك، مع التركيز على العوامل الاجتماعية والسياسية التي تؤثر على العملية.
• إنجازات الاستحقاقات وإقامة الدولة: يركز هذا المحور على الإنجازات التي تحققت في ليبيا بعد الاستحقاقات السياسية وكيفية بناء دولة قوية ومستقرة، مع التركيز على العوامل الاجتماعية والسياسية التي ساعدت في تحقيق هذه الإنجازات.
وحيث أن المجال لا يسمح لمناقشة جميع الأوراق العلمية فأننا سنكتفي برصد بعض المفارقات السوسيولوجية والنفسية التي واكبت فعاليات هذا المؤتمر، سواء من خلال استعراض الأوراق العلمية، أو من خلال التعقيب عليها، ومن بين هذه المفارقات:
1. المشاعر المتضاربة بين الأمل واليأس: برزت مشاعر بالأمل في إيجاد حلول للأزمة الليبية، ولكن في الوقت نفسه برزت لدى البعض الآخر مشاعر القلق والإحباط بسبب استمرار الصراعات والانقسامات.
2. الثقة والشك: برزت من خلال المناقشات مشاعر فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية، والشعور بالشك والقلق بشأن مستقبل ليبيا، والإصلاحات اللازمة لحل الأزمة، وكأنما الوطن ينتظر قدرا غامضا.
3. الحرية والمسؤولية : أكد جل البحاث على أهمية تحقيق الحرية والديمقراطية في ليبيا، ولكن الحرية كانت عبء ثقيل على الشعب الليبي، وهنا تبرز مقولة مالك بن نبي يقول "إن الحرية عبء ثقيل على الشعوب التي لم تحضرها نخبتها لتحمل مسؤوليات".
4. منزلة القبيلة في المجتمع والوحدة الوطنية: يلوح شبه اجماع من الباحثين على استمرار وجود واحدة من المفارقات المهمة التي يواجهها الليبيون في الوقت الحالي، وهي بروز منزلة الانتماء القبلي على حساب الوحدة الوطنية، فالانتماء القبلي هو جزء من الهوية الليبية، ويُشكل هذا الانتماء بعدا تاريخاً وتراثاً ثقافياً غنيا، ومن ناحية أخرى، فإن الوحدة الوطنية هي الهدف الذي يسعى إليه الليبيون، ويعتبر التوازن بين الانتماء القبلي والوحدة الوطنية تحدياً كبيراً يواجه الليبيون في جهودهم لتحقيق الاستقرار والتنمية في البلاد.
5. وحدة المحنة : أكد جل الباحثين بأن المحن التي تعرض لها الليبيون خلال عشرة سنوات الماضية ربما جعلت الوجع واحد.
6. القيم المجتمعية بين التغيير والثبات: هناك إدراك من الباحثين بان القيم المجتمعية في ليبيا تغيرت في مرحلة ما بعد 2011م، حيث لم تعد بعدها كما كانت قبلها، فبعضها ربما انحرفت أو استقامت.
7. العيش في ليبيا للكتابة: تبين من خلال مناقشة الأوراق العلمية بأنه من أرد عن يكتب عن الأزمة الليبية عليه أن يعيش فيها.
8. باحث حكومي وروح المغامرة: تبين من بعض الأوراق العلمية الحاجة إلى وجود قلب الصحفي لا يعترف في كثير من الأحيان بالرسميات، كونها قيود للولوج إلى المعلومات والبيانات.
وعموما يمكن رصد وتدوين عدد من الملاحظات المهمة عن موضوعات المؤتمر، وهي :
 تشكل محاور المؤتمر حزمة جيدة من الموضوعات المهمة التي يمكن النظر إليها عند دراسة الأزمة الليبية، حيث تغطي هذه المحاور عددًا من الجوانب الرئيسة للأزمة الليبية، بما في ذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحقوق الإنسان.
 يعد موضوع الأزمة الليبية موضوعًا حساسًا ومعقدًا ومتشابكًا، ويتطلب فهمًا شاملاً للتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تواجه البلاد، وبالتالي يحتاج الباحثون إلى التخصص والخبرة في مجالات متعددة، وهذا يعني أن فهم الكثير من المسائل الأزمة الليبية هي بحاجة إلى خلفية واسعة ومعرفة عميقة بالتاريخ، والثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والأمن ،وحقوق الإنسان في ليبيا، فضلا عن أهمية فهم العلاقات الدولية والإقليمية والقوى الدولية الداعمة والمتأثرة بالأزمة الليبية.
 برز موضوع التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على القواعد الدينية وتشكيل الهوية الوطنية، حيث يمكن أن تؤدي التقنيات الرقمية إلى تغيير طريقة التفاعل الاجتماعي والتواصل بين الأفراد، وتغيير الشكل الذي يتخذه الدين والهوية الوطنية في العالم الرقمي، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير القيم والمعتقدات والتقاليد الثقافية والدينية، وتأثيرها على الهوية الوطنية.
 إن من يحسن التأمل ويدقق النظر يستطيع أن يدرك بسهولة بأن بعض البحاث وقعوا في عدد من المحاذير المنهجية عند استعراضهم ومناقشتهم أوراقهم العلمية، وقد يكون مفيدا أن نشير إلى أهمها:
1. بروز صعوبة الحصول على البيانات والمعلومات المتاحة حول حالة الأزمة الليبية، وهذا ربما أثر على جودة بعض الأوراق وتحليلها.
2. يتضمن البحث عن الأزمة الليبية التعامل مع قضية حساسة ومعقدة ومتشابكة، بالتالي برزت إكراهات أخلاقية في التعامل مع محاور المؤتمر، خاصة فيما يتعلق بالحيادية والموضوعية.
3. واجه بعض البحاث صعوبة في التعامل مع مصادر غير موثوقة، أو معلومات غير مؤكدة، وهذا ربما أثر على دقة بعض الأوراق ومصداقيتها.
4. برزت صعوبة حفاظ جل البحاث على الحيادية، وعدم التحيز في تحليل البيانات والنتائج.
5. بروز اللغة العاطفية عند مناقشة الأزمة الليبية، والابتعاد عن الموضوعية والحيادية، وهذا في الحقيقة أثر على دقة وموثوقية نتائج وتوصيات بعض الأعمال .
6. بروز التوجه السياسي الايديولوجي لبعض الباحثين بشكل صريح وعلني، وهذا الأمر ربما أثر على تفسير نتائج الأوراق العلمية التي قدموها .
عمومًا يعد عقد مثل هذا المؤتمر في ليبيا ظاهرة جيدة، ومفيدة، خاصة في ضوء استمرار الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها ليبيا منذ عدة سنوات، فمن خلال مثل هذه المؤتمرات، يمكن للخبراء والأكاديميين والمهتمين تبادل وجهات النظر، والتجارب، والمعلومات المتعلقة بموضوع الأزمة الليبية من جوانبها المتعددة ، فضلا عن كون ذلك، يُمكن ويساعد في توعية الجمهور وتعزيز الوعي بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المتنوعة للأزمة الليبية.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World